تقرير: التغيرات الإقليمية المرتبطة بالربيع العربي تنطوي على تداعيات إستراتيجية بالنسبة إلى إسرائيل - مركز الناطور للدراسات والأبحاث
Take a fresh look at your lifestyle.

تقرير: التغيرات الإقليمية المرتبطة بالربيع العربي تنطوي على تداعيات إستراتيجية بالنسبة إلى إسرائيل

0 241

مركز الناطور للدراسات والابحاث

  رام الله- قال المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية- مدار إن العام 2011 شهد عدة أحداث مفصلية ذات طابع إستراتيجي أثرت ومن المتوقع أن تؤثر في الأعوام القليلة المقبلة على وجهة المشهد الإسرائيلي وتطوراته المستقبلية، وعلى رأسها التغيرات الإقليمية المرتبطة بـ “الربيع العربي” وما سيتمخض عنها من إعادة صياغة للمشهد الإقليمي وخريطة التحالفات فيه، تليها الأزمة المالية العالمية التي تضرب منطقة اليورو وما سيترتب عليها من تغيرات محتملة في خريطة القوى المستقبلية، واستمرار تحول إسرائيل نحو دولة أكثر يمينية وأكثر دينية وأكثر انعزالا. وأكد أن الاهتزاز الإقليمي الناتج عن الربيع العربي انطوى على أثر خاص بالنسبة إلى إسرائيل، إذ أنه أعاد نفض خريطة التحالفات الإقليمية، ويمكن النظر إلى سقوط نظام حسني مبارك في مصر بوصفه إغلاقا لحقبة “الخروج من العزلة” حيث خسرت إسرائيل آخر حلفائها بعد خسارتها نظام الشاه أولا وتركيا ثانيا، وأصبحت إسرائيل اليوم عمليا دولة من غير حليف إقليمي مهم.

جاء ذلك في سياق مؤتمر خاص عقده مركز مدار يوم الأربعاء (28/3/2012) في رام الله وعرض فيه أبرز استنتاجات تقريره الإستراتيجي السنوي للعام 2012 الذي يرصد أهم المستجدات والتطورات التي شهدتها الساحة الإسرائيلية في العام 2011، كما يستشرف تطور الأمور ووجهتها في الفترة المقبلة. وهذا هو التقرير الثامن من نوعه والذي يحظى باهتمام العديد من الأوساط السياسية والأكاديمية والإعلامية.

وقد بدأ المؤتمر الذي حضره ما يزيد عن 200 مشارك من سياسيين وكتاب وباحثين وطلبة دراسات عليا فلسطينيين بكلمة للدكتورة هنيدة غانم، المديرة العامة لمدار، رحبت فيها بالحضور، وتحدثت عن المحاور الرئيسة للتقرير، ومنهجية العمل عليه، ثم استعرضت بشكل سريع بعض النتائج التي توصل إليها التقرير، وأكدت أن هذا التقرير لم يكن يخرج للنور لولا جهود الباحثين المختصين الذي تناولوا محاوره، ومتابعات فريق العمل في مدار طوال الوقت. ثم قدّم المشتركون في كتابة فصول التقرير عرضًا موجزًا لأهم ما اشتملت عليه فصولهم. واختتم المؤتمر بتعقيب على التقرير قدمه الدكتور نبيل شعث، عضو اللجنة المركزية لحركة فتح ومفوض العلاقات الخارجية الحركة الذي أشاد بمضمونه وأورد بعض الملاحظات الهادفة إلى تحسينه وتعميم فائدته.

ويتطرّق التقرير بالتفصيل إلى التطورات التي شهدتها الساحة الإسرائيلية في سبعة محاور أساسية هي: العملية السياسية الإسرائيلية- الفلسطينية؛ العلاقات الخارجية الإسرائيلية؛ المحور السياسي الداخلي؛ المحور الأمني والعسكري؛ المحور الاقتصادي؛ المحور الاجتماعي؛ محور الفلسطينيين في إسرائيل، بالإضافة إلى ملخصه التنفيذي.

وأشرف على إعداد وكتابة التقرير مجموعة من الباحثين المختصين. وقامت بتحريره وكتابة الملخص التنفيذي له د. هنيدة غانم، وشارك في كتابة فصوله كل من د. عاطف أبو سيف ومهند مصطفى ، د. أمل جمّال، أنطوان شلحت، فادي نحاس ، د. حسام جريس ، نبيل الصالح وإمطانس شحادة، الذين اتبعوا في تحليلهم قراءة موضوعية استشرافية لشتى الأحداث التي ميزت العام 2011، من خلال التركيز على المتغيرات ذات الطابع الإستراتيجي.

وجاء في التقرير أنه بالإضافة إلى الأحداث المفصلية ذات الطابع الإستراتيجي المشار إليها أعلاه، شهدت الساحات المحلية والإقليمية والدولية أحداثا مهمة أخرى أثرت وستؤثر على وجهة وتطورات المشهد الإسرائيلي والإقليمي على المدى القريب، من بينها انطلاق الحملة الانتخابية الرئاسية الأميركية، وقرار السلطة الفلسطينية التوجه بطلب عضوية كاملة في الأمم المتحدة إلى مجلس الأمن، إضافة إلى تسخين الملف الإيراني وعودة التلويح بالقيام بضربة عسكرية لمنشآتها النووية.

ولفت إلى أنه في ظل هذه التطورات تبدو إسرائيل أكثر من أي وقت مضى دولة “معزولة” في محيطها، متوجسة مما سيتمخض عنه المستقبل فيما يتعلق بجيرانها خاصة مع اندلاع الثورة السورية وما يرافقها من عدم وضوح وضبابية، وفي ظل وقوع أوروبا “الصديقة” في أزمة اقتصادية تهدد مستقبل الاتحاد الأوروبي وتهدد بإضعاف دور أوروبا المستقبلي في منطقة الشرق الأوسط، وفي مقابل هذه التغيرات الخارجية تفاقم الانزياح الإسرائيلي في اتجاه اليمين القومي، وكما تشير التحليلات والدراسات فإن إسرائيل تشهد تحولات داخلية بنيوية تتحول معها إلى دولة أكثر يمينية وأكثر دينية مما سبق، وذلك في مقابل تراجع قوة الفئات العلمانية و”اليسارية”، وزيادة تضييق الخناق على منظمات المجتمع المدني ومنظمات حقوق الإنسان ومحاصرتها من قبل قوى يمينية تعمل على إعادة تأكيد القيم القومية الصهيونية كحال منظمة “إم ترتسو”، فيما ازداد انسداد الأفق أمام حل الدولتين. ويمكن القول في هذا السياق إن انطلاق حركة الاحتجاج التي رفعت شعارات العدالة الاجتماعية، كشفت عن الصراعات الداخلية التي تتنازع إسرائيل بين قطب يحاول استرداد قيم الصهيونية الاشتراكية القديمة التي مثلها سابقا حزب العمل وأحزاب اليسار وبين قطب يحاول إعادة إنتاج صهيونية جديدة، يمينية نيو- ليبرالية قومية ويهودية يمثلها تحالف يشاي- ليبرمان- نتنياهو، أكثر مما هو مجرد احتجاج على واقع السوق.

ولدى تطرّق التقرير إلى ثورات الربيع العربي أكد على نحو خاص أن سقوط نظام مبارك في مصر وما أعقبه من صعود للإسلاميين من جهة، والانتفاضة السورية وما يرافقها من ضبابية بشأن وجهة سورية مستقبلا من جهة ثانية، يشكلان حدثين إقليميين مفصليين. ومع أنه ما زال من المبكر استخلاص النتائج القاطعة حول الآثار المستقبلية للأحداث نظراَ لاستمرار تفاعلها وسرعة تقلبها، إلا أن النتيجة الأكيدة هي أن خريطة تحالفات إسرائيل وتوازناتها الإقليمية لم تعد كما كانت، وأن أي تخطيط للسياسات الإسرائيلية المستقبلية ستأخذ في الحسبان دخول الشعوب كعامل مؤثر حاسم على الأقل، بعد أن كان عاملا غائبا لعقود، حيث اعتادت إسرائيل خلالها على صياغة سياستها مقابل “أنظمة” ورؤساء فقط. وفيما يهدد سقوط نظام مبارك بتحول مصر عامة وسيناء خاصة إلى مصدر “للخطر”، فان سقوط النظام السوري من الممكن أن يفتح الباب لموازنة هذه الخسارة عبر “تفكيك” محور حزب الله- إيران- سورية، وذلك بالطبع في حال صعد إلى الحكم في سورية نظام “براغماتي” مقبول غربيا، وعدم تحول سورية إلى “عراق جديد”، مشحون بالفوضى وساحة عمل للتنظيمات “المعادية “، وهو ما تخشاه إسرائيل.

ورأى التقرير أن توجه السلطة الفلسطينية بطلب الانضمام إلى الأمم المتحدة في أيلول 2011 شكل حدثا مهما ومحاولة لوضع معادلة جديدة لآليات حل الصراع وفك الجمود الذي أصاب “عملية السلام” وذلك بعد أعوام طويلة من المفاوضات العجاف. وتباينت المواقف الإسرائيلية تجاه الخطوة الفلسطينية، وفيما عبر بعض الساسة الإسرائيليين وعلى رأسهم إيهود باراك عن خشيتهم من أن تتحول هذه الخطوة إلى تسونامي سياسي، فقد قلل ساسة آخرون من آثار هذه الخطوة واعتبروها زوبعة في فنجان.

وعلى الرغم من أن المعركة الدبلوماسية التي رافقت تقديم الطلب، سواء من الطرف الفلسطيني الذي حاول إقناع بعض الدول بالتصويت لصالح القرار، أو من الطرف الإسرائيلي الذي سعى إلى إجهاضه من خلال الولايات المتحدة، فقد استطاع الفلسطينيون حشد تأييد شعبي لخطوتهم هذه، لكن تبقى أهمية هذه الخطوة منوطة بالخطوات التي ستتلوها والتي ستقوم بها السلطة الفلسطينية. إذ أن تجميد الطلب حاليا، ناهيك عن حالة الهدوء الأمني التي تسود مناطق الضفة الغربية، تعطي إسرائيل شعورا بالانتصار بسبب تعرقل هذا المسعى والأهم الاستمرار في سياسات فرض الأمر الواقع على الأرض، خاصة في ظل الانشغال الأميركي بالانتخابات الرئاسية وانشغال العالم العربي بالثورات التي تجتاحه، ناهيك عن الأزمة المالية في منطقة اليورو وما تعنيه من إضعاف للدور الأوروبي.

وتحت عنوان “تسخين الملف الإيراني في ظل استمرار حالة عدم الاستقرار في الشرق الأوسط” قال التقرير:

بالرغم عن حالة عدم الاستقرار الإقليمي الذي تشهده المنطقة، وحالة الغموض والترقب الناتجة عن ذلك، وربما بسبب تزايد المخاوف الإسرائيلية من عدم الاستقرار وبالتالي تزايد الشعور “بالتهديد” لأمنها الإقليمي، شهد الملف الإيراني سخونة متزايدة في الربع الأخير من العام 2011، وجاء ذلك على خلفية نشر تقرير وكالة الطاقة الذرية الذي لمح إلى وجود أهداف عسكرية للبرنامج النووي الإيراني، وبغض النظر عن مدى صدقية هذا الاتهام، وعن ادعاء الكثيرين أنه لا يحمل أية أدلة موضوعية جديدة، إلا أن إسرائيل سارعت إلى إعلاء الموضوع الإيراني وخطر تطوير قنبلة نووية إلى مصاف الأخطار الإستراتيجية التي تتهدد السلام العالمي. وتعالت النقاشات الحادة بين الجانب السياسي ممثلا بباراك ونتنياهو وبين الجانب الأمني والعسكري، ففي حين أبدى الأولان موقفا يؤيد توجيه ضربة عسكرية فقد أبدى الأخير موقفا معارضا.

ورغم حدة النقاش وسخونته في الخطاب الإسرائيلي، لا بد من أن نشير إلى أن إمكانية شن ضرب عسكرية على إيران تتأثر بعوامل مستقلة تؤثر على إمكانية تنفيذها، وأبرزها:

1.     الانتخابات في الولايات المتحدة: تشير أغلب القراءات إلى أن الرئيس الأميركي باراك أوباما، الذي يخوض معركة لانتخابه لولاية ثانية، لن يكون راغبا في إرسال القوات الأميركية إلى شن حرب جديدة، وفي “التورط” في إدارة حرب لا يمكن التأكد من نتائجها.

2.     عدم الاستقرار في سورية: رغم انشغال النظام السوري حاليا بالشأن الداخلي الأمر الذي يمكن أن يشكل “فرصة” لتحييده عن أي حرب ضد ما تسميه إسرائيل خطرًا إستراتيجيًا كيانيا، إلا أن هذا العامل قد يلعب دورا معاكسا بحيث تؤدي الضربة إلى تضامن الشارع العربي مع إيران وبالتالي أيضا مع النظام السوري الذي سيتكاتف بالضرورة مع إيران، وهو ما يعني تهديد مصالح أميركا من حيث إضعاف المعارضة السورية أولا، وتقوية النظام ثانيا، وزيادة منسوب الكراهية لأميركا ثالثا، في الوقت الذي تتزايد فيه أصلا قوة القوى الإسلامية التي لا تعتبر أميركا أصلا “صديقا”، وفي الوقت الذي تشهد فيه المنطقة زعزعة عميقة فان أي عمل “حربي” قد يؤدي إلى توجيه الحراك الشعبي إلى اتجاهات لا ترغب أميركا فيها وتحاول تلافيها.

3.     الأزمة المالية العالمية: تثقل الأزمة المالية التي ضربت بعض دول اليورو كاهل دول الاتحاد الأوروبي وتهدد مستقبل الاتحاد حتى من دون حرب. واندلاع حرب جديدة في المنطقة يعني عمليا تعميق الأزمة الاقتصادية في هذه الدول أولا بسبب استيرادها النفط من إيران، وثانيا بسبب تأثير الحرب المتوقع على إغلاق مضائق هرمز، وثالثا بسبب عدم وجود توقع بشأن مدى استطالة هذه الحرب.

 عرب ال48 29/03/2012

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.