تقدير موقف - انطوان شلحت  - عقب إعلان بومبيو: إجماع إسرائيلي على المستوطنات أو على شرعيتها! - مركز الناطور للدراسات والأبحاث
Take a fresh look at your lifestyle.

تقدير موقف – انطوان شلحت  – عقب إعلان بومبيو: إجماع إسرائيلي على المستوطنات أو على شرعيتها!

0 52

  تقدير موقف – انطوان شلحت  *- 2/12 /2019

أدى إعلان وزير الخارجية الأميركية مايك بومبيو أخيراً بشأن كون المستوطنات في الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ 1967 قانونية ولا تنتهك القانون الدولي، إلى رد فعل إسرائيلي مرحب بهذا الإعلان، ما عدا بعض أصوات المعارضة.

تنطلق هذه الورقة من الادعاء بأن القراءة الإسرائيلية لهذا الإعلان تُعبر عن تلاشٍ شبه تام للفروقات الجوهرية بين التيارات السياسية المركزية في المشهد الإسرائيلي حيال الموقف من خطة السلام الأميركية المعروفة باسم “صفقة القرن”، والتي يبدو أن الإعلان الأميركي الحالي جاء كجزء منها.

كما يندرج إعلان بومبيو ضمن الخطوات التي اتخذتها الادارة الأميركية برئاسة دونالد ترامب في السنوات الاخيرة ضد الفلسطينيين والانحياز لا بل التماهي تماماً مع اليمين المتطرف في إسرائيل، بدءاً من الاعتراف بالقدس كعاصمة لإسرائيل ونقل السفارة الأميركية إليها، مرورا بإغلاق مكاتب منظمة التحرير الفلسطينية في واشنطن وقطع المساعدات عن السلطة الفلسطينية، وانتهاء بوقف الدعم لمنظمة “الأونروا” واعتبار أن المستوطنات لا تخالف القانون الدولي.

خلفية

جاء إعلان بومبيو في ظل الأحداث البارزة التالية:

أولاً، تصريح رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو حول نيته فرض القانون الإسرائيلي على منطقة غور الأردن ولاحقا على المستوطنات في الضفة الغربية.

ثانياً، تكثيف تصريحات وزراء وأعضاء كنيست من الليكود حول سنوح اللحظة لفرض السيادة الإسرائيلية على الضفة الغربية أو على الأقل على المستوطنات الإسرائيلية.

ثالثاً، تصريحات نتنياهو السابقة والمثابرة بأنه لن يتم إخلاء المزيد من المستوطنين من الضفة الغربية.

رابعاً، إعلان الاتحاد الأوروبي عن وسم منتجات المستوطنات في السوق الأوروبية، وهو قرار قضائي قضت به المحكمة الأوروبية.

خامساً، تعثر تشكيل الحكومة الإسرائيلية وتراجع شعبية نتنياهو حسب استطلاعات الرأي العام الأخيرة.

ردود الفعل الإسرائيلية

يمكن تصنيف ردود الفعل الإسرائيلية على إعلان بومبيو المذكور ما بين المرحبة به واعتباره خطوة مهمة نحو فرض السيادة الإسرائيلية على المستوطنات، وبين من تعتبره خطوة إيجابية تشرعن العمل الاستيطاني ولكن تعتبر أن الحلّ النهائي يكون من خلال المفاوضات وتسوية نهائية، وبين من تعتبره أنه يضر بمصالح إسرائيل.

واعتبر نتنياهو تصريح بومبيو بمثابة إصلاح لظلم تاريخي، حيث أن ترامب “قال الحقيقة البسيطة” كما فعل بالنسبة إلى القدس وهضبة الجولان. [1]

كما رحب رئيس تحالف “أزرق أبيض” عضو الكنيست بيني غانتس بالإعلان الأميركي، وقال: “أبارك الإدارة الأميركية على هذا التصريح الهام، الذي يؤكد مجدداً وقوفها الصلب إلى جانب إسرائيل والتزامها بأمن ومستقبل الشرق الأوسط كله.. إن مصير المستوطنات والسكان في يهودا والسامرة (الضفة الغربية) يجب أن يتحدد في تسويات تلبي احتياجات الأمن وقادرة على الدفع قدماً بالسلام، تسويات تخدم الطرفين وتعكس الواقع الميداني على الأرض”. [2]

أما موشيه يعلون، من قادة “أزرق أبيض”، فصرح رداً على الإعلان الأميركي: “أبارك إعلان الإدارة الأميركية والتوضيح التاريخي أن الاستيطان في يهودا والسامرة لا يشكل انتهاكا للقانون الدولي. من الجيد أن ما كان واضحاً لنا دائما يأخذ شرعية كهذه، فلا يوجد شعب محتل في أرضه”. [3]

وقال رئيس الكنيست من حزب الليكود، يولي إدلشتاين، إن “إعلان الإدارة الأميركية هو انتصار واضح لإسرائيل أمام قرار المحكمة المخزي للاتحاد الأوروبي الذي طالب بوسم منتجات اليهود فقط. هذا عدل تاريخي وأخلاقي من الدرجة الأولى ويقوي إسرائيل. أبارك الرئيس ترامب على هذه المقولة الواضحة والشجاعة. الخطوة القادمة- فرض السيادة الإسرائيلية في يهودا والسامرة”. [4]

وأصدر “مجلس المستوطنات في يهودا والسامرة” بيانا أكد فيه على النتيجة التي يريدها إدلشتاين، وهي فرض السيادة على الضفة الغربية، فقد جاء فيه “نبارك إدارة ترامب على كشف الحقيقة فيما يتعلق بمكانة المستوطنات الإسرائيلية في يهودا والسامرة وغور الأردن. هذا قرار دراماتيكي، ونبارك كل من عمل على إصداره. الآن أصبح واضحاً للجميع- (أراضي) يهودا، السامرة وغور الأردن هي جزء لا يتجزأ من دولة إسرائيل، وبعد الاعتراف الأميركي علينا التقدم نحو المرحلة القادمة- فرض السيادة على المستوطنات الإسرائيلية”. [5]

في المقابل شجب حزبا العمل و”المعسكر الديمقراطي” الإعلان الأميركي، حيث صرح رئيس “المعسكر الديمقراطي”، عضو الكنيست نيتسان هوروفيتس، بأن “إعلان الولايات المتحدة خاطئ ومضر، فالمستوطنات هي العقبة الأساسية أمام التسوية والسلام، وهي غير قانونية بحسب تعريف القانون الدولي فضلا عن أنها تضر بالمصلحة الإسرائيلية والفلسطينية، وكان على الولايات المتحدة أن تطالب بوقف أعمال البناء في المستوطنات والاستئناف الفوري لعملية السلام، لا يوجد حل للصراع سوى حل الدولتين”.

وحذّر رئيس حزب العمل- غيشر، عضو الكنيست عمير بيرتس، من أن “تحديد أن المستوطنات قانونية سوف يعطي شرعية لملايين الفلسطينيين للمطالبة بمواطنة متساوية وحقوق كاملة”. وأضاف أن “ثمن الصراع تدفعه أجيال من الإسرائيليين، فهو مشكلة استراتيجية إسرائيلية وليست أميركية، هناك إما دولتان أو دولة واحدة غير صهيونية ولا يهودية، وليست هناك امكانية ثالثة”. [6]

تحليلات

يعتبر غلعاد شير، الذي كان عضواً في طاقم المفاوضات الإسرائيلي إبان فترة حكومة إيهود باراك (1999-2001)، أن إعلان بومبيو لا يغيّر من الواقع في الضفة الغربية بشيء، فهو عبارة عن مقولة رمزية لا أكثر، وهي مقولة تخالف السياسة الأميركية الرسمية سواء أكانت ديمقراطية أو جمهورية. ويحذر شير من أن الإدارة الأميركية لن تبقى تحت قيادة ترامب للأبد، وعلى إسرائيل أن تعمل حسب مصالحها وهي ضمان نفسها كدولة يهودية وديمقراطية، وهذا لا يكون إلا بحل الدولتين لشعبين، حيث ترفض الإدارة الأميركية رؤية ذلك برأيه. [7]

في المقابل أشار الكاتب اليميني يسرائيل هرئيل إلى أن إعلان بومبيو هو “كنز سياسي هام”، ولكن إسرائيل تمارس الاستيطان، كما كتب، ليس بسبب إعلان بومبيو بل لأنه حق أبدي. ويكمل: “صحيح أنه في بداية الصهيونية وبصورة أقل اليوم فإن الدعم الدولي بتأسيس وطن قومي للشعب اليهودي في أرض إسرائيل، مثل تصريح بلفور، كان جوهرياً، ولكن ليس ذلك التصريح أو التصويت في تشرين الثاني 1947 (قرار التقسيم) هما أساس العدل المطلق للصهيونية، وإنما ذلك يعود إلى المسار الطويل، للعودة لصهيون والتمسك بها وإعادة حياتنا السيادية فيها كما كان في السابق، وحقنا بل وواجبنا منذ توق آلاف السنين لتجديد الاستقلال والسيادة”. [8]

وينتقد هرئيل موقف حزب العمل من إعلان بومبيو، ويشير إلى أن موقف حزب العمل الرافض للإعلان يفسر انهيار هذا الحزب وحركة العمل التي دعمت الاستيطان بسبب تحالفهما مع الخطاب ما بعد الصهيوني. واعتبر أن معارضة إعلان بومبيو نابع من كراهية للمستوطنين، في هذا الصدد يشير هرئيل: “كان أوائل المستوطنين في يهودا والسامرة، وفي غور الأردن، من حركة العمل، وأيضاً اليوم هي تدعم الكتل الاستيطانية. ومن المفروض أن يكون بيرتس مكملاً لدافيد بن غوريون، غولدا مئير وليفي أشكول رئيس شعبة الاستيطان سنوات طويلة. ولكن اليوم، مع الأسف، لا يوجد لهذا الحزب أو لكل حزب يساري آخر شعبة للاستيطان. ليس مفاجئا أن الجمهور يترك حركة أزاحت عنها جوهر مبادئها، ونتائج الانتخابات في السنوات الأخيرة تؤكد ذلك بصورة واضحة”. [9]

وفي مقال كتبه المحامي مئير بوحنيك، المساعد السابق لعضو الكونغرس داغ لمبرون، في سياق تحليل إعلان بومبيو يشير إلى أنه “ينظر عادة إلى الرئيس دونالد ترامب كانسان متسلط وهاو. ويعتقد آخرون أنه رجل غير مستقر ولا يملك التجربة والحكمة، ولكن بالذات فيما يتعلق بإسرائيل يمكن اعتبار أن الادارة الأميركية تملك رؤية واضحة، محسوبة ومتزنة. ويريد ترامب أن يتحدى الرؤى القديمة حول الصراع وإزالة العقبات التي تثقل عليه على مدار سنوات، وذلك بهدف فحص مجدد كيف يمكن التوصل إلى حل لهذا الصراع”. [10]

ويكمل بوحنيك: “اليوم أصبحت عملية نقل السفارة بمثابة أمر مفهوم ضمنا. ولقد نسينا تقريبا أن هذه الخطوة سبقتها تحذيرات قلقة من متخصصين بشؤون الصراع حول أن هذه الخطوة سوف تشعل الشرق الأوسط. ترامب لم يهتم بذلك، وعلى عكس من سبقوه في المنصب (جمهوريون وديمقراطيون على السواء) فإنه لم يتردد في أن يمنع من دخول البيت الأبيض متخصصين صنعوا لهم مسيرة مهنية من الصراع. وتشمل مجموعته المقربة أناسا حاولوا على مدار سنوات أن يتحدوا الرؤى القديمة وجوبهوا بالسخرية والاستهتار من المؤسسة”. [11]

واعتبرت الكاتبة اليمينية المعروفة كارولينا غليغ، التي تدعو منذ سنوات إلى ضم أراضي الضفة الغربية، في مقال نشرته في صحيفة “يسرائيل هيوم”، أن الإعلان الأميركي هو هزة أرضية سياسية، وأكدت أن هذه فرصة للتوصل إلى تسوية للصراع بناء على الحقائق على الأرض، حيث أن السياسة الأميركية تهدف، برأيها، إلى شرعنة هذا الواقع والانطلاق منه لتسوية نهائية بين إسرائيل والفلسطينيين. [12]

واعتبر الباحث الإسرائيلي شاؤول أريئيلي أن إعلان بومبيو لا يساهم في عرقلة الدفع قدماً بحل الدولتين، وإنما يساهم في إبعاد الفلسطينيين من الدخول في مفاوضات برعاية دولية. وقال أريئيلي إن الإعلان هو محاولة لإعطاء مصداقية قانونية وسياسية لواقع لا يفرض الضم من طرف إسرائيل. [13] ويحاول أريئيلي في مقالاته ومتابعته للمشروع الاستيطاني في الضفة الغربية الادعاء بأن الواقع الاستيطاني لم يعق حل الدولتين حتى الآن، ويستند في تحليلاته على متابعة مثابرة لعدد المستوطنين وأماكن سكناهم مفرقا بين الكتل الاستيطانية وباقي المستوطنات، ويشير إلى أن التصريح الأميركي يحاول إنتاج واقع غير موجود على الأرض، فالواقع الاستيطاني كما هو حاليا لا يمنع قيام دولة فلسطينية، حيث أن أغلب المستوطنين يعيشون في الكتل الاستيطانية، وبرأيه لم تسجل حكومات نتنياهو المتواصلة أي تغيير جوهري في هذا الواقع.

واعتبر البروفسور في الحقوق مردخاي كريمنتسر أن الإعلان الأميركي هو دعم لنتنياهو واليمين المتطرف في إسرائيل، وليس دعما لدولة إسرائيل، ويشكل تشجيعا لإسرائيل على الاستيطان وتسريع إيقاعه، حيث أن الولايات المتحدة ألغت نفسها كوسيط نزيه في الصراع. وأوضح كريمنتسر أن إعلان وزير الخارجية بومبيو كان بدون أي تبرير أو شرح قانوني لهذه الخطوة، ولم يوضح في إعلانه كيف أن المستوطنات لا تتناقض مع القانون الدولي، فإعلان قانونية عمل غير قانوني حسب القانون الدولي كان يحتاج على الأقل تفسيرا لذلك، وهو ما لم يقدمه وزير الخارجية، حيث يتعارض إعلانه مع مواقف أغلب المتخصصين في القانون الدولي، وبدون تفسير قانوني ليس لإعلانه أي معنى قانوني. [14]

خاتمة

جاء إعلان وزير الخارجية الأميركي بمنزلة تتويج لتوجه اليمين نحو فرض القانون الإسرائيلي على الضفة الغربية في صيغته القصوى، أو فرض السيادة الإسرائيلية على المستوطنات والمستوطنين في صيغتها الدنيا. وجاء من وجهة نظر إسرائيل كجزء من سلسلة الخطوات التي اتخذتها الولايات المتحدة الأميركية نحو التمهيد لـ”صفقة القرن” التي على ما يبدو سوف تكون في خدمة المصالح الإسرائيلية ليس في حدها الأدنى.

وتشير ردود الفعل الإسرائيلية على إعلان بومبيو إلى أن هناك إجماعاً على المستوطنات أو على الأقل على شرعيتها في إسرائيل، وفقط حزب “المعسكر الديمقراطي” خرج ضد الإعلان وأطلق موقفا صريحاً فحواه أن المستوطنات عائق أمام السلام، في حين أن حزب العمل حذر فقط من هذه الخطوة لكونها تشكل خطراً على إسرائيل كدولة يهودية وديمقراطية. أما الأحزاب الأخرى والتي تشكل أغلب أعضاء الكنيست من تحالف “أزرق أبيض” وحتى أحزاب اليمين، فقد باركت هذا الإعلان واعتبرته يصب في نهاية المطاف في خدمة مصالح إسرائيل.

*عن مركز مدار – المركز الفلسطيني للدراسات الاسرائيلي.

الهوامش 

1.معاريف، نتنياهو تحدث مع ترامب وشكره على التصريح بخصوص المستوطنات، معاريف، 19/11/2019، أنظر الرابط: https://www.maariv.co.il/breaking-news/Article-730324 

  1. طل شيلاف ومايا هريدشيانو، نتنياهو: تصحيح ظلم تاريخي، في اليسار شجبوا ذلك: يعارض المصلحة القومية، موقع walla، 19/11/2019، أنظر الرابط: https://news.walla.co.il/item/3324541 
  2. المصدر السابق 
  3. المصدر السابق 
  4. المصدر السابق 
  5. المصدر السابق 
  6. غلعاد شير، بين تغريدات ترامب والواقع في يهودا والسامرة، موقع ynet، 20/11/2019، أنظر الرابط: https://www.ynet.co.il/articles/0,7340,L-5628398,00.html 
  7. يسرائيل هرئيل، بيرتس ضد بومبيو، هآرتس، 22/11/2019، ص:2. 
  8. المصدر السابق 
  9. مئير بوحنيك، ترامب يتحدى الصراع الاسرائيلي العربي، موقع ynet، 19/11/2019، أنظر الرابط: https://www.ynet.co.il/articles/0,7340,L-5628276,00.html 
  10. المصدر السابق. 
  11. كارولينا غليغ، الإعلان الأميركي حول المستوطنات في يهودا والسامرة هزة أرضية سياسية، يسرائيل هيوم، 18/11/2019، أنظر الرابط: https://www.israelhayom.co.il/article/708259 
  12. شاؤول أريئيلي، وعلى الرغم من ذلك- دولتان، هآرتس، 22/11/2019، ص: 28. 
  13. مردخاي كريمنتسر، الولايات المتحدة الأميركية أوضحت أنها لا تعمل لصالح إسرائيل، وإنما لصالح نتنياهو واليمين المتطرف، هآرتس، 20/11/2019، أنظر الرابط: https://www.haaretz.co.il/news/politics/.premium-1.8152896 

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.