تسفي برئيل يكتب – سيطرة الاسد على جنوب سوريا : تقتضي توافقات جديدة مع اسرائيل
بقلم: تسفي برئيل، هآرتس 6/7/2018
بعثة روسية تجري مفاوضات على اتفاق لوقف اطلاق النار في جنوب سوريا وصلت قبل اسبوعين الى السويداء من اجل الالتقاء مع القيادة الدينية الدرزية والتباحث معها بشأن مستقبل المدينة واللواء. السويداء توجد في مفترق طرق استراتيجي يربط جنوب سوريا ودمشق وهضبة الجولان. هذه ليست منطقة قتال لأن الاقلية الدرزية في سوريا التي تبلغ حوالي 400 ألف نسمة لم تشارك في التمرد ضد نظام الاسد.
“رجال الشرف”، المليشيا الدرزية الانفصالية، تعمل بالاساس كقوة حماية ضد الهجمات واعمال السلب واختطاف المواطنين التي تقوم بها مليشيات اخرى. رجالها اوضحوا أنهم يتبعون سياسة “حياد ايجابي” – ليس ضد نظام الاسد وليس مع المتمردين. لقد حدثت خلافات وحتى مواجهات محلية بين الدروز والنظام بعد رفض الاسد تزويدهم بالسلاح الثقيل لصد الهجمات، وبعد ذلك لم يفي بوعده تشغيل مقاتلين دروز فقط في جبل الدروز وليس في جبهات اخرى. ولكن تمت تسوية الخلافات والدروز على الاقل في الجنوب، نجحوا في الامتناع عن التدخل في الحرب الدموية. الهدوء النسبي تم الحفاظ عليه حتى الشهر الماضي، عندما تم اطلاق عدة قذائف هاون على السويداء.
البعثة الروسية عرضت على الدروز السيناريو المتوقع في جنوب سوريا والذي يقضي بأن جيش الاسد سيحتل درعا ومحيطها من أيدي مليشيات متمردة وسيسيطر على جبل الدروز. طلب روسيا هو أن لا تقف القيادة الدرزية عائقا امام النظام وتواصل كما فعلت دائما. لقد تم وعد الدروز في سوريا بشراكة سياسية في الحكم واعادة الاعمار بعد الحرب وفقا لنسبتهم في عدد السكان. والاهم من ذلك هو التعهد السوري الروسي بتمكين الدروز من مواصلة حكمهم المحلي في جبل الدروز.
التفاهمات مع الدروز في طريقها الى استكمال نسيج الاتفاقات التي تمت مع اقليات اخرى في سوريا، والمهم منها هو المفاوضات التي تجري الآن بين الاكراد في شمال سوريا وبين النظام. صحيفة “الوطن” التي يملكها النظام نشرت في هذا الاسبوع أنه تم تحقيق تفاهمات تقضي بأن آبار النفط التي توجد تحت سيطرة الاكراد في الشمال وفي مدينة الرقة التي اغلبها مسيطر عليه من قبل الاكراد ستنتقل الى سيطرة الدولة. كما تم الاتفاق، حسب ما نشر، بأن يمنح الاكراد مكانة سياسية في النظام المستقبلي، المقاتلون في المليشيات الكردية سينضمون الى الجيش السوري واللغة الكردية سيتم شملها في جهاز التعليم الرسمي في المحافظات الكردية.
قيادة الاكراد نفت وجود مفاوضات، وبالاحرى تفاهمات. ولكن حسب مصادر كردية اخرى فان المفاوضات وصلت الى شفا الاتفاق، بالاساس بسبب ما يعتبره الاكراد كتخلي الولايات المتحدة وغزو تركيا لشمال سوريا. اكثر من الاتفاقات مع الدروز فان روسيا معنية باتفاق سريع مع الاكراد. وهؤلاء يتوقع أن يكونوا عنصرا هاما في المفاوضات السياسية على مستقبل سوريا والانضمام الى تحالف المتمردين الذي يدير مفاوضات متقدمة مع روسيا.
حيث أن جبهة الاقليات آخذة في التلاشي فان جنوب سوريا يصبح الجبهة الرئيسية التي يمكنها حسم استكمال سيطرة نظام الاسد على الدولة. ومثلما هو الامر في محافظات اخرى في سوريا فان النظام وروسيا ينفذان استراتيجية حرب الاستنزاف والمفاوضات. مجلس المتمردين في درعا، الجسم المتبلور نسبيا، التقى مع مندوبين روس من اجل أن يعرض عليهم الشروط لوقف اطلاق النار والتعاون مع الخطوات السياسية القادمة. المفاوضات ما زالت في البداية وقوات جيش سوريا مع سلاح الجو الروسي واصلوا أمس مهاجمة اهداف للتمردين في الجنوب، بالاساس في محافظة درعا. ولكن التناقض في هذه الحرب هو أن من يهاجم المتمردين، روسيا، هي ايضا التي طلب منها ضمان وجودهم. العدو هو ايضا الوسيط وكذلك الحليف.
حتى بعد السيطرة على الجنوب ستظل هناك جيوب هامة مثل محافظة ادلب وحدود سوريا – تركيا التي يسيطر عليها الاكراد من الشرق وتركيا من الغرب. مع ذلك، احتلال الجنوب يمكن أن يحدد بداية نهاية الحرب. هذه ايضا الساحة التي تجبر روسيا على مراوغة دبلوماسية مركبة بشكل خاص. السيطرة على الجنوب تقتضي ارضاء اسرائيل والاردن، وابعاد القوات المؤيدة لايران، وتثبيت اتفاق بين سوريا واسرائيل حول مسألة السيطرة على منطقة القنيطرة دون خرق اتفاق فصل القوات.
خلافا لاسرائيل المتمردون لا يعنيهم تدخل ايران. في قائمة طلباتهم وفي المحادثات مع الروس فان المتمردين يتمسكون بأن قوات الاسد مع ايران أو بدونها لا يجب أن تدخل الى مناطق يسيطرون عليها، وعلى الاكثر يمكنهم التواجد في المواقع التي سيطروا عليها قبل بداية الهجوم على الاقليم الجنوبي. المتمردون مستعدون لتسليم سلاحهم الثقيل فقط على مراحل من أجل التمكن من الدفاع عن انفسهم من هجمات الجيش السوري بعد توقيع الاتفاق. في حلب والغوطة الشرقية نفذت قوات الاسد مذبحة ضد المدنيين بعد انسحاب مقاتلي المليشيات. هذا هو البند الاساسي الذي يمنع في هذه الاثناء التوقيع على اتفاق وقف اطلاق النار، لكن على خلفية الهجمات الكثيفة على المحافظة يبدو أنه خلال فترة قصيرة سيضطر المتمردون الى اظهار مرونة والموافقة على الاملاء الروسي.
عقبة اخرى هي طلب المتمردين بأن كل اتفاق سيوقع عليه مع روسيا يجب أن يشمل درعا والقنيطرة. هم معنيون بأن تكون هاتان البؤرتان جزء من “منطقة أمن واحدة”، وفي كلتيهما سيطلب من روسيا منع دخول القوات السورية. هذا هو البند الذي يهم بشكل خاص اسرائيل، التي اوضحت بأنها لن تسمح بدخول القوات السورية الى المنطقة التي من شأنها أن تكون منزوعة السلاح. والاردن الذي يطالب بسحب القوات المؤيدة لايران من الحدود. مصدر اردني مقرب من المحادثات التي تديرها موسكو مع عمان قال للصحيفة إن الاردن واسرائيل تجريان مفاوضات مزدوجة: الاولى مع روسيا والاخرى مباشرة مع المتمردين.
الضغط الاسرائيلي – الاردني على المتمردين يستهدف تحويل المتمردين الى “سور حماية” من دخول قوات سورية وايرانية قرب الحدود. بذلك يضع المتمردون امام روسيا شروط تخدم مصالح الدولتين. السؤال هو كيف سترد روسيا اذا تبين لها أن هذه الشروط تفشل الاتفاق المهم بالنسبة لها من اجل الدفع بالعملية السياسية. وزير الخارجية الروسي، سرجيه لافروف، عرض أول أمس موقف موسكو الذي يقول “انسحاب كل القوات الايرانية من سوريا هو أمر غير منطقي بصورة مطلقة”. عندما يخرج تصريح كهذا من موسكو في اليوم الذي يجري فيه وزير الخارجية الاردني أيمن الصفدي محادثات مع لافروف، فانه ليس موجه فقط للاردن بل بالاساس لاسرائيل.
التصريح يغمز لايران بأن روسيا تتراجع عن اعلانها بأن على كل القوات الاجنبية مغادرة سوريا. ولكن التصريح الاخير غامض ويمكن الفهم منه أن انسحاب ايراني شامل ربما ليس أمر منطقي. ولكن يمكن التباحث في انسحاب جزئي. رد كهذا لا يمكنه ارضاء اسرائيل التي تطالب بانسحاب ايراني كامل، وهي تعمل في واشنطن من اجل اعداد الرئيس الامريكي ترامب قبيل قمته مع رئيس روسيا بوتين.
ولكن حتى لو لم يتم الاتفاق على انسحاب عميق للقوات الايرانية على بعد 50 – 70 كم عن الحدود، فسيبقى موضوع دخول قوات سورية الى هضبة الجولان. خلافا للوضع الذي ساد قبل الحرب والذي فيه كانت هضبة الجولان منزوعة السلاح، لكن اغلبية سكانها كانوا اعضاء في قوات الامن، الآن يعيش في المنطقة مقاتلو المليشيات التي يريد الاسد تحييدها أو طردها من اجل استكمال سيطرته الرسمية على الدولة. إن العزل بالقوة معناه دخول قوات سورية. الامكانية الاخرى هي أن تقنع اسرائيل هذه المليشيات التي لها علاقات وثيقة معها بالانسحاب من المنطقة وتمكين قوات الامم المتحدة من العودة والاشراف. امكانية ثالثة هي أن ترسل روسيا قوة شرطية الى هضبة الجولان مثلما تنوي أن تفعل في درعا، وبذلك ستصبح بوليصة تأمين لاسرائيل.
إن كثرة المهمات التي تأخذها روسيا على عاتقها في سوريا، تطوير ادارة وقف اطلاق النار المحلية، تحديد مناطق الأمن والحفاظ عليها، مساعدة الجيش السوري، تحديد خارطة المصالح مع اسرائيل والاردن وايران وتركيا – تملي الاعتماد الكامل لاسرائيل والاردن على الخطوات الروسية. في هذه الاثناء من المريح للدولتين الاعتماد على الدولة العظمى الروسية، لكن الافتراض بأن روسيا ستبقى في سوريا لفترة زمنية طويلة بما يكفي لاستقرار شبكة العلاقات بين سوريا وجاراتها، يحتاج الى فحص الخيارات التي تقف امام اسرائيل والاردن في حالة أن روسيا ستكتفي بتأسيس نظام برئاسة الاسد وتسحب بالتدريج قواتها.
من هنا تأتي الاهمية السياسية الكبيرة لساحة جنوب سوريا. الخطوات العسكرية أو السياسية التي يتوقع حدوثها فيها تضطر اسرائيل الآن للمبادرة الى تسوية، اتفاق، أو وثيقة تفاهمات مع النظام السوري وذلك لترسيم السيطرة المستقبلية في هضبة الجولان السورية.



