شوؤن عربية

ترجمة خاصة عن مركز دراسات الأمن القومي – تداعيات إضعاف “الدولة الإسلامية”

ترجمة خاصة عن مركز دراسات الأمن القومي – بقلم كرميت فلنسي – 14/3/2017

كثيرة هي الكتابات التي كتبت حول مصادر قوة “الدولة الإسلامية” منذ اقتحمت الوعي الشعبي والإعلامي بإعلانها إقامة “الخلافة الإسلامية” (يونيو 2014)، الدعم الذي حصلت عليه من جانب أفراد وجماعات في أنحاء الشرق الأوسط وخارجه، والمساحة الجغرافية التي سيطرت عليها من الأراضي العراقية والسورية، وكذلك قدراتها الاقتصادية الملفتة التي جعلتها توصف بـ “التنظيم الإرهابي الأغنى في العالم”؛ هذا كله عزز قوة “الدولة”، وسيما الاهتمام الشعبي والإعلامي الذي حظيت به، ولكن منذ العام 2016 أخذت مصادر قوة “الدولة الإسلامية” تتقلقل في أعقاب الهجمات المتواصلة على مواقعها من قبل التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة والقوات الروسية، وكذلك من قبل القوات المحلية الأخرى. في الإطار الأخير من هذه الهجمات (مارس 2017) بدأت عملية احتلال مدينة تدمر العتيقة في سوريا من جديد. عدا عن الضرر الكبير الذي لحق بقواتها، أدت هذه الهجمات إلى تدمير مناطق الخلافة، ونتج عن ذلك تدمير أوضاعها المالية أيضًا.

في بداية العام 2017 نشرت إعلانات كثيرة تتناول الضعف التدريجي الذي حل بـ “الدولة الإسلامية”، وسيما فقدان المناطق التي سيطرت عليها في ذروة ازدهارها، هذه الدراسات تشخص علاقة مباشرة بين فقدان أراضي “الدولة” في سوريا والعراق وبين المساس بتيار مدخلاتها، وتقدر ان ذلك من شأنه ان يشهد على نهايتها. حسب تقارير التحالف الدولي خلال العام 2016 فقدت “الدولة” حوالي 62% من المناطق

التي سيطرت عليها في العراق، من بينها الرمادي والفلوجة وشرقي الموصل، في سوريا فقدت حوالي 30% من أراضيها، بما في ذلك مناطق من شمال غرب مقاطعة الرقة ومنبج والباب وتدمر.

التداعيات الاقتصادية لهذه التطورات هي السيطرة على مجموعة سكانية أصغر، والوصول إلى موارد أقل، وسيما آبار النفط التي وفرت مصادر دخل كبيرة في مراحل سابقة من مراحل إنشاء التنظيم. من هنا فرضت قدرة محدودة مقارنة بالماضي على كسب المدخلات المطلوبة لتمويل الصراع العسكري وتحقيق رؤية “الخلافة الإسلامية”، وبشكل عام انخفاض نسبة المتجندين الي صفوف التنظيم كجزء من توجه “إضعاف تجارتها”.

إحدى الدراسات البارزة الأخيرة التي تناولت الانهيار الاقتصادي وإضعاف التنظيم نشرت في فبراير 2017، وصدرت عن (ICSR) “المركز الدولي لدراسة الراديكالية”، واستنتاج الدراسة هو انه ورغم الصعوبة في تحديد حجم مدخلات “الدولة الإسلامية” بشكل دقيق؛ إلا انه يمكن القول بأن مدخلاتها انخفضت بحوالي 50% خلال العامين المنصرمين: من 1.9 بليون دولار في العام 2014 لحوالي 870 مليون دولار على الأكثر في 2016. هذه الدراسة مثل غيرها من الدراسات تلخص القول بأن الاضمحلال الاقتصادي في “الدولة الإسلامية” من المتوقع ان يستمر، وإن احتلال الموصل بالكامل – وهي قلب التنظيم التجاري – سيكون له انعكاسات تدميرية على اقتصاده، وذلك من بين الكثير من الأمور بسبب أنه في هذه المرحلة لا دلائل على وجود مصدر دخل بديل يعوض الخسائر التي لحقت به في السنوات الأخيرة، وفي حال استمرار فالاتجاه الحالي فإن “نموذج الدولة الإسلامية الاقتصادي سيفشل في المستقبل القريب”.

رغم ذلك، المطلوب هو أن ندرس بحذر ما يمكن تفسيره على انه شهادات على اضمحلال “الدولة الإسلامية” إثر دينامية الأحداث المتعلقة بها وبمحاربتها والصعوبة النابعة من ذلك في بناء السيناريوهات على أساس مستمر أحادي الاتجاه. وإضافة إلى ذلك، حتى لو اتضح ان تدهور وضع “الدولة الإسلامية” بالفعل اتجاه متواصل؛ فذلك ليس دليلًا على اختفاء الظاهرة، وإنما على تغيير محتمل لتكرارها، من تنظيم شبه دولة إلى تنظيم إرهاب “كلاسيكي” يركز على استخدام العنف، والذي يمثل مغناطيسًا ومصدر إلهام للأفراد والتنظيمات للقيام بعمليات باسم الفكرة التي يمثلها.

معدو الدراسة المذكورة أعلاه أيضًا يعترفون بأن “الدولة الإسلامية” بهيئتها السابقة “القاعدة في العراق” أثبتت قدرتها على الترمم والتعافي من الخسائر الاقتصادية، كما ان المساس بالمدخلات ليس له أثر فوري عليها في كل ما يخص قدراتها على تنفيذ عمليات إرهابية خارج المناطق الموجودة تحت سيطرتها، وأن المطلوب مجهودات أكبر من تلك التي بذلت حتى الآن بهدف إهارتها تمامًا. هذه الدراسة – وكذلك دراسات أخرى نشرت مؤخرًا – يظهر منها عدد من الاستنتاجات المتعلقة سواء بدراسة “الدولة الإسلامية” أو بخصوص مستقبلها في المشهد الإقليمي.

بالنسبة لدراسة الظاهرة، يجدر إبداء الرأي في مصطلح “المغالاة في تقدير الآخر”، يبدو ان التقديرات السابقة بشأن وضع “الدولة الإسلامية” المالي (وسيما تقديرات التحالف الدولي المحارب لها) تميزت بالمبالغة. تظهر دراسات أخرى ان التقديرات بشأن حجم السكان التي تقول ان عشرة ملايين مواطن يعيشون تحت حكم “الدولة” كانت هي الأخرى مفرطة، حيث انه عمليًا تعداد السكان حوالي 6 مليون مواطن، في بعض الاحيان يميل بعض الباحثين والسياسيين إلى تضخيم ظواهر وتنظيمات جديدة تمثل تحديًا مختلفًا مثل “الدولة الإسلامية”، من خلال التركيز على نقاط القوة فيها،

ليست الاقتصادية فقط، وإنما تلك المتعلقة بقدراتها العسكرية ومستوى التأييد الشعبي لها (والتي هي أيضًا في حالة “الدولة الإسلامية” اتضح أنها منخفضة أكثر ممّا قدر ابتداءً) لقاء ذلك نقاط ضعف تنظيمات مثل “الدولة الإسلامية” لا تحظى إلا بنقاش مقلص جدًا.

معطى آخر، وهو الالتصاق طوال الوقت بالتقديرات التي تخص وضع “الدولة الإسلامية” من دون دراسة دائمة لتوائمها مع التغيرات السريعة المسجلة في الشرق الأوسط في السنوات الأخيرة، بما في ذلك التغيرات في موازين القوى بين الجهات (رسمية وغير رسمية) المتورطة في صرعات المنطقة. هكذا فإن “الدولة الإسلامية” رغم تمتعها بإنجازات عسكرية، وكذلك مصادر دخل مرتفعة في فترة ازدهارها مقارنة بالتنظيمات الإرهابية الأخرى؛ فليس المقصود توجهًا خطيًا يخلو من التقلب والحساسية للتحديات التي تواجهها. بين هذه الأمور يجب عد الإنفاقات الكامنة في “بناء الدولة”، إلى جانب الموارد المطلوبة لمواجهة الهجمات الائتلافية على أراضيها، ومصادر دخلها، وكذلك القيود الكامنة في تمويل الصراع العسكري؛ هذا الاستنتاج ينطبق أيضًا للوجه الآخر من العملة، أي الميل إلى مناقشة الضعف الكاسح والقاطع الذي حل بالتنظيم رغم ان الأحداث الميدانية تشهد على خلاف ذلك.

بخصوص مستقبل “الدولة الإسلامية” التحديات التي واجهتها خلال العام 2016، وسيما تدهور وضعها الاقتصادي، لا تعتبر دليلًا على اضمحلال فكرتها الأساسية، بهذا الخصوص تجدر الإشارة إلى ان الدراسات التي تناولت العلاقة بين مستوى موارد التنظيمات شبه الرسمية وبين دفع الفكر الأيديولوجي الذي يحملونه هو ميل التنظيمات كثيرة الموارد إلى تأسيس دعمها على العطايا المادية، بينما التنظيمات قليلة الموارد تستثمر أكثر نسبيًا على المستوى الفكري الأيديولوجي كمصدر للتأييد،

هكذا تنجح التنظيمات قليلة الموارد نسبيًا في تجنيد طائفة من المؤيدين المخلصين والأكثر التزامًا مقارنة مع قاعدة تأييد التنظيمات كثيرة الموارد، فهؤلاء يعتبرون أكثر انتهازية.

“الدولة الإسلامية” رغم انها “لعبت في كلا الملعبين”، إلى جانب العطايا المادية (الخدمات الأساسية والمنتجات الأساسية والهبات المالية) للسكان المدنيين ومنظومتها المقاتلة؛ فقد اهتمت بتجنيد الدعم أيضًا على أساس جدول أعمال فكري وديني. لكن ربما ان التدمير المستمر لمدخلاتها الاقتصادية سيقودها إلى تعزيز المستوى الفكري الأيديولوجي والاستثمار في المنظومة الدعائية أكثر ممّا فعلت في الماضي في المجهودات الأخرى، وسيما الحكومية – المدنية.

استمرار اتجاه إضعاف “الدولة الإسلامية” من شأنه ان يمثل حافزًا على تغيير تكوينها، من تنظيم يسعى إلى تأسيس تواجد جغرافي وحكومي إلى كيان غير جغرافي يمثل في الأساس “وسمًا” ومصدر إلهام للعمليات للمجموعات والأفراد على ساحة الشرق الأوسط وخارجها بطريقة تذكر إلى حد ما بحركة القاعدة، وإن كانت خصائص “الدولة الإسلامية” وإلى وقتنا هذا تنتسب إلى تلك التي تميز التنظيمات المسماة بـ “الهجينة”، أي لاعبين غير رسميين، والتي تجمع بين العمل الاجتماعي والسياسي والحكومي إلى جانب الأعمال العسكرية العنيفة، ثم قد يطرأ تراجع في تطورها باتجاه تنظيم تتركز أعماله بشكل أساس على العنف.

عمليًا، الجهات التي تحارب “الدولة الإسلامية” استغلت “وضوحها” بهدف مهاجمة أهداف وممتلكات استراتيجية ظاهرة، وكذلك خصائصها كتنظيم نصف مؤسسي له التزام ما تجاه السكان؛ بناءً عليه فالتغيير في بناء “الدولة الإسلامية” وقنوات عملها باتجاه خصائص تنظيم إرهابي يتوقع ان يضع أمام تلك الجهات تحديًا أكثر خطورة

أو على الأقل مختلفًا عن ذلك الذي واجهوه إلى الآن، إذ أنهم بالفعل سيضطرون إلى مواجهة كيان غير متبلور، بلا أهداف واضحة لمهاجمتها، أكثر “فقرًا” ولكن أقل الجامًا. بالإضافة إلى ان هذا التحدي سيصبح أكثر تعقيدًا رغم ان “الدولة الإسلامية” ستحاول ان تبقي على وصفها المعروف لغاية الآن ما لم تتطور أيديولوجية أكثر جاذبية وأكثر راديكالية يمثل أساس أعمال أعضائها يستمر في اصطحاب العنف، وبالتالي ردود فعل مضادة.

أطلس للدراسات

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى