ترجمات أجنبية

تجنب كابوس الأسلحة الكيماوية في سورية


ركزت الاستخبارات الأميركية فعلاً على برنامج الأسلحة الكيماوية السوري، وجمعت معلومات قيمة عنه من منشقين مثل الجنرال عدنان سيلو، وهو رئيس برنامج الأسلحة الكيماوية سابقاً. لكن لم تكتمل تلك المعلومات بعد.

مركز الناطور للدراسات والابحاث

شهدت الأيام الأخيرة ارتفاعاً ملحوظاً في منسوب التوتر العام بسبب احتمال أن يلجأ الرئيس السوري المحاصر بشار الأسد إلى استعمال الأسلحة الكيماوية، لأن تطورات الحرب الأهلية في بلده بدأت تنقلب ضده تدريجياً. لكن قبل أن نبالغ في تحليلاتنا، لابد من التشديد على أن معالم الوضع لم تتضح بعد.

 نظراً إلى آخر التطورات الحاصلة في سورية، من المنطقي أن يخشى الجميع لجوء الأسد إلى استعمال تلك الأسلحة. لا شك أن الضغوط بدأت تتصاعد في وجه حاكم سورية في حين يتقدم الثوار ويعجز جيشه عن إعاقة مسارهم. منطقياً، إذا بدأ الأسد يخاف على مصيره، فلن يكون استعمال أقوى أسلحته أمراً مستبعداً.

 لكن في مطلق الأحوال، يجب أن نتريث قبل دق ناقوس الخطر لأن أي افتراض متسرّع بأن الأسد سيستعمل الأسلحة الكيماوية قد يجعلنا عرضة لجميع أنواع المشاكل. هل تذكرون ما حدث في العراق؟

 ما الذي نعرفه فعلاً؟

 قيل إن سورية تنقل مواد الأسلحة النووية بطريقة عشوائية (لكن لا أحد يذكر طبيعة تلك الطريقة)، وهي تنقلها من منشأة إلى أخرى أو تعزز التدابير الأمنية من حولها (إنه أحد أسباب نقل مخزون الأسلحة). بالتالي، ربما تستعد سورية لاستعمال تلك الأسلحة. أعلنت مدونة Wired’s Danger Room أن “المهندسين الذين يعملون لمصلحة نظام الأسد في سورية بدأوا يجمعون مادتين كيماويتين ضروريتين لاستعمال غاز السارين في الأسلحة” وفق مسؤول أميركي مطّلع على تطورات الوضع. إنه حدث لافت لأن تلك المواد تكون مخزنة في مكان منفصل في الظروف الطبيعية. تحدثت المدونة عن استعمال الأسلحة الكيماوية فكتبت: “لم يطبقوا هذه الطريقة على الترسانة كلها بل على كمية ضئيلة فقط… لا نعرف هدفهم من ذلك”. تذكر تقارير أخرى مواقف مسؤولين أميركيين لم يفصحوا عن أسمائهم أيضاً وقد اعتبروا أن هذه التحضيرات تحصل في مواقع متعددة.

 لم يتم التأكد من صحة هذه التقارير بعد. حين سُئل وزير الخارجية الفرنسية عن موقفه تجاه الأسلحة الكيماوية السورية، دعا إلى ضرورة توخي الحذر مثلما فعلت إسرائيل، فاعتبر أن الأمر قد يكون خدعة لمنع الغرب من دعم المعارضة. لكن يصعب أن نعرف ما يحصل فعلاً بسبب غياب التفاصيل حول تلك الادعاءات، مع أن هذا النقص في المعلومات حصل على الأرجح لأسباب أمنية. في نهاية المطاف، تبقى التقييمات الاستخبارية شائكة. وحتى لو اعتُبر هذا التقييم حقيقياً، قد يكون صحيحاً أو خاطئاً.

 لقد أدى استمرار الحرب الأهلية السورية إلى تصعيب مهمة جمع المعلومات الاستخبارية. لا يسهل الحصول على معلومات محددة حول حركة الأسلحة في مناطق الصراع. في عام 2011، خلال عملية التدخل في ليبيا، لم يعد حلف الأطلسي يستطيع احتساب عدد صواريخ “سكود بي” التي يملكها ذلك البلد، ولم يتمكن من رصد حركة نقل الأسلحة إلى خارج البلد على رغم وجوده ميدانياً. كذلك، كانت المخاوف الأميركية من أن يطلق صدام هجوماً كيماوياً باستعمال صواريخ “سكود” انطلاقاً من الصحارى الغربية العراقية كجزء أساسي من حرب الخليج الأولى، لكن لم يتحقق ذلك التهديد على أرض الواقع.

 تدعي الولايات المتحدة أن استخباراتها في سورية هي أفضل حالاً اليوم. قال متحدث باسم وزارة الدفاع الأميركية: “تملك الحكومة الأميركية رؤية واضحة عن برنامج الأسلحة الكيماوية ونحن نتابع مراقبته”. ركزت الاستخبارات الأميركية فعلاً على برنامج الأسلحة الكيماوية وجمعت معلومات قيمة عنه من منشقين مثل الجنرال عدنان سيلو، وهو رئيس برنامج الأسلحة الكيماوية سابقاً. لكن لم تكتمل تلك المعلومات بعد. تسود وجهة نظر يتشاركها المسؤولون الغربيون حول سورية وهي تتعلق بغموض المعلومات وقلّتها، ما يعني استحالة أن يعلموا ما يقوم به النظام.

 ما يثير الاهتمام هو أن صحيفة “لوموند” الفرنسية طرحت معطيات إضافية حول المعلومات الاستخبارية التي ترتكز عليها تلك التقارير. ذكرت الصحيفة أن منظمة حلف الأطلسي والاستخبارات التركية أكدت النشاطات المشبوهة حول مواقع الأسلحة الكيماوية السورية، لكن من دون الاستفاضة في التحدث عن نطاق التهديد الذي تطرحه تلك الأسلحة. كذلك، يرتكز جزء من المعلومات الاستخبارية الأميركية والأوروبية على معلومات ناجمة عن الرحلات الاستطلاعية التي قام بها حلف الأطلسي، وهي كانت جزءاً من عملية أوسع بدأت في عام 2001 في المتوسط.

 ماذا يمكن أن نفعل إذن بالمعلومات المجتزأة وغير المؤكدة؟

 تقضي الخطوة الأولى بالاعتراف بأن شيئاً ليس واضحاً في سورية في المرحلة الراهنة. ربما من المستبعد أن يلجأ الأسد إلى استعمال أسلحته الكيماوية (ومن المستبعد أيضاً أن ترضخ قواته المسلحة لأوامر مماثلة في حال صدرت فعلاً)، لكن لا يمكن التأكيد على ذلك. بعد رصد حركة نقل الأسلحة الكيماوية في سورية، كتبتُ أن الخيارات المطروحة لضمان أمن الأسلحة الكيماوية السورية أو تدميرها لا تبدو جيدة. لا يزال الوضع كذلك. في الشهر الماضي، قيل إن مسؤولين عسكريين أميركيين أخبروا الرئيس أوباما بضرورة الاستعانة بـ75 ألف عنصر من القوات الأميركية لضمان أمن الأسلحة الكيماوية السورية. في الوقت الراهن، يمكن الرد على احتمال أن يستعمل الأسد تلك الأسلحة عبر طريقتين: الاستعداد لما سيحصل وتحديد خطوط حمراء واضحة.

 لقد انطلقت هاتان العمليتان منذ الآن. خلال الأشهر الماضية، حضّرت الدول المجاورة لسورية خططاً للحالات الطارئة بالتنسيق مع الولايات المتحدة والمجتمع الدولي. أُجري تدريب عسكري بقيادة الولايات المتحدة وشمل 12 ألف جندي من 17 دولة مختلفة في الأردن خلال شهر مايو، وحصل أيضاً تخطيط للقتال في البيئات الملوّثة. عمدت تركيا والأردن إلى التعاون عن قرب مع الولايات المتحدة لتنفيذ تدريبات عسكرية أخرى تشمل ضمان أمن استعمال الأسلحة الكيماوية في سورية أو حصرها ضمن حدودها. نشأت فِرَق عمل حكومية بأوامر مباشرة من مكتب رئيس الوزراء في تركيا لتحليل السيناريوهات المحتملة وقد تقاسمت استنتاجاتها مع دول إقليمية أخرى عن طريق الولايات المتحدة. أوضحت إسرائيل من جهتها أن فقدان سيطرة النظام على مخزون الأسلحة، من خلال نقله عمداً إلى جهات غير رسمية في المنطقة، سيؤدي إلى تحرك عسكري عنيف. أشارت التقارير إلى أن إسرائيل طلبت موافقة الأردن على شن ضربات عسكرية ضد منشآت الأسلحة الكيماوية السورية. ومنذ أيام، وافق حلف الأطلسي على نشر صواريخ “باتريوت” في تركيا رداً على تنامي تهديد الأسلحة الكيماوية السورية والرؤوس الحربية غير الكيماوية. لكن تجدر الإشارة إلى أن نظام الدفاع الصاروخي سيصبح أقل فاعلية في وجه الطائرات الحربية وغير فاعل بأي شكل في وجه المدفعيات.

 لكن أهم تحرك يمكن اتخاذه الآن هو إنشاء نظام ردع قوي لمنع الأسد من استعمال أسلحته الكيماوية. أدلت الولايات المتحدة وإسرائيل بتصريحات قوية وأحادية الجانب، فقال الرئيس أوباما: “أريد أن أوضح بشكل قاطع للأسد والذين يخضعون لأوامره: العالم يراقبكم. (…) سيكون استعمال الأسلحة الكيماوية أمراً غير مقبول بأي شكل. وإذا ارتكبتم الخطأ الكارثي باستعمال تلك الأسلحة، فستواجهون عواقب وخيمة وستُحاسَبون”. عبّر القادة الأوروبيون، وأمين عام حلف الأطلسي أندرس فوغ راسموسن، وأمين عام الأمم المتحدة بان كي مون، عن مواقف مشابهة أيضاً.

 أدلت وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون بتصريحها الخاص عن هذا الموضوع فقالت: “أنا لن أرسل برقية تتضمن مؤشرات محددة عمّا يمكن أن نفعله في حال ظهور إثباتات موثوقة على أن نظام الأسد لجأ إلى استعمال الأسلحة الكيماوية… لكن يكفي أن أقول إننا نخطط حتماً لاتخاذ تدابير صارمة إذا حصل ذلك”. عملياً، يجب ألا يتردد المجتمع الدولي في توضيح ما يمكن أن يفعله رداً على استعمال الأسلحة الكيماوية. كذلك، يجب إصدار تصريح موحد من جميع الدول المجاورة لسورية، ويجب أن تعيد الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي التأكيد على الخطوط الحمراء. من المفيد طبعاً أن تساهم الدول التي تدعم الرئيس السوري عادةً (مثل روسيا التي حاولت أصلاً تعديل مواقف الأسد، وإيران التي تنتقد بشدة الأسلحة الكيماوية وكانت ضحيتها يوماً) في إقناع الأسد بالامتناع عن استعمال أسلحته حين تصبح ملجأه الأخير.

 كتب الخبر: Dina Esfandiary

قسم الترجمة * الجريدة *  9/12/2012

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى