بين الدبلوماسيين والثوار - مركز الناطور للدراسات والأبحاث
Take a fresh look at your lifestyle.

بين الدبلوماسيين والثوار

0 145


Bill Keller – New York Times

الجريدة * قسم الترجمة * 18/5/2012

 قد تكون علاقتنا مع الصين أصعب اختبار يواجهنا في الوقت الراهن نظراً إلى سجلها المخجل في مجال حقوق الإنسان، ولكنها تملك في المقابل مفاتيح الحلول للأحجيات القاتلة في كوريا الشمالية وإيران، ولا ننسى أزمة الرهن العقاري في الولايات المتحدة.

لا شك أن الثوار هم أبطال بطبيعتهم. فهم يقولون الحقيقة ويتحدون الآخرين لحثهم على تحسين أدائهم. هم يضفون طابعاً إنسانياً على ضحايا الأنظمة القمعية. غالباً ما تكون قصصهم مصدر إلهام بالنسبة إلى الأشخاص الذين يفتقرون إلى شجاعة مماثلة.

لكن في المقابل، يصعب التعامل مع الثوار. فهم يقاربون جميع الأمور من الناحية الأخلاقية، ولا يقدمون التنازلات، ولا يعرفون الوقت المناسب لالتزام الصمت، ولا يرون الوضع في إطاره العام. بالتالي، قد تؤدي جميع الحسنات التي جعلتهم ثواراً في المقام الأول إلى جعلهم مصدر إزعاج فعلي بالنسبة إلى الدبلوماسيين الأميركيين الذين يتولون عقد الصفقات مع الدول التي لا تشاركهم القيم نفسها.

تشكل قضية المعارِض الصيني الضرير، تشين غوانشينغ، الذي أثار الفوضى لفترة وجيزة في السفارة الأميركية مناسبة جيدة لرصد العلاقة الشائكة دوماً بين احترامنا لحقوق الإنسان وحاجتنا إلى التعامل مع الأنظمة غير الديمقراطية في مسائل مثل الانتشار النووي، والتجارة، ومكافحة الإرهاب، والتغيير المناخي. قد تكون علاقتنا مع الصين أصعب اختبار يواجهنا في الوقت الراهن نظراً إلى سجلها المخجل في مجال حقوق الإنسان، ولكنها تملك في المقابل مفاتيح الحلول للأحجيات القاتلة في كوريا الشمالية وإيران، ولا ننسى أزمة الرهن العقاري في الولايات المتحدة.

في الوقت الراهن، يبدو أن مشكلة تشين غوانشينغ حُلّت في معظمها. من المتوقع أن ينتقل إلى الولايات المتحدة مع عائلته ومن المستبعد أن يعود إلى الصين في أي وقت قريب، لكن لا أحد يعلم ما إذا كان صديقه المجهول الذي ساعده على الهرب من مكان إقامته الجبرية سيُعاقَب على ما فعله. على رغم بعض التحليلات التي اعتبرت أن المسؤولين سارعوا إلى التخلص من مصدر الإلهاء هذا قبل عقد أي اجتماع ثنائي مهم، يمكن القول إن الأميركيين تولوا هذه المشكلة الدبلوماسية بطريقة منطقية. لكن نأمل ألا يكونوا استنتجوا من هذه التجربة أن المعارضين يثيرون المتاعب أكثر مما يقدمون المنافع.

من المعروف أن الاختلاف بشأن ملف حقوق الإنسان ليس حزبياً. فقد انقسم الجمهوريون والديمقراطيون في بعض المناسبات بسبب وجود معارضة داخلية حول صوابية رفع الصوت أو التدخل عندما تكون الحرية مهددة في أماكن بعيدة من العالم. غالباً ما يفقد المرشحون الذين يركزون على موضوع حقوق الإنسان حماسهم عندما يتولون الحكم. يحصل الانقسام الحقيقي بين معسكرين يُصنَّفان تحت خانة “الواقعيين” و”المثاليين”.

تجهد جماعات مثل “هيومن رايتس ووتش”، و”فريدوم هاوس”، ومنظمة العفو الدولية، وفريق من جماعات الضغط المتخصصة، لوضع بند حقوق الإنسان على جدول الأعمال الرسمي. تعتبر هذه الجماعات أن المصالح الأميركية لا يمكن فصلها عن القيم الأميركية وأن القضايا التي تشغل الرأي العام مثل قضية تشين لا تشكل مصدر إلهاء بل إنها فرصة للتحرك. يقضي عمل تلك الجماعات بالضغط على المسؤولين، ويمكن أن تبدو متعنتة أحياناً بقدر الثوار الذين تدعمهم.

لكن يدرك أبرز المدافعين عن الثوار (في مجالسهم الخاصة على الأقل) أن الولايات المتحدة تتصرف بطريقة واقعية. هم يعلمون أن تأثيرها على الانتهاكات الحاصلة داخل الدول الأخرى يبقى محدوداً، ويسهل إدانة أي نظام ضعيف لكن يصعب انتقاد نظام يوفر النفط أو القواعد العسكرية. كما أنهم يعرفون أن القادة المخجلين كقادة الصين يمكن أن يعززوا قوة المتشددين وأن الدبلوماسية الهادئة تكون أحياناً أكثر فاعلية من الانتقادات العلنية. هم يدركون هذه الأمور كلها، لكن يظن المثاليون أن تطبيق خليط من الضغوط والحوافز، في المجالس الخاصة والعامة معاً، يمكن أن يضع أي نظام استبدادي على طريق التحضّر. في هذا الصدد، قال نيكولا بيكلان الذي يغطي أحداث الصين في منظمة “هيومن رايتس ووتش”: “في نهاية المطاف، لا أحد يحب أن يشعر بأنه منبوذ”.

لكن يعتبر معسكر الواقعيين، الذي انطلق في الأساس مع زعيم “الواقعية السياسية” هنري كيسنجر، أن المجاهرة بحقوق الإنسان قد تستميل الرأي العام المحلي، ولكنها تعيق التقدم في القضايا الجوهرية، ولا سيما في دول مثل الصين التي تركز على المطالبة باحترام الآخرين لها.

قال كينيث ليبرثال، خبير في الشؤون الصينية كان قد عمل في إدارة كلينتون ويعمل الآن في معهد بروكينغز: “يركز الصينيون على المسائل التي تكون تحت المجهر. يصعب التحرك بفاعلية إذا كانت جميع الأمور تحصل بشكل علني”.

لا يتعاطى الواقعيون بلامبالاة مع الوضع بالضرورة. هم يعتبرون أن الأميركيين يستطيعون التأثير على الأنظمة الاستبدادية بفاعلية أكبر من خلال تعريفها على قيمهم وتقديم مثال محلي صالح يمكن أن تقتدي به. لا بأس بذلك. لكن ربما يفتقر الواقعيون إلى رؤية واضحة في هذا الموضوع كونهم يركزون في المقام الأول على التعامل مع دول مثل الصين. في هجوم شرس على كتاب كيسنجر الذي صدر في عام 2011 بعنوان “حول الصين” (On China)، أشار أندرو ناثان، خبير في الشؤون الصينية في كولومبيا، إلى أن كيسنجر الذي يعارض التركيز على حقوق الإنسان يطرح “ثلاث مغالطات بارزة: (1) النزعة العالمية لحقوق الإنسان الدولية هي مسألة رأي بدل أن تكون قانوناً دولياً، (2) حقوق الإنسان تساوي مبادئ الحكم في الولايات المتحدة، (3) نشر حقوق الإنسان يعني أن يصبح التقدم رهينة في جميع المجالات الأخرى”.

يبدو أن سجل الرئيس أوباما في مجال حقوق الإنسان مبهم (وهو حال جميع الرؤساء الذين سبقوه). تدخل بيل كلينتون لوقف الإبادة الجماعية في البوسنة، ولكنه استُدرج للقيام بذلك. وضع جورج بوش الإبن “أجندة الحرية” واعتبرها عنوان عهده، لكن سرعان ما انهارت السلطة الأخلاقية الأميركية بسبب توسع عمليات الحرب على الإرهاب. لم يُبْدِ أوباما من جهته اهتماماً كبيراً في تسليط الضوء على الثوار البارزين (مثل الدالاي لاما). كذلك، تأخر في الإشادة بالحركة الخضراء في إيران في عام 2009. كما أن التزام الصمت أمام حملة القمع في البحرين التي توفر للأميركيين النفط وقاعدة بحرية كان موقفاً مشيناً. (عبّر أحد الناشطين عن حقيقة مزعجة حين قال إن “الولايات المتحدة بالنسبة إلى البحرين تشبه روسيا بالنسبة إلى سورية”). على صعيد آخر، منع أوباما الوكالات الأميركية من اعتماد أساليب التعذيب، ودعم حرية الإنترنت، وأرسل فريق عمليات خاصة لمطاردة جوزيف كوني، السفاح المجنون في إفريقيا الوسطى. كذلك، كان حذراً بما يكفي خلال الربيع العربي ولكنه عاد وساعد على إسقاط مبارك في مصر ودعم المعارضة في ليبيا. لا شك أن خطاب هيلاري كلينتون الذي يؤيد إقرار حقوق المثليين كمعيار دولي حضاري يسترعي الانتباه أيضاً (تحديداً في كارولاينا الشمالية).

أول أمر صائب قامت به الولايات المتحدة في قضية تشين هو أنها عرضت عليه ملجأً آمناً. نظراً إلى نفوذ تشين وشجاعته، كان هذا القرار حتمياً. لكن لم يقم الأميركيون بنقله بكل بساطة بل أدخلوه خفيةً إلى السفارة بعد تجاوز قوى الأمن الصينية ثم شكلوا فريقاً من الخبراء لمواجهة الصينيين. كان ذلك الاستعراض جريئاً ويعبر عن حقيقة الأميركيين. عندما أعلن تشين عن تصميمه على البقاء في الصين، تفاوضت وزارة الخارجية الأميركية على اتفاق عجيب مع الصينيين يشمل السماح له بعيش حياته بحرية أكبر. (لا أحد يعلم ما إذا كان الصينيون ليلتزموا بالاتفاق لأن تشين عاد وغير رأيه بشأن البقاء في بلده). منحت الولايات المتحدة هواتف خلوية إلى تشين كي يبقى على اتصال مع مناصريه، حتى أنهم سمحوا له بالدعوة إلى جلسة استماع في الكونغرس. في وجه الإصرار الأميركي، سمح الصينيون بحصول ذلك كله.

صبّت بعض العوامل في مصلحة تشين. قدمت وزارة الخارجية الصينية بعض الحجج القوية التي تدعو إلى أداء دور شرطة صالحة، بعد أن فازت على ما يبدو بجدل داخلي مع أجهزة الأمن بشأن مصير ذلك المعارض. أولاً، يمكن لوم السلطات المحلية التي تجاهلت القانون الصيني على اضطهاد تشين. ثانياً، شكّل إرسال تشين إلى الولايات المتحدة طريقة فاعلة للتخلص من صوت معارِض بارز. (صحيح أننا في عصر وسائل الإعلام الاجتماعية اليوم، لكن لا أحد يستطيع التأكيد على أن المنفى هو مرادف للانهيار السياسي. شكّلت مغامرة تشين ظاهرة حقيقية في النسخة الصينية من موقع تويتر، فعُرضت صور رائعة تُظهر صينيين عاديين وهم يوجهون تحية صامتة إلى المحامي الضرير من خلال عرض صور لهم وهم يضعون نظارات سوداء).

يؤكد أنصار كيسنجر ضرورة تجاهل قضايا هؤلاء الأفراد المعارضين خوفاً من أن تؤدي تلك القضايا إلى أزمة تنعكس على قضايا أكثر أهمية. لكن لدى الصين أيضاً مصلحة في صون تلك القضايا المهمة. ستكون مستعدة للرضوخ هذه المرة كي تمنع حصول أحداث درامية محرجة تعيق مسارها.

يعتبر البروفيسور ناثان أن الولايات المتحدة تعزز قناعة الصينيين بأن النفوذ الأميركي بدأ ينهار حين يخف اهتمامها بملف حقوق الإنسان، ما يؤدي إلى ظهور أفكار مغلوطة عن مدى جدية الأميركيين. لكن توضح قضية تشين أن الولايات المتحدة يمكن أن تفرض إرادتها الدبلوماسية وتكسب احترام الآخرين إذا أصرت على مواقفها بكل صرامة. قال ناثان: “إن إظهار القوة الذاتية دعماً لقيمنا الخاصة يعبّر عن نزعة واقعية إيجابية مستخلصة من مبادئ كيسنجر”.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.