بن كاسبيت يكتب – الكتلة الحرجة

بقلم: بن كاسبيت، معاريف6/7/2018
في رسالة بعث لي بها د. امير بيلغ، المؤرخ من القرية الزراعية عين هباشور في غلاف غزة دعاني فيها الى تناول مسألة الحرائق وموقف الحكومة منها كتبت له اجيبه يا أمير، اولا انت محق. فمعاناتكم تمر على باقي سكان الدولة بخفة نسبية. انتم لستم في رأس جدول الاعمال، مثلما هي تل ابيب، الخضيرة والقدس، طالما كانت الطائرات والبالونات الحارقة تسقط في ساحتنا الخلفية. كما أنكم انتم ايضا ضحايا قوتكم، تراص صفوفكم وقدرتكم الفائقة على الصمود. مناعتكم الاجتماعية وربما الاقتصادية ايضا. انتم لستم مساكين ولا متمسكنين، لا تهددون الحكومة بتصفية الحسابات السياسية ولا تعرضون قاعدة مصوتي نتنياهو للخطر. كما انكم لا تنتمون الى هذه القاعدة، إذ ان الاغلبية الساحقة من مستوطني غلاف غزة ينتمون للاستيطان العامل، ونسبة المصوتين لليكود في بلدات الغلاف طفيفة.
باختصار، ليس هناك لاحد في دار الحكومة في القدس ما يدعوه لان يأبه بكم. ليس لديكم يوسي دغان، اياه من السامرة الذي يدير عمليا الدولة وكل عطسة من ناحيته تهز شارع بلفور. وليس صدفة أن نتنياهو لم يزر حقولكم المحروقة منذ بدأ ارهاب الطائرات الورقية قبل 102 يوم. وحتى في تل ابيب انتم لستم في احاديث المقاهي، رغم انه احترق حتى الان في غلاف غزة 40 الف دونم التي هي 80 في المئة من مساحة تل أبيب(اكثر بقليل من 50 الف دونم).
الحقيقة هي يا أمير انكم طبق الفضة المشتعل الذي يقيم عليه رئيس الوزراء ووزير الدفاع سياستهما التي مبدأها واضح: حصانة تامة لحماس. فقد وعد بنيامين نتنياهو، بصوته، باسقاط حكم حماس في غزة ما أن يعود الى الحكم. وهو حتى لا ينظر في الايفاء بذلك. حماس عزيزة على قلب نتنياهو اكثر منكم، لان استمرار حكم حماس في غزة معناه استمرار الشلل السياسي، استمرار ازدهار فكرة “اللا شريك” واستمرار ستار الوضع الراهن الذي يسمح للحكومة ايضا بسياسة الضم بحكم الامر الواقع في يهودا والسامرة.
لو أراد، لكان بوسع نتنياهو ان يسقط حماس بسهولة اكبر من أي وقت مضى. فحماس توجد اليوم في نقطة الضعف الاعمق منذ قيامها. فهي محطمة. على الارضية. وهي مستضعفة، محاصرة، سلاح الانفاق سحب منها تماما تقريبا، لا يوجد تأييد دولة، احد حقا ليس معنيا بمصير يحيى السنوار واسماعيل هنية. بل العكس، كلما ضربا، هكذا سيفرح الجميع.
نتنياهو تحدث عن حلف اقليمي؟ فها هو، توجد له فرصة ذهبية لان يقيم مثل هذا الحلف مع هدف واحد: التخلص من حماس. لو فعل هذا، لوجد الى جانبه الرئيس المصري السيسي، الذي يرى في حماس عدوا جديرا بالموت. وكذا محمد بن سلمان السعودي، الذي يحب حماس تقريبا مثلما يحب بيبي وسارة ميني نفتالي. الاردن، دول الخليج، الامريكيين، قسم من الاوروبيين وبالطبع ايضا السلطة الفلسطينية وابو مازن. ولكن نتنياهو لا يريد. فسحق حماس سيضر بسياسته، بالوضع الراهن بكل ثمن، بالقطيعة السياسية.
إذن فلتحترقوا انتم قليلا، ماذا يمكن أن يكون؟ تضحيتكم تتقزم امام الانجاز العظيم لنتنياهو. هذا لا يعني أنه يريد أن تعانوا. تماما لا. كان يسره جدا لو ان معاناتكم تنتهي، ولكنه ليس مستعدا لان يضحي بسياسته كي يحصل هذا. هذا حقه. قلبه ليس قاسيا امام معاناتكم، يا امير. ولكن سياسته تتعارض ومصلحته. الحقيقة هي ان هذه السياسية تتعارض ايضا ومصلحتنا. كل من يفهم شيئا ما في مكافحة الارهاب يعرف بانه محظور السماح لمنظمات الارهاب المتعطشة للدماء بالسيطرة على ارض اقليمية.
لقد استثمر الغرب طاقة هائلة في سحق “الدولة الاسلامية” لداعش وتقليص مجال المعيشة للقاعدة بالضبط لهذا السبب. وحده نتنياهو يترك لمنظمة ارهابية فريضتها الدينية العليا هي ابادة اسرائيل تزدهر في ارض اقليمية تسيطر عليها بسيادة كاملة، بينما تحرك باللهيب طرفنا. بل وشيء آخر يا أمير: لا تحبس انفاسك. حتى لو تدهورت اسرائيل الى مواجهة اخرى مع حماس في غزة، فلا اعتقد حقا بان نتنياهو سيسير هذه المرة حتى النهاية، كم وعد. وسيعرف كيف يمتشق في اللحظة المناسبة ويسرب استعراضا آخر ما للجيش الاسرائيلي او تحذيرا من المخابرات او وثيقة سرية لعيزار سايدوت تثبت بانه لا مفر، لا يمكن، خطر الان، ليس مجديا، الامريكيون ليسوا مستعدين او شيء ما كهذا، كي يهرب بسلام الى الديار ويواصل الحلف الاستراتيجي الهام له مع المنظمة التي تحاول تصفية دولة اسرائيل. هذه هي الحقيقة يا دكتور بيلغ. سيتعين علينا، اي يتعين عليكم ان تعرفوا كيف تتعايشوا معها.



