ترجمات أجنبية

حياد تركيا في النزاع الأوكراني ثمنه الاقتصادي والجيوسياسي باهظ

بلومبيرغ

بلومبيرغ ١٤-٤-٢٠٢٢م – بقلم بوبي غوش،

موازنة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بين مصالحه في روسيا وأوكرانيا ستكون كلفتها عالية. وقال إن أردوغان أعلن في الصيف الماضي “وقف إطلاق نار لفظي” مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وقررا إنهاء الحرب الكلامية بينهما. وهو الآن يتصل مع الرئيس الفرنسي مباشرة حيث يحاول كل منهما التدخل مع فلاديمير بوتين وإقناعه على وقف الحرب في أوكرانيا.

إلا أن صانع السلام المحتمل لم يحقق تقدما مع الرئيس الروسي. فبعد خدشه كرامة الرئيس الفرنسي من خلال تجاهله محاولاته المستمرة ضد الغزو، إلا أن بوتين كان متساهلا مع محاولات أردوغان لعب دور الوسيط في النزاع. ورغم إرساله مفاوضين إلى إسطنبول، إلا أن الرئيس الروسي لم يظهر أية رغبة بوقف الحرب. وتوقفت المفاوضات في تركيا فجأة بعد الكشف عن ارتكاب جرائم حرب في مدينة بوتشا، مع أن تركيا لا يزال يحدوها أمل في استئناف المحادثات من جديد.

وربما أثرت معاملة بوتين المهينة لماكرون على فرص إعادة انتخاب الرئيس الفرنسي في نهاية الشهر الجاري. فمحاولاته المتكررة لطّخت مزاعمه بوضع فرنسا في مركز الشؤون الأوروبية، وكان هذا في مركز حملته الانتخابية. في المقابل، لن يواجه أردوغان الناخب التركي إلا بعد عام، وعليه فالفشل في التوسط باتفاق ينهي الحرب لا يشكل مخاطر عليه. إلا أن هناك مخاطر جيوسياسية واقتصادية لا يستطيع تحملها.

 فكلما طال أمد الحرب، كان من الصعب على تركيا الحفاظ على موقف الحياد المدروس بعناية. وقام حساب أردوغان في بداية النزاع على فكرة استخدام صداقته مع بوتين كورقة نفوذ مع الغرب. وحسب أن الناتو قد يحافظ عليه في المعسكر الغربي ويستخدمه كقناة خلفية مع صديقه في موسكو. وربما كان هذا الدور مدعاة للغرب كي يغفر له تجاوزاته السابقة مثل شرائه نظام الدفاع الصاروخي الروسي، رغم اعتراضات الناتو وأدى بالولايات المتحدة لفرض عقوبات عليه.

وعوّل أردوغان على استخدام الأوكرانيين الناجح للمسيرات التركية في الحرب بشكل يطغى على فكرة أنه يقف مع الطرف السيئ في النزاع. ودعا بشكل مفتوح لرفع حظر تصدير السلاح عن بلاده، إلا أن الرد الأمريكي والناتو لم يظهر التزاما بالموضوع.

ولو أراد الزعيم التركي الميزات التي تحملها عضوية بلاده للناتو فيجب أن ينضم للإجماع الغربي ضد روسيا. ولو لم يفعل، فسيكون على هامش الحلف في وقت يتدهور الوضع الاقتصادي لبلاده. ومع وحدة الناتو في مواجهة روسيا والذي شمل ألمانيا التي تخلت عن موقفها الحيادي، فإن صبر أوروبا مع حيادية تركيا ينفد. فلم يعد لدى أردوغان مبرر لرفضه فرض عقوبات مشددة ضد روسيا أسوة ببقية دول الحلف، في ظل الأدلة المتزايدة عن جرائم الحرب.

وفي وقت فرضت سويسرا المحايدة عقوبات مشددة على روسيا، فليس من الجيد لتركيا ترحيبها بالأوليغارش الروس والسماح ليخوتهم الكبيرة بالرسو في موانئها وإيداع حقائبهم المحشوة بالنقود في بنوكها. كما لن تعوض الأموال التي يدفعها الروس لشراء الشقق الراقية عن الثمن الذي ستفرضه الحرب على الاقتصاد التركي. فالتضخم في أعلى مستوياته منذ 20 عاما، وأسعار الاستهلاك وصلت إلى 61.1%  الشهر الماضي، وأعلى من نسبة 54.6% في شباط/ فبراير.

ولم يفت الوضع على المستثمرين، فقد قامت شركة التصنيفات العالمية “أس أند بي غلوبال ريتينغز” بتخفيض التصنيف الائتماني للعملة التركية إلى “ب+” أي أربع درجات أقل من مستويات الاستثمار، وبررت القرار بأنه نتيجة لزيادة أسعار الطاقة بفعل الحرب في أوكرانيا. وقالت: “سيؤدي النزاع، بما في ذلك زيادة أسعار الطعام والطاقة إلى إضعاف ميزان المدفوعات التركية الضعيف أصلا وسيفاقم التضخم”.

وحتى لو لم يكن أردوغان راغبا في فرض عقوبات على موسكو، إلا أن الإجراءات تعقد من المشاريع الروسية الكبرى في تركيا. فمشروع بناء مفاعل نووي بكلفة 20 مليار دولار يواجه مشاكل لأن الشركة المنفذة المملوكة من الدولة الروسية “روساتوم كورب” تواجه مصاعب في الحصول على معدات من دول أخرى. ولأن فرص أردوغان لإقناع بوتين بوقف الحرب ضئيلة جدا إن لم تكن معدومة، فسيكون ممتنا لسماع ماكرون إلى مكالمته، مع أن أردوغان طلب منه مرة أن يقوم بفحص عقله.

مركز الناطور للدراسات والأبحاث  Facebook

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى