بكر أبو بكر يكتب - كُرّاس السعادة الصغير! - مركز الناطور للدراسات والأبحاث
Take a fresh look at your lifestyle.

بكر أبو بكر يكتب – كُرّاس السعادة الصغير!

0 67

بقلم بكر أبو بكر

كان فتحي يحادثني ويُسلّيني فكثيرًا ما أجد نفسي منعزلًا بين أوراقي وحاسوبي المحمول ودفاتر كتاباتي الكثيرة، وبين مراجعة مخطوطات كُتُبي وإعداد محاضراتي فأغرق فيها حتى أذنيّ فلا أرى ضوء الشمس إلا قليلاً.

فتحي هو الجار، جار المكتب الذي ألجأ إليه للحديث والحوار المريح، لا سيما وان حواراته تأخذك بعيدًا عن عشق الورق والكتابة المُجهِدة والقراءة، والأقلام وحديث الأحرف والجُمل، وطنين العبارات الرفيعة والأفكار الكثيرة المتدافعة التي تهزني هزًّا، فتؤرقني أحيانًا وتبهجني غالباً.

فتحي هذا هو صاحب المنجرة التي تجاور مكتبي في ذات البناية حيث مقر عملي بمركز الدرسات الاقليمية، وكلّما مررتُ صباحًا صاعدًا لمكتبي أراهُ قد سبقني وفتح منجرته وبدا منهمكًا في نشر لوح خشب أو صنع طاولة جميلة… وتمرّ الأيام… والتي منها أو فيها اقتطف أوقاتًا للراحة من أعباء العمل اللذيذ -والمرهق في ذات الوقت- مع فتحي.

تضايقت هذا اليوم لأنني لم استطع أن أكتب! بحسب ما كان مطلوبًا مني حيث أن أمامي كدسًا من المراجع اللازمة لإعداد بحث، فأحسست بالضيق والتعاسة، رغم أن عشقي الكبير للأفكار الجديدة المدوّنة بالقلم -ولاحقا للوحة المفاتيح- أسبغ عليّ صفة العشق والسعادة، وكما كان ردّ فعل أغلب قُرائي: أنك شخصٌ متفائلٌ وايجابي، وتبعث فينا الهمّة والنشوة، المهم أنني هذا اليوم كنت تعِسًا، هكذا أحسست.

نزلتُ من المكتب في الطابق الثالث لأقابل فتحي في منجرته على مدخل البناية، وكان النجّار يجلس على مقعد خشبي صغير بعيدا عن أدوات النجارة ويشرب الشاي الأحمر الثقيل ، وإذ رآني أطل عليه أشار عليّ بالجلوس وشُرب الشاي.

ابتدرني فتحي بالسؤال عن كتاباتي وجمهوري العريض الذي معظمه من فئة الشباب، وهو أي سؤاله ما أسعدني كما في كل مرة يسألني فيها، إلا أنه هذه المرة أدرك ضيقي أو حزني الذي لمحه بملامحي فسألني عن السبب فقلت له عن السبب الصغير لضيقي أو عدم سعادتي الآن، استمع وكأنني أحكّ له على جرب! فقتح قلبه وهي من مرّاته القليلة التي ينطلق فيها كثيرًا.

قال فتحي من الحِكَم والأفكار والشوارد ما أفادني، قال: أنت ككاتب تعلمُ أكثر مني أن في العقل مخازنَ عديدة… مخزن للأفكار، ومخزن للمواقف، ومخزن للعواطف، ومخزن لذكرياتك مع الأشخاص، ومخزن للأحلام ومخزن للخيالات… وفي كل مخزن صناديق متعددة.

ففي مخزن الأفكار صندوق للأفكار القديمة وصندوق آخر للأفكار الناعمة وثالث صندوق للأفكار الناهضة ورابع للأفكار الموثوقة وخامس للانهزامية وسادس للأفكار العفنة أو سلّة المهملات ….وفي كل صندوق مجموعة كرّاسات أو دفاتر تشرح وتدوّن وتوضّح، وكذلك الأمر مع المخازن الأخرى وصناديقها ودفاترها.

لأول مرة أسمع منه مثل هذا الكلام العميق! استغربت هذا الوعي وهذا التدفق، وهذه الثقافة التي ما ظننتها تأتي من نجّار! وكأنه أنتبه لاستغرابي وتغافل، ثم أضاف لِما كان يقوله : بالنسبة لي أنا على عكسِكُم أنتم معشر الكُتّاب والاعلاميين والمفكرين والأساتذة والأدباء المبتهجين دومًا، فأنا أهتم كثيرًا بمخزن المشاعر وصناديقه.

قلت: ونحن أيضًا، قال: نعم، ولكن مشاعرك دومًا متفائلة وسعيدة ومرتبطة بالكلمة، قلت مبتسمًا: بالكلمة واللحن معًا، قال: ليكن، فأضفت: وربما عشق الكتاب بما يعنيه من حياة ثانية كان السبب،قال: ربما، ولكن دعني أكمل لأقول لك إن أذنت لي، أومأت برأسي موافقًا فنظر وتابع: إن مخزن المشاعرعندي فيه صناديق بالعشرات إن لم يكن بالمئات لأنواع المشاعر .

لدي صناديق عديدة وفيها دفاتر كثيرة حول الانزعاج والقرف والحزن والاكتئاب والقلق المُقعِد والتراجع والغضب والنقد والخوف والتردد والكراهية والإحجام والشكوى والعناد والشتم والاحتقار والغيظ والنفور و….،قلت:يكفي.

فاكتفى، وأكمل مسترسلاً: من هذه الصناديق الكثيرة لمشاعري … كان صندوق السعادة صندوقا صغيرًا وهو الصندوق الذي حاولت أن أجد فيه كراريسًا! فلم أفلح، إذ لم أجد بالحقيقة إلا كراسًا واحدًا ببضعة سطور.

تعجبت، فانتبه واستطرد: في داخل هذا الكراس الصغير كُتب فيه أن السعادة مرّت عليّ خلال أعوامي السبعين خمسُ مرات فقط، قلت باندهاش فاضح:فقط!

قال: فقط، وأكمل مُعدّدا: مرّة حين مسحت أمي بيدها على شعري وأنا صغير،ثم ماتت. ومرة حين شكرني مدرس الرياضيات بلُطف، وثالثة حين تغزّل عميل بخزانة صنعتها له بإتقان وشكرني كثيرًا معبّرا عن الامتنان، ورابعة كلما رأيت وجهًا باسِمًا صبوحًا، والخامسة: غامضة.

قلت: أولهذا الحد! بينما باستطاعتي على العكس أن أعدّد لك فترات الشعور بالتعاسة القليلة التي مرّت بي، هذا الى جانب كرّاسات المشاعر السعيدة في مخزن المشاعر في عقلي وذاكرتي ، عموما لا أريد أن أشفق عليك يا فتحي فلربما أنت لم تفتح المخزن جيدا! أو لربما تهت بين الصناديق؟ ودعني اتساءل متلهفًا عن السعادة الخامسة الغامضة لعلك تتذكرها!؟ فبكى.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.