أقلام وأراءدراسات وتقارير خاصة بالمركز

بكر أبو بكر: شخصيات أسست للكيان الصهيوني: “أوليفر كرومويل والتطهيريون”

بكر أبو بكر – 12/6/2022

بعد أن تعرضنا للبروتستانتية وأفكارها التوراتية ونشوء مدرسة الصهيونية المسيحية وبعد تعرضنا لجون كالفن، (جاء عام 1649م ليقوم “أوليفر كرومويل” (1599-1658م) بالثورة الإنجليزية ليُسانده الجناح المتطرف للتطهيريين لتنطلق أحداث الحرب الأهلية الإنجليزية التي انتهت بمحاكمة الملك “تشارلز الأول” وإعدامه، ليتم بالتالي إعلان جمهورية إنجلترا التي جعلت من العهد القديم (التوراة) دستوراً لها.
وقد كان التطهيريون (البيوريتان) شديدي المحافظة على التقاليد اليهودية، واعتمدوا على العهد القديم واعتبروه وحياً سماوياً، واتجهوا لإحلاله مكان العهد الجديد “الإنجيل” والتزموا بتشريعاته واعتمدوا على نصوصه في دعم أفكارهم السياسية والاجتماعية، وهو ما جعلهم بالتالي يؤمنون بكل ما فيه، لتكون أفكار العهد القديم مترسخةً في الفكر التطهيري، وكان من الطبيعي أن تكون فكرة إعادة “بني إسرائيل” (المندثرين تاريخيًا) إلى أرض فلسطين على رأس اهتماماتهم، باعتبار أنها وطن اليهود(؟!) ولا بد من عودتهم إليه، ليعود المسيح عيسى بن مريم من جديد طبقاً للنبوءات الواردة فيه.)

يذكر الكاتب محمد البريكي أن: هجرة التطهيريين من إنجلترا إلى الأراضي الأمريكية بعد وفاة “أوليفر كرومويل” سنة 1658م، وبعد أن استوطنوا السواحل الشرقية منها، أقاموا مستعمراتهم على أسس دينية مسيحية ذات طابعٍ يهودي، وربما كان ذلك واضحاً من تسميتهم للمستوطنات بأسماء عبرانية، وكذلك أبناءهم الذين ولدوا هناك، كما أنهم فرضوا تعلّم اللغة العبرية في مدارسهم وجامعاتهم، عدا عن كونهم مارسوا ذات الأسلوب الاستعماري/الاستيطاني اليهودي القديم نفسه لأرض كنعان، مُظهرين بذلك إيمانهم الكامل بقصة دخول اليهود لأرض كنعان بعد خروجهم من مصر، مُشبّهين أنفسهم ببني إسرائيل القدماء، ومُعتبرين الأراضي الأمريكية كنعان الجديدة، كما أنهم وطّدوا فكرة (العهد مع الرب) والتي فيها يؤمنون بأن هنالك عهدٌ خاصٌ بينهم وبين الله، يقيمون به مملكته ويتكفّل هو بنصرتهم وحمايتهم، وهذا المعتقد يُكرّس مفهوم (الشعب المختار) وتميّزهم عن باقي الشعوب، بل وأن هنالك مسؤولية منهم تجاه تلك الشعوب الأخرى لإنقاذهم.
كل ما سبق حول أفكار المهاجرين التطهيريين إلى الأراضي الأمريكية، يُعطي دلالة كبيرة على الأفكار الصهيونية (التوراتية المنشأ) التي آمنوا بها حتى قبل ظهور الصهيونية نفسها، ولعل أبرز تلك الدلائل هي خطابات زعيم التطهيريين الأول في الأراضي الأمريكية “جون وينثروب” حين قال في خطابٍ لأتباعه: “سوف نجد رب إسرائيل يمشي بيننا، وسيتغلّب عشرة منّا على ألفٍ من أعدائنا عندما نمجّده ونعبده، ويجب علينا أن نعتبر أنفسنا المدينة على الجبل وتتطلع إلينا عيون البشر“.
ولعل أبرز الشواهد الحاضرة على ذلك حتى اليوم لأولئك التطهيريين البروتستانت، هي أسماء المدن الأمريكية بأسماء ترتبط بفلسطين، مثل: “كنعان، الخليل، الناصرة، بيت لحم وغيرها”.
(سلسلة مقالات حول شخصيات ساهمت في تأسيس الكيان الصهيوني على حلقات، وهذه الحلقة 4 منها)
#بكر_أبوبكر
https://bakerabubaker.info/

الحواشي:
كان أول ظهور للتطهيريين على يد “روبيرت براون” عام 1564م -بعد وفاة “مارتن لوثر” بثمانية عشر عاماً- في إنجلترا بين رجال الدين البروتستانت الذين أرادوا إصلاح الكنيسة الأنغليكانية وكانت تلك الحركة مرتبطة بشكلٍ وثيق بالكالفينية في جنيف، حيث اشتركتا بكونهما متقيدتين جداً بحرفية العهد القديم.
2 كانت الكنيسة الكاثوليكية آنذاك تعتبر فلسطين وطن المسيحيين. ويمكن أن نفهم أيضًا أنه كانت فلسطين ولا تزال راسخة في أذهان المسيحيين على أنها أرضهم المقدسة منذ الحملات الفرنجة (الصليبية)، كما أن فكرة “إعادتها” لليهود كانت شائعة، لأنها المقدمة الحتمية لعودة المسيح، وهي عقيدة كثيراً ما أطلت برأسها طوال التاريخ المسيحي.
3 من مدونة محمد البريكي: ونضيف أن كرومويل: دعا في عام 1655م إلى عقد مؤتمر للتشريع لعودة اليهود إلى إنجلترا من جديد (لأسباب اقتصادية بالحقيقة إنقاذا لبلده)، ما يعني إلغاء قانون طرد اليهود الذي اتخذه الملك “إدوارد الأول” عام 1290م، وربط إلغاء قانون الطرد بالمصالح الاستراتيجية لإنجلترا، وأظهر بالتالي حماساً كبيراً لمشروع توطين اليهود في فلسطين منذ البداية.
4 من مدونة الكاتب محمد البريكي وحول الجذور التاريخية للصهيونية، وتاسيس أمريكا.

 

مركز الناطور للدراسات والأبحاث  Facebook

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى