بكر أبو بكر: “تعفن الدماغ” والحبس الانفرادي!
بكر أبو بكر 20-1-2026: “تعفن الدماغ” والحبس الانفرادي!
مما نلاحظه هذه لأيام على صعيد الحركة الوطنية في فلسطين وحركتنا أن الكثرة من الرسائل المتبادلة بين الأعضاء بالمجموعات أو ثنائيًا على وسائط التواصل الاجتماعي (وخاصة في تطبيق: ما الامر؟ أو شوفي ما في؟ ترجمة المسمى “واتساب”) هي عبارة عن تعليقات سطحية، أو مشاهد مرئية (فديوهات) قصيرة، أو حتى مقاطع من شرائط، مجزوءة، أو من تحليلات أيضًا قصيرة، ولا تملك من الدقة الشيء المعتبر حيث الإخراج الغالب عن السياق العام.
كما نرى كثرة الاقتباسات والنقولات عن مجهولين! أو بلا مصدر، أو بمصدرافتراضي لا وجود له، بلا تدقيق ولا يحزنون. أو بقصص وتحليلات مذيّلة بعبارة “منقول” فاقدة القيمة مجهولة الأصل والنسبة. والى ذلك تجد زخمًا بالأخبار القصيرة المحتوى التي لا عمق لها (وغالبًا دون إحالات للأصل عبرالرابط) وهي ظاهرة ليست محلية بل عالمية.
لم يعد للحضارة الغربية الاستهلاكية المتعالية فقط أن أسرت العقل العربي او الشرقي عامة واغتصبته، من حيث فرض قواعد للتفكير تنطلق من الانبهار بالقوة الاقتصادية والعسكرية والتقانية وفرض اللغة الانجليزية أو الفرنسية أساسًا وثقافتيهما المختلفتين، وإنما أيضًا بما جرّ ذلك من الافراط المذل باستخدام المصطلحات الأجنبية (حيث يلوكونها باستمتاع وفخر، يقابله إزدراء للعربية واضح) رغم ثراء وعظمة اللغة العربية التي يتوفر لها ما لا يتوفر لجميع اللغات الأخرى بالعالم. ومنذ تسيّد وسائط التواصل الاجتماعي دخلنا في عصر الحبس المنفرد للشركات الغربية! لكل فرد وبإرادته!
إن الإفراط باستخدام وسائط التواصل الاجتماعي وعملية التصفح والتمرير المستمرة scrolling بين مئات المقاطع المرئية (فديوهات) بالحقيقة وكما ثبت علميًا يستهلك الوقت (أي عمر الانسان)، ويستنزف الشعور ويتلاعب به، ويدمر الوعي. فالانسان من السيل المتدفق من هذه المرئيات أو الاشعارات وطنينها بعد 4 او 5 ساعات منخرط بالتعاطي معها لا ولن يتذكر الا 3 مقاطع أو أقل على الأرجح-كما تؤكد الدراسات- ما يعني أن الوقت ذهب هدرًا، وأن الشخص انصاع لرغبة المتعة اللحظية (الدوبامين) على حساب تنمية ذاته وشخصيته واستخلافه الإلهي بالأرض، وعلى حساب تشغيل العقل والتفكير النقدي او الابداعي، وعلى حساب التأمل والتفكر أو القراءة العميقة وليست اللحظية كما في الوسائط مما جعل التدهور المعرفي والفكري وما يجر للتدهور العصبي والنفسي مرتبطًا بما أصبح يسمى “تعفن الدماغ” Brain Rot لما للمضار العميقة من عملية هذا الإفراط ثم الادمان باستخدام الوسائط، والشابكة (انترنت) ما جعل مثل “إيلون ماسك” يصف المرئيات القصيرة (الفديوهات) بأنها “أسوأ اختراع أضر بالبشرية” وأنها “عفّنت العقول!” بل ونقول أدخلت الانسان بذاته لحبسه المنفرد!
وما جعل دولة مثل استراليا تمنع الوسائط والانضمام لها (وتجبر الشركات على ذلك) لمن هم أقل من 16 عامًا في سابقة عالمية، وما جعل دول العالم في شمال أوربا يعودون للتعليم الورقي وهكذا.
ما نريد قوله هنا من الناحية التنظيمية الحركية، بالعالم العربي وفي فلسطين أساسًا، ولكل مستخدم للشابكة والهاتف الذكي أن الإسراف والافراط في استخدام الوسائط يأتي على حساب العقل والتفكير السليم، وعلى حساب هدوء النفس وسلامة الذات والجماعة، فلا يضيف هذا الوقت المهدور شيئًا بل يسرق من العقل بهاءه وصفاءئه وآليته المنطقية او الابداعية ويُلهب وقته بما لا يفيد بل ويضر.
إن عملية مواجهة التقانة والشابكة (انترنت) والوسائط التواصلية الرقمية لا يعني مقاطعتها بقدر الترشيد لها باستخدامها ضمن توقيتات مضبوطة (أنظر قيمة الصلاة والتوقيتات) وضمن إشغال العقل فيما كان سائدًا قبل ذلك من رياضة ومشي وحوارات وندوات ولقاءات وقراءة عميقة، وكتابة، والتريض او التجوال في الطبيعة، وتنمية الاتصالات والعلاقات بين البشر.
وعليه فإن إطفاء هاتفك ليلًا قبل النوم بساعتين كمثال يصبح ضرورة، أو كما فعلت شخصيًا بمجرد الوصول للبيت أقوم بوضعه على الصامت واستخدمه متى ما أشاء فهو الموظف الذي يعمل عندي وليس العكس. وهذا القرار لن يدمر الدنيا! بل سيعيد لشخصك، ولعقلك هيبته كفكر وعطاء واتساق بعيدًا عن أوهام وحصريات الخوارزميات والحبس الانفرادي، وما تصبه في عقلك صبًا فتخرجك عن جادة الصواب والحكم الصحيح والقرار فتتحول بالحقيقة الى تابع أمين للاستهلاكية المفرطة والى شخص يهين تفكيره ووقته ووعيه لمصلحة أرباب هذه التقنية.
في سجن التصفح والتمرير المستمر يقع الضحية ضمن “فقاعة المعلومات” (عندما تشكل الخوازميات عزلة فكرية، فتملأ العقول بما تشاء وكفى) وتجعل من الإمعية هدفًا! (أنظر حديث الإمعة للرسول الأكرم) ومن النقل الأعمى، والاتباع والانقياد والانصياع لأرباب الصناعة الاستهلاكية.
إن الشابكة (بالانجليزية انترنت) بقوالبها وفقاعاتها وخوارزمياتها وسياسات شركاتها تؤهلك وتجهزّك وتطوّعك لتسجن ذاتك بيدك ! ولتصاب ب”عفن الدماغ”، وتجرك الى مذبحة هدر الوقت والتدهور المعرفي من جهة، وتجهزك الى الانصياع للقوالب الجاهزة والجامدة القادمة سواء من العدو الواضح، أو من أرباب التحطيم الحضاري لك، أو القادمة من الحزب أو الجماعة التي تنشد أسر العقول وحجزها والاغلاق عليها في فقاعة الحزب كما فقاعة أو سجن الشابكة.
إن الانسان مسئول عن نفسه وعقله وجسده ووعيه وضميره وقيمه وروحه، وللمجتمع والدولة والتنظيم مسؤوليته، وليس للانسان أن يفرط بذلك وفي الحركة الوطنية الفلسطينية والقضية التي مازالت بلا حل، وتنتظرك لتسهم بفعالية، نحتاج لعقولنا وقيمنا والمباديء والعمل المثابر، كما نحتاج بشدة لعقول شبابنا وتمحيصاتهم وأفعالهم المؤسسة للنصر والى ابداعاتهم بعيدا عن الإفراط والتفريط وبعيدًا عن العفن والحبس والقوالب الجاهزة.


