أقلام وأراء

بكر أبو بكر: تصريح بلفور الظالم وحكم التاريخ

بكر أبو بكر 2022-10-31، تصريح بلفور

علقت جريدة فلسطين الدورية الصادرة في فلسطين على إعلان / تصريح / وعد بلفور الصادر عام 1917 في ذكراه بالعام 1929 بالخط العريض “ظلم صارخ وجور فادح”، وهو “لطخة عار في تاريخ القرن العشرين”. وكان هذا تعبير حقيقي عما قاله الرئيس جمال عبدالناصر لاحقا بعبارته الموجزة والشهيرة “وعد من لا يملك لمن لا يستحق”.

وفي إشارة للتصريح الجريمة ذكر الخالد ياسر عرفات من على منبر الأمم المتحدة عام 1974م أنه: “عمدت الحركة الصهيونية إلى تهجير حوالي خمسين ألف يهودي أوروبي بين عامي 1882 و1917، لاجئة إلى شتى أساليب الاحتيال لتغرسهم في أرضنا، ونجحت في الحصول على تصريح بلفور من بريطانيا، فجسد التصريح حقيقة التحالف الصهيوني الاستعماري، وعبر هذا التصريح عن مدى ظلم الاستعمار للشعوب، حيث أعطت بريطانيا وهي لا تملك وعداً للحركة الصهيونية وهي لا تستحق، وخذلت عصبة الأمم بتركيبها القديم شعبنا العربي، وتبخرت وعود ومبادئ ويلسون في الهواء، وفرضت علينا قسراً الاستعمار البريطاني بصورة الانتداب، وتعهد صك الانتداب الذي أصدرته عصبة الأمم المتحدة صراحة، بالتمكين للغزوة الصهيونية من أرضنا.”

وفي ذات الإطار كان الرئيس محمود عباس عام 2018 قد قال:”إذا مر وعد بلفور فلن تمر صفقة العصر”، وهو ما كان فلقد أسقط الشعب الفلسطيني بنضالاته وأحرار الأمة والعالم ما سميت صفقة أو صفعة العصر، ونبذ اتفاقات إبراهام الصادرة عنها.

وكان الرئيس أبومازن قد كتب مقالًا عن الإعلان عام 2019 ومما قال فيه: “إن وعد بلفور ليس مناسبة للاحتفال، خاصة في الوقت الذي لا يزال فيه أحد الطرفين يتعرض للظلم ويعانيه بسبب هذا الوعد. فقد أدى إنشاء وطن لأشخاص آخرين إلى تشريد شعب آخر واستمرار تعرضه للاضطهاد ولا يمكن المقارنة بين المحتل والشعب القابع تحت الاحتلال، ويتوجب معالجة هذا الخلل الذي تتحمل فيه بريطانيا قدراً كبيراً من المسؤولية”، مطالبًا الحكومة البريطانية بالاعتذار عن الوعد وإصلاح الضرر الواقع بالاعتراف بالدزولة الفلسطينية.

وكانت الحكومة البريطانية الاستعمارية الراقدة على صدر فلسطين لاحقًا على الوعد قد عرضت نص تصريح بلفور على الرئيس الأمريكي ولسون، ووافق على محتواه قبل نشره، ووافقت عليه فرنسا وإيطاليا رسميا سنة 1918م، ثم تبعها الرئيس الأمريكي ولسون رسمياً وعلنياً سنة 1919م؛ ثم وافق المجلس الأعلى لقوات الحلفاء في مؤتمر “سان ريمو” على أن يعهد إلى بريطانيا بالانتداب على فلسطين، وأن يوضع وعد بلفور موضع التنفيذ حسب ما ورد في المادة الثانية من صك الانتداب، وفي 24 تموز من عام 1922م وافق مجلس عصبة الأمم المتحدة على مشروع الانتداب الذي دخل حيز التنفيذ في 29 أيلول من عام 1923م، وبذلك يمكننا القول: إن وعد بلفور كان وعداً غربياً استعماريًا وليس بريطانياً فحسب.

في الإطار التاريخي-كما سيصدر في كتاب لاحق لنا- يشار الى دور «ليوبولد-ليو أيمري» (1873-1955م) في صدور تصريح بلفوروهو الانجليزي الجنسية واليهودي الديانة حيث كانت أمه هنغارية يهودية وقد عاش المذكور مفتخرًا بماضيه في مذكراته واصفًا الدور الذي لعبه في تأسيس “إسرائيل” بالقول: “يبدو أنني وضعت أصبعي في الكعكة، ليس فقط بكتابة إعلان بلفور، بل أيضاً في وضع أسس الجيش الإسرائيلي الراهن.”

وكان إيمري المستشار السياسي لوزير الخارجية البريطاني السابق أرثر بلفور، ورغم أنه كان يهوديًا لأم يهودية (هناك إشارات أنها أصبحت مسيحية) فإنه فضّل إخفاء هويته الدينية والدفاع عن الصهيونية من خلف الستار.

ولعل أبرز إنجازاته (؟!) كتابته لمسودة الإعلان البريطاني وصياغته لوعد بلفور . بالإضافة إلى إنشائه “الفيلق اليهودي” ، الذي أصبح في وقت لاحق ومرحلة لاحقة مع غيره من العصابات الإرهابية الصهيونية جيش الحرب الإسرائيلي.

كما عمل من خلال موقعه كوزير للمحميات البريطانية في الفترة بين 1925 و1929 على الإشراف على ازدهار ونمو المستعمرات اليهودية في فلسطين.

وكان المذكور مقتنعاً ان إعادة اليهود الى فلسطين وفقاً للنبوءات التوراتية هي ضرورة، لأن المسيح لا يمكن أن يأتي ثانية ليحكم كملك الملوك لمدة ألف عام، إلا بقيام دولة “اسرائيل” . وأدى هذا الاعتقاد الى قيام حركة سمّيت بحركة الألفيين ربطت قيام الكيان الصهيوني بعودة المسيح والقيامة السعيدة، أي أنها ربطت المسيحية العقائدية (المرتبطة بأساطير التوراة) بمشروع “إسرائيل” السياسي. ولقد نجح هذا المشروع اذ استطاعت هذه الحركة التأثير على اللورد بلفور الذي قدم لهم الوعد الفاسد قانونيًا والشهير في2/11/1917. وبحسب مؤرخة حياة اللورد وهي السيدة دوغاديل فقد تأثر اللورد منذ صغره بالتوراة (وخرافاتها وأساطيرها) وبضرورة قيام دولة اليهود تهيئة للألفية المسيحية المنتظرة! وقد بلغ التأثير فيه حداً وجد فيه نفسه أنه صهيوني ما دام يريد تحقيق التنبؤات.

ويذكر الكاتب الليبي صالح مسعود بويصير في مؤلفه الهام: جهاد شعب فلسطين في نصف قرن : ان نص تصريح بلفور قد عُرِض قبل نشره على الرئيس الامريكي واقترن بموافقته، حسب الوثائق الرئيسية في قضية فلسطين ص87 مضيفًا وهكذا دخل (الجنرال الانجليزي) اللنبي الى فلسطين “وهو يمتطي وعد بلفور”…وكان اليهود 50 ألفًا مقابل العرب الفلسطينيين الذين كانوا 12 ضعفًا لليهود آنذاك وهم الذين نظر لهم كأنهم “طائفة لا كيان لها ولا مكان”!

ومن المفيد الإشارة هنا وكما يذكر بويصير (ص73) أن الشريف الحسين بن علي مطلق الثورة العربية الكبرى قد رفض رفضًا قاطعًا وعد بلفور، وأصر على عروبة فلسطين و”استقلال فلسطين استقلالًا تاماً مطلقًا يخول الفلسطينيين إدارة بلادهم بأنفسهم….”.

يقول (الرئيس) محمود عباس في كتابه عن الصهيونية أن بلفور: كان من دعاة اللاسامية الأكثر حماسًا، وقد ألقى خطابًا حول مسألة هجرة اليهود الى بريطانيا فقال: “لن يكون لمصلحة مدنية البلد أن تكون هناك مجموعة ضخمة من الأشخاص الذين بأفعالهم الخاصة يبقون شعبًا منفصلًا، ولا يعتنقون دينًا مختلفًا عن الأكثرية الساحقة من مواطنيهم فحسب، ولكنهم أيضًا لا يتزاوجون الا فيما بينهم” . ولعل وجود لويد جورج على رأس الحكومة البريطانية وهو يتشابه مع بلفور في ميوله ساعد على اخراج إرادة اليهود فعلاً تاريخياً.

يكتب طاهر عبدالرحمن قائلًا: فى السياق ينبغي القول أن “ليو إيمرى” قام بزرع العداء والكره لكل ما هو عربي فابنه “چوليان”، الذى أصبح فيما بعد عضوا في مجلس اللوردات وتزعم حركة لمقاومة الانسحاب البريطاني من مستعمراتها في العالم العربي، وكان واحدا من الذين خططوا لاستنزاف الجيش المصري في اليمن عن طريق تجنيد مرتزقة بالأجر، مضيفًا: وإذا كان العرب والفلسطينيون يلعنون “بلفور” ليل نهار، فيتوجب عليهم أيضا لعن “ليو إيمرى” بالمرة!

قبل أكثر من 105 سنوات، كتب آرثر بلفور، وزير خارجية بريطانيا، رسالة إلى البارون روتشيلد، أحد زعماء اليهود في بريطانيا، أبلغه فيها عام 1917 بأن حكومة بلاده تؤيد إقامة وطن لليهود في فلسطين.

بعدها بـ 57 سنة، وقف جون بايدن، الرئيس الأمريكي الحالي، في مجلس الشيوخ، بعد عودته من زيارة إلى “إسرائيل” في منتصف عام 1973، قائلا إنه “لو لم توجد “إسرائيل”، لتعيَّن على الولايات المتحدة الأمريكية إيجادها “.

وعد أو تصريح بلفور هو بحق لطخة عار في تاريخ القرن العشرين -ونضيف على عنوان صحيفة فلسطين- وفي القرن 21 أيضًا، وهي جريمة ارتكبتها بريطانيا والعالم الاستعماري الغربي بحقّ فلسطين والعرب والانسانية،

إن وعد أو تصريح بلفورالجريمة المشؤومة بلا شك جاء مخالفا للقانون الدولي وتسبب في مأساة الشعب الفلسطيني تاريخيًا وحتى اليوم، ولدينا الحق في محاكمة بريطانيا أمام القضاء المحلي والدولي، باعتبارها المسؤولة الرئيسية، مع امريكا والغرب الاستعماري عن المأساة الكبرى والنكبة التي حلت بالفلسطينيين، ولما نجم عن استعمارها وتصريح بلفورها الأسطوري من تهجيروسلب وجرائم ومذابح بحق العرب مواطني ومالكي أرض فلسطين.

الحواشي:
1- آرثر جيمس بلفور سياسي بريطاني ( 1848- 1930). تولى رئاسة الوزارة في بريطانيا من 11 يوليو 1902 إلى 5 ديسمبر 1905. عمل أيضاً وزيراً للخارجية من 1916 إلى 1919 واشتهر بإعطاء وعد بلفور.
2 الفيلق اليهودي هو اسم غير رسمي استُخدم للإشارة إلى 5 تشكيلات عسكرية من المتطوعين اليهود الذين حاربوا في صفوف القوات البريطانية والحلفاء خلال الحرب العالمية الأولى.
3 النسخة النهائية من النص، والتي يعرفها العالم، تم الاتفاق عليها بعد أربعة أشهر من المسودة الأولى.
4 صالح مسعود بويصير، جهاد شعب فلسطين في نصف قرن، بيروت، دار الفتح، الطبعة الرابعة ، 1971م، ص67.
5 بويصير، المصدر السابق، ص69.
6 أمين سعيد، الثورة العربية الكبري تاريخ مفصل جامع للقضية في ربع قرن، مطبعة الحلبي بمصر-3 أجزاء، ج3، ص159.
7 كتاب (الرئيس) د.محمود عباس المعنون الوجه الآخر العلاقة بين النازية والصهيونية، ص153-154.
8 من مقال طاهر عبدالرحمن المعنون: الرجل الذي كتب وعد بلفور عام 2017م، ونشر في موقع إعلام صوت الاعلامية (الميديا) العربية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى