أقلام وأراء

بكر أبو بكر: الهنود العميان في لبنان وبصيرة الأخوة

بكر أبو بكر 2022-09-03

في الورشة الحركية الهامة في بيروت 25-29/8/2022م التقينا العديد من الأخوات والأخوة الكرام من كافة فروع الحركة بالعالم، وممن تحاورنا معهم يمكننا الإشارة للتفكير المنفتح والعقل الجازم للاخ الدكتوروالصديق الوفي عوض حجازي، والسلاسة والوضوح والثقة في طرح الأخ صديق العمر هشام كامل الذي مهما فرقتنا الأيام والسنوات وكأننا لم نفترق منذ الأمس، ولنا أن نستظل بحُسن العبارة والابتسامة والكلمة الجميلة من الاخ وليد ظاهر.

وأيضا الدكتور محمود نصار ذو العقل الفتي الذي وضعنا في صورة شمولية عن الوضع المتفجر في أوكرانيا في ظل العملية العسكرية الخاصة أو الغزو الروسي بحسب مصطلح أي من الطرفين المتقاتلين على أرض أوكرانيا، ولعمري أنه شرح عميق يستحق أن يعرض كندوة خاصة في التحليل السياسي، وكنموذج صراع القوى العظمى المنحدرة، والناشئة لتطيح برأس الهيمنة الغربية الامبريالية الاستبدادية الواحدة المتحكمة بالنظام الدولي.

لقد كان من د.هيثم تيم في لقاءاتنا على هامش الورشة الإشارات المختلفة والمغايرة لدور صربيا في الحروب التي طالتها وفي جوارها مختلطًا برحلته الشخصية المفاجئة لتلك البلد التي أستقر فيها.

ولا يقل عنهم ما أورده الأخ الصاخب يوسف عابد عن الجزائر العظيم الذي نكنّ له كامل المود،ة ومنه اقتدينا وافتدينا وبه تأسينا تنظيميًا وثوريًا وكفاحيًا فكانه يشرح دروب الثوار في أرض المليون شهيد كما شرح لنا مكونات “جمهورية الفاكهاني” التي كانت في زمن الصعود الثوري القومي العارم في بيروت ولبنان.

وأراك تجد من الأخ العزيز وليد شقورة حُسن الإشارة لمستوى التفاعل التنظيمي في خانيونس كما تجده من قسمات الأخ سلمي الخوالدة وحسن أحمد وجميع كادر غزة البطلة المشبع برطوبة الجو وهدوء البحر حينًا، واضطرابه الذي لا يهدأ في أحيان أخرى.

هذه نماذج وكلٌ يستحق أن نشير له أو لها، ويستحق جميع الأخوة والأخوات في أي ورشة حركية أو ثقافية أو فكرية قادمة أن يقدموا أوراقهم، أو رؤاهم أو تجاربهم الناجحة ولو بدقائق عشر مكثفة ومركزة نستطيع بها الدخول في الوعي والفهم والإداراك العميق والمترابط لمكونات الصورة التي يجب أن تتكامل كحال تكامل الصورة التي لم يصلها الهنود الستة العميان إلا حين جمعوا الأجزاء لبعضها البعض بحرف الواو فأدركوا ما يعانون من تخبط بالفهم دون مشاركة وتكاملية.

وهكذا ما يكون من أمر التحليل السياسي العميق الذي يحتاج لفهم المشكلة وتشخيصها ثم تحليل الوضع أو المشكلة، وتجزئتها وتشريحها، ثم إيجاد روابط جديدة بين الأجزاء المشرحة في آليات ربط جديدة تأخذ بالعقل التاريخي والجغرافي والاقتصادي والفلسفي والواقعي مما أشار لها المفكرالكبير خالد الحسن في آليات التفكير فنفهم لننطلق برسم الخطة فالاستراتيجية.

وما دمنا قد عرّجنا على قصة الهنود الستة العميان هنا فلي أن أعرضها كما عرضتها-وقصص بنائية للانسان وشخصيته الثورية الأخرى- في ندوتي بالورشة.

يشار أن الشاعر الصوفي الفارسي الكبير أبوالمجد سنائي قد أورد القصة في كتابه الشهير “حديقة الحقيقة وشريعة الطريقة”، وكذلك مولانا شيخ الصوفية جلال الدين الرومي قد أورد القصة في أشعاره المثنوية تحت اسم الفيل في الظلام، وتروى القصة بأشكال مختلفة منها التالي

“قيل أن ستة هنود عميان تناهى إلى سمعهم أن فيلاً كبيراً سوف يؤتى به إلى بلدتهم بمناسبة الاحتفال السنوي، فذهب الستة إلى حاكم البلدة وطلبوا منه أن يسمح لهم بلمس الفيل لأول مرة في حياتهم، فهم دائماً ما يسمعون على الفيل ومدى ضخامته لكنهم لم يتصورا شكله قط. لم يمانع الحاكم إطلاقاً إلا أنه اشترط في سبيل ذلك أن يصف كل واحد منهم الفيل في جملة واحدة، وفي يوم الاحتفال وبحضور أهل البلدة أحاط الستة رجال بالفيل وبدأ كل واحد فيهم بلمسه، وبعد ما انتهوا من معاينة الفيل قام كل واحد بوصف الفيل أمام الحاكم وبحضور حشد كبير من والعامة، فجاء الوصف كالتالي:

– الأول قال: الفيل أقرب ما يكون إلى الحبل.
– قال الثاني متعجباً: أين الفيل وأين الحبل؟ بل هو مثل الحائط تماماً.
– ضحك الثالث ثم قال: يا لها من سخافة، حبل وحائط!!! كيف هذا والفيل لا يخرج عن كونه خنجر كبير.
– وقال الرابع متهكماً: ما تقولونه هراء وما يقوله الناس عن ضخامة الفيل هراء أيضاً، فقد كنت أشتاق لمعرفة الفيل وصدمت حينما وجدته مجرد ثعبان بدين غير سام.
– وقال الخامس ساخراً: ما كل هذا الهذيان، الفيل عبارة عن مروحة يدوية مصنوعة من الجلد!!
– وقال السادس مقهقهاً: يا للسماء… هل مسّكم طائف من الشيطان؟! يبدو أنكم لمستم شيء آخر غير الفيل، فالفيل ما هو إلا جذع شجرة.

أثناء وصف كل شخص من الستة للفيل، كان كل من في المكان يقهقه بصوت عال ساخراً من الأوصاف العجيبة للفيل إلا الحاكم (وفي رواية أخرى الحكيم) فقد كان يسمع بإصغاء كامل ووقار شديد وبعد أن انتهى الستة من وصفهم للفيل، وقف الحاكم وأشار لجموع الحاضرين بأن يكفوا عن الضحك، وبعد أن هدأ الجميع قال الحاكم موجهاً كلامه للجميع:

“لماذا تسخرون من العميان الستة؟، فكلهم صادق في وصفه للجزء الذي لمسه من الفيل، فالأول قال أن الفيل يشبه الحبل لأنه لمس الذيل فقط، والثاني قال أن الفيل كالحائط لأنه لمس الجسم فقط، والثالث قال أن الفيل كالخنجر لأنه لمس الناب، والرابع قال أن الفيل كالثعبان لأنه لمس الخرطوم، والخامس قال أن الفيل يشبه المروحة لأنه لمس إحدى الأذنين، والأخير قال أن الفيل كجذع الشجرة لأنه لمس القدم“. بذلك فقد أصاب كل شخص من الستة جزء من الحقيقة والخطأ الوحيد الذي ارتكبوه هو أنهم لم يتريثوا ليعرفوا الحقيقة كاملة”.

وفي رواية أخرى من الحكيم الذي احتكموا اليه حين اختلفوا بالوصف، قال لهم أن مشكلتكم بحرف الواو حيث وجب أن تجمعوا الأجزاء معًا ما يدلّل على أن الإدراك انتقائي، وأن الصورة بالمجموع تكون مكتملة.

المداخلات الهامة من الأخوة ذوي البصيرة في الورشة كانت سبيلًا للقفز من معمعان التوقف عند حدود اللحظة الكئيبة داخليًا وعربيًا المتعلقة بالقضية الفلسطينية، دخولًا بالمستقبل.

ولا أبغي الإشارة هنا لما قاله الأخوة في اللجنة المركزية، باستناء كلمة الاخ د.سمير الرفاعي الذي خرج خروجًا جميلًا عن مسار السياسة ليقفز في عمق التاريخ والفكر السياسي عبر مداخلته الهامة عن الحركة الصهيونية منذ القرن 16 فصاعدًا ما كان يجب أن تكون عنوان كل الورشة المتخصصة.

من المهم الإشارة لمداخلات الأخوات والأخوة فتحي أبوالعرادات، والسفير أشرف دبور والأخت المناضلة آمنة جبريل والأخت منى الخليلي، والأخ الحبيب نمرالجنوب فهمي الزعارير أمين سر المجلس الوطني الفلسطيني الذي انطلق بصوته الجهوري صادحًا، وهو الى مداخلته الهامة غمرنا بمحبته وأشاد بنا أمام الحشد الكريم بكثير مما نأمل أن نكونه فعلًا، لكنها عين المحبة والاحترام المتبادل الذي اقترن بصداقة ممتدة وطويلة، وغني عن الإشادة ما طرحه المبدع والمنجزدومًا موسى أبوزيد، ود.حسام زملط صوت فلسطين بالغرب، ولكلّ نكهته وطعمه الذي يتوزع بين التفاح والبرتقال والعنب والخوخ اللذيذ.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى