بشار مرشد: التبلد الأخلاقي..حين يرتدي العُري أثواب الفضيلة
بشار مرشد 2-1-2026: التبلد الأخلاقي..حين يرتدي العُري أثواب الفضيلة
مقدمة:
في مسرح الحياة الهزلي الذي نعيشه اليوم، سقطت الستارة عن أكبر عملية “تزوير وجداني” في التاريخ البشري. لم يعد النفاق مجرد زلة، بل صار منهجاً، ولم يعد التلون عيباً، بل غدا مهارة. نحن نعيش زمن “التبلد الأخلاقي”؛ تلك الحالة التي يجلس فيها المرء فوق ركام من الخطايا، ليُلقي على الضحايا دروساً في الطهر والكمال.
وعظ القصور.. وبسكويت ماري أنطوانيت:
إنها المفارقة الأكثر سخرية ومرارة؛ حين يظن من في القصور أنهم يملكون الحق في إلقاء المواعظ على من هم على حافة القبور. لا يختلف واعظ اليوم عن ملكة فرنسا القديمة التي لم تجد حرجاً في اقتراح “البسكويت” كبديل لخبز مفقود. إنه ذات المنطق العفن الذي يرى الجوع “سوء تخطيط”، والألم “ضعفاً في الإرادة”. حين ينظر صاحب القصر إلى المحتضر، لا يرى إنساناً ينازع للبقاء، بل يرى “حالة” تحتاج لموعظة عن القناعة والصمود. إنهم يقترحون علينا “بسكويت الكلمات” بينما نحن نبحث عن “خبز الكرامة”.
الكرنفال الأسود.. حفلة الأقنعة الزائفة:
وفي هذا العالم المتبلد، نُدعى يومياً لحضور “كرنفال الأخلاق” الزائف، حيث يرتدي كل ساقطٍ قناعاً لما ينقصه:
فتجد الكاذب وقد انتفخت أوداجه وهو يخطب عن “نور الحقيقة”، وكأن الصدق في فمه ليس سوى مساحيق تجميل يخفي بها قبح مخادعته.
وتسمع المنافق يوزع دروس الإخلاص بابتسامة صفراء، بينما خناجر غدره جاهزة للبيع لمن يدفع أكثر.
ويطل الانتهازي الذي بنى مجده على أكتاف المخلصين، ليحاضر عن “التفاني والوفاء”، متناسياً أن تاريخه ليس سوى سلسلة من القفز من السفن الغارقة.
ويستمر العبث؛ حين يثمل الملحد قيميّاً بإنكار الحقوق ثم يتحدث عن “يقين الإيمان”، ويصف الرحّال الذي جاب الآفاق جمال الأفق لـ سجين لا يرى إلا القضبان، معتبراً أن الضيق “حالة ذهنية” وليست جدراناً صماء. أما الجبان فيسطر ملاحم البطولة من خلف الشاشات، والضعيف يعطي دروساً في القوة، والوقح يجلد الناس بسياط “الأدب”، والسفيه يرى في جهله مرجعاً “للعالم”.
الكلمة التي لا تجرح.. لا تضمد
هؤلاء جميعاً لا يعظوننا ليغيروا واقعنا، بل يمارسون الوعظ كنوع من “الغسيل الأخلاقي”؛ ليوهموا أنفسهم بأنهم لم يسقطوا بعد. إنهم يفرغون كبت نقصهم في أسماعنا، ويطالبوننا بفضائل هم أول من كفر بها.
الخاتمة:
إن المواعظ التي تأتي من خلف جدران القصور، أو من أفواهٍ أدمنت التلون، ليست سوى ضجيجٍ فارغ. الكلمة التي لا تخرج من جرحٍ لا تضمد جرحاً، والوعظ الذي لا يسنده فعلٌ هو إهانة للموت وتدنيس لقدسية الألم. لقد آن الأوان لنعلنها بوضوح: “إن نصائحكم لا تصل، لأن أرواحكم لم تغادر بروجها العاجية قط”. فالحقيقة لا تُنطق، بل تُعاش، ومن لم يذق مرارة الصمود في الميدان، لا يحق له أن يتكلم أو يعطي المواعظ.


