Take a fresh look at your lifestyle.

انيس فوزي قاسم يكتب – أصحاب القوائم الانتخابية الفلسطينية

0 130

انيس فوزي قاسم *- 30/4/2021

قبل الخوض في مسائل لا قيمة وطنية لها، مثل الانتخابات التشريعية والرئاسية الفلسطينية، فإن واجب الوفاء يقتضي أن نعانق أهلنا في بيت المقدس ونقدم لهم آيات الولاء على جسارتهم وثباتهم في وجه موجة المستوطنين. إنهم ينشغلون بواجبات وطنية مقدسة، مثل مقارعة الاحتلال وإرهاب المستوطنين، ولا يلتفتون إلى مسائل أقل من المقاومة بكثير، بل أدنى مرتبة منها أخلاقياً وسياسياً وقانونياً مثل ما يسمى بالانتخابات التشريعية والرئاسية. إن ما يجري في القدس الشرقية لا علاقة له بـ»عرس الديمقراطية» الوهمي، ولا بالقوائم التي انتشرت كنبات الفقع في جبال فلسطين في فصل الشتاء. إنهم ينشغلون في الواجب الأهم والأقدس ويبعثون رسائل لكل ذوي الشأن من المقاطعة في رام الله إلى خليج التطبيع، أن هناك أهلا يحرسون القدس بالدم والإقدام والصلابة. إنهم يرفعون شعار المقاومة، والمقاومة فقط.. ولتخسأ اتفاقيات أوسلو ومشتقاتها.

ربما لم يمرّ زمن كانت البوصلة الفلسطينية الشعبية (خارج القدس) مشتتة الاتجاهات، كما هي عليه الآن، وقد زاد الوضع تشتتاً الأمر الرئاسي غير الرشيد لإجراء انتخابات لمجلس تشريعي، ولانتخاب «رئيس دولة فلسطين» ومن ثم تركيب مجلس وطني حسب الأهواء. وعلى أثر ذلك ازدحمت الساحة الفلسطينية في داخل الأرض المحتلة (باستثناء القدس) بالقوائم والانقسامات والمزايدات والمراهنات، وكأن الأمر مسألة فلسطينية خالصة وشأن داخلي بحت، وكأننا لسنا في وضع احتلال عسكري، ولسنا مقيدي الإرادة باتفاقيات أوسلو المذلة، ولسنا أسرى للتنسيق الأمني مع الاحتلال، والذي ما أن أعلنت القيادة الفلسطينية تحللها منه في العام الماضي، حتى هرعت إلى العودة إلى «حضن الأم الرؤوم».

وأنه لمن مناظر البؤس المقيت أن المشهد الفلسطيني يزداد تشتتاً في ظل احتدام الجدل حول تأجيل الانتخابات بمقولة، إن الظروف غير ملائمة، وإن التأجيل سوف يعمق الانقسام الفلسطيني ويؤدي إلى ارتفاع منسوب الإحباط ويقود إلى الفوضى. وتشارك «حماس» في هذه الحملة غير المبررة، وهي أكثر الفصائل الفلسطينية تماسكاً، بعد أن أصيبت حركة فتح بانقسامات أفقية وطولية. وهذه الأقوال جميعها فيها تسطيح غير مستساغ، وكأن الأعوام الماضية لم تكن كافية لخفض منسوب الإحباط. ويكتشف البعض أن المسألة ليست قضية فلسطينية خالصة، فإسرائيل لها حق الاعتراض والموافقة، والولايات المتحدة الأمريكية لها حق «الاقتراح» و»التوجيه» و»التوصية» والإمارات العربية المتحدة لها مرشحها ولها برنامجها، وبعض الدول العربية الأخرى جرّدت جيوشاً من أجهزتها الأمنية العميقة لترتيب الانتخابات على مقاسها، وأصبحت حركة «فتح» مقسمة، وأن بعض مسؤولي السلطة الفلسطينية، يستغيثون ببعض مسؤولي الحكومات الأوروبية للضغط على إسرائيل للسماح للعرب المقدسيين بالتصويت في الانتخابات الفلسطينية. وهكذا تبدو الحالة الفلسطينية بائسة، وفي وضع مهلهل ومشرعة الأبواب لكل من هبّ ودب. والصورة بشكل عام لا تليق بالقضية الوطنية.

وربما لم يلحظ إلا القليل، أن أمر الانتخابات لمجلس تشريعي هو ليس إرادة فلسطينية، بل هو مرهون بإرادة الحاكم العسكري الإسرائيلي، لأن المجلس التشريعي ومشتقاته من حكومة ورئاسة وأجهزة أمنية، هي جميعها من مخلوقات سلطة الحكم الذاتي، الذي جاءت به إسرائيل كفكرة أولاً في مفاوضات كامب ديفيد، ثم في اتفاقيات أوسلو. فعلى ماذا الاقتتال والتسابق والتناحر، ونبرات الصوت المرتفعة؟ إنكم جميعاً أيها الإخوه، من كان منكم داخل المجلس التشريعي أو الحكومة أو الرئاسة، أو الأجهزة الأمنية، لا تملكون سلطة حفر بئر ماء واحدة في قرية فلسطينية، ولا تستطيعون البناء في مدنكم بارتفاعات محددة، لأنكم لا تملكون حق التخطيط ـ بموجب شروط أوسلو- ولا تستطيعون تسجيل أسماء أبنائكم، إلاّ عبر المسجل المدني الإسرائيلي، ولا تستطيعون الوصول إلى المعابر إلاّ بإرادة شرطي إسرائيلي. ولماذا إذن انتفاخ الأوداج، وارتفاع نبرات الصوت ضد بعضكم بعضا، وأنتم جميعاً في معمعان معركة الانتخابات التشريعية، لستم أكثر من أسرى للاحتلال، يطلق السجان سراحكم، إنما تظلون داخل سجن أكبر من سجن بيت أيل! يا أصحاب القوائم الانتخابية الكرام، كان حريّاً بكم عقد جلسات استراتيجية لمناقشة مستقبل القضية الوطنية، أو على الأقل قضية الشيخ جراح، لاسيما في ظروف إقليمية ودولية تتغير على نحو عميق.

إننا كفلسطينيين نقف الآن عراة من الغطاء العربي الرسمي (إلاّ من رحم ربي). وعمليات التمدد الإسرائيلي داخل الوطن العربي بما في ذلك كل الأجهزة الأمنية والاستخباراتية، ونقف في مواجهة إدارة أمريكية كشفت عن وجهها، بعد أن كانت تداري خطواتها بقليل من الاحتشام، وجاء ترامب وأماط اللثام كلياً، ثم جاء بايدن على خطى ترامب، في ما يتعلق بالقضية الفلسطينية، إذ أنه لم يتراجع عن الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، ودفع ثمن ذلك (150) مليون دولار لوكالة الأونروا، وعلى أصحاب القوائم التمعن في إمكانية عودة ترامب، أو من هو من المدرسة ذاتها، لاسيما وأنه حاز حوالي (75) مليون صوتاً، أي أن إمكانية العودة قائمة وبقوة. فإذا صدف وعاد ترامب، أو أي من مدرسته، فماذا نحن فاعلون؟

يجب أن لا ينخدع أصحاب القوائم بطروحات بايدن، بأنه يطرح حل الدولتين. ذلك أن هذا الحل لا يعني شيئاً، بل يظل حبراً بدون ورق، طالما استمرت الإدارات الأمريكية في تمويل استعمار الأراضي المحتلة، وضمان التفوق الإسرائيلي «المطلق» على كل جيرانها. وهذا ليس بدعة، ذلك أن الإدارات الأمريكية المتعاقبة منذ الرئيس ترومان حتى بايدن ظلت ملتزمة التزاماً عميقاً واستراتيجياً ليس ببقاء إسرائيل وتمددها فقط، بل كذلك وبسيطرتها على جوارها. إنها استراتيجية الإمبريالية الأمريكية للشرق الأوسط. فماذا نحن فاعلون في هذا الصدد؟ يا أصحاب القوائم الكرام، ربما أن وضع استراتيجيات لحفظ الذات الفلسطينية من نكبات الدهر المحيقة بنا وبشعبنا وقضيتنا، هو أهم وأوفى بالمصالح الوطنية من الانهماك في ترتيب قوائم لا تملك من القيمة والقوّة والسيطره شيئاً. وأن الإيحاء بأن الانتخابات التشريعية سوف تنهي الانقسام هو خداع للذات، ذلك أن الانقسام والاقتتال الفلسطيني لم ينشأ إلا بحلول أوسلو، ودلالة ذلك العودة إلى سجل المناكفات والمشاحنات بين فتح وحماس.

يا أصحاب القوائم، إن العودة إلى انتخابات المجلس الوطني الفلسطيني هو الحل الأسلم، إذ أنه يعفيكم من استجداء القناصل والدول الأوروبية والأمريكية وسلطة الاحتلال الاستيطاني. إن إجراء انتخابات لمجلس وطني هو عمل يتعلق بسيادة الشعب الفلسطيني وخياره وإرادته، وهو ينتخب من كل الشعب الفلسطيني وليس من ثلثه تقريباً (سكان الأراضي المحتلة فقط والذين يشكلون حوالي 40% ولكن إذا اضفنا فلسطينيي فلسطين لفلسطينيي الشتات تنخفض النسبه إلى الثلث تقريباً) وهو يؤكد على وحدة الشعب والقضية والأرض، كما أنه إذا أريد انتخاب «رئيس دولة فلسطين» يكون الانتخاب صحيحاً وأكثر ديمقراطية وشرعية، وليس انتخاباً يمثل اغتصاباً للسلطة من قبل ثلث الشعب. إن التكنولوجيا الحديثه لم تترك عذراً لأحد من إجراء انتخابات لمجلس وطني من ابناء الشعب الفلسطيني كافة في كل أماكن وجوده وأصبحت عملية ممكنة، إذا حزم أصحاب القوائم وذوو الشأن أمرهم. إن العودة إلى انتخاب مجلس وطني فلسطيني هي خشبة الخلاص من هذه الفوضى غير الخلاقة التي تعيشها القياده حالياً.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.