انطوان شلحت يكتب - هل هي بداية نهاية عهد نتنياهو؟ - مركز الناطور للدراسات والأبحاث
Take a fresh look at your lifestyle.

انطوان شلحت يكتب – هل هي بداية نهاية عهد نتنياهو؟

0 170

انطوان شلحت  21/7/2020

هناك أكثر من سبب للاعتقاد بأن الأيام الراهنة ترسم أولى إشارات بداية نهاية عهد رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو المستمر منذ أكثر من عقد، وهو ما ركزنا عليه في هذا العدد من “المشهد الإسرائيلي”، بواسطة تسليط الضوء بشكل أساس على التداعيات الاقتصادية- الاجتماعية المترتبة على أزمة فيروس كورونا والتي بلغت آماداً حادّة.

لعل أبرز هذه الأسباب هو انطلاق حملة احتجاج مُرشّحة لأن تتصاعد ضد هذه التداعيات؛ حتى إن كانت تعيد إلى الأذهان إلى حدّ كبير حملة الاحتجاج الاجتماعية التي شهدتها إسرائيل العام 2011 وفشلت في تحقيق مبتغاها، فهي أشدّ قسوة وعمقاً كونها متأتية عن حراك “جمهور يختنق ولم يعد قادراً على التنفس”، كما وصفتها صحيفة “هآرتس”، مؤكدة أنه من غير الممكن إسكاتها ولا حتى بواسطة الشرطة وعنفها.

وربما يجدر في هذا الصدد أن نستعيد ما قاله البروفسور مانويل ترختنبرغ، الذي كان رئيساً للجنة العامة التي عينها نتنياهو في أعقاب احتجاجات 2011 (“يديعوت أحرونوت”، 15/7/2020)، وخاصة إشارته إلى تدهور إسرائيل في الوقت الحالي إلى هاوية لا قاع لها، وإلى أنه من الواضح بلا أدنى شك أن التدهور لم يفرضه الواقع بل كان من صنع يدي الحكومة والذي يقف على رأسها، وما بقي هو إمكان واحد: تغيير القيادة وبسرعة.

ووصف تراختنبرغ رئيس الحكومة بأنه منقطع عن الواقع، وحتى متوحش، يخصص كل وقته لهدف واحد فقط: بقاؤه بأي ثمن. وبرأيه ليس هناك أمر أخطر من ذلك، والأكثر خطورة بأضعاف عندما يكون هذا الشخص هو الذي يصر على إدارة دفة السفينة في الأمواج الهائجة لأزمة (غير أمنية) هي “أخطر ما أُصيبت به إسرائيل على الإطلاق”، على حد تعبيره.

ولم يعد سرّاً أنه في مقابل هذا الوضع يتركز جهد نتنياهو، الذي يبدو منشغلاً أكثر من أي شيء آخر بمحاكمته بشبهات فساد، في تجيير أزمة وباء كورونا لمحاصرة الحريات الديمقراطية وتكريس الاستبداد السلطوي (اقرأ مقال سليم سلامة)، كما تشير إلى ذلك مراكز أبحاث مهمة في إسرائيل، تعرب في الوقت عينه عن تخوفاتها الشديدة من احتمال استغلال تفشي الوباء وتداعياته الصحية لتشديد قبضة الاستبداد السياسي السلطوي، سواء من خلال إعلان “حالة الطوارئ” في البلد، بما يبيح العمل الحرّ بموجب “أنظمة الطوارئ” الانتدابية، ثم تحييد الكنيست ورقابتها البرلمانية (بسنّ قانون خاص، في أوائل الشهر الجاري، يعفي الحكومة من واجبها القانوني بالعودة إلى الكنيست للحصول على موافقته ومصادقته المسبقتين على قرارات وإجراءات حكومية تتعلق بفرض تقييدات على المواطنين بجريرة وباء كورونا)، أو من خلال إقحام “جهاز الأمن العام” (الشاباك) غير المسبوق في عمليات الرصد والتتبع الإلكترونيين لجمهور المواطنين كافة، أو من خلال الدفع بالشرطة نحو تشديد قبضتها القمعية ضد أي فعاليات يفترض أن تكون جزءاً أساسياً لا يتجزأ من الحريات العامة ومن حقوق الفرد في دولة ديمقراطية حقيقية، مثلما حدث خلال التظاهرات الأخيرة التي جرت أمام مقر إقامة رئيس الحكومة الإسرائيلية في مدينة القدس، حيث انقضت قوات الشرطة على المشاركين في المظاهرة والاعتصام بالقمع والبطش والاعتقال.

ونتنياهو في هذا المسعى المسبق الغاية ليس وحيداً، إذ تحيط به مجموعة من وزراء وأعضاء الكنيست من الليكود تعمل من أجل الهدف نفسه كما يتكشف باستمرار، وليس آخرهم وزير التعليم العالي زئيف إلكين الذي ارتبط اسمه مؤخراً بسلسلة من الإجراءات الرامية إلى الحدّ من استقلالية المؤسسة الأكاديمية الإسرائيلية على طريق تعميق تسييسها اليميني، ما تسبّب بصدامات متواصلة بين كبار مسؤولي إدارات الجامعات الإسرائيلية وبين هذا الوزير (اقرأ مقال هشام نفّاع).

وداخل هذا كله انشغلت إسرائيل الأسبوع الفائت بموضوع آخر هو العنصرية ضد العرب على خلفية فيديو عنصري لأحد الفنانين الإسرائيليين بشأن نظرته إلى الأطفال البدو (اقرأ مقال محمد قعدان).

في هذا الصدد صادفنا مرة أخرى في سياق ردات الفعل على الحادثة المذكورة، إعادة إنتاج لأداة تحاول أن ترجع سبب العنصرية الشاطّـة في إسرائيل إلى تلكؤ المؤسسات الرسمية وفي مقدمها وزارة التربية والتعليم في مكافحتها، أو إعادة إنتاج أداة أخرى تتمثّـل بعزو العنصرية إلى وضعية الانزياح العام نحو اليمين، مؤكدة أن هذه الوضعية لا تنفك تغلب على إسرائيل حالياً وتزداد حدّتها من يوم إلى آخر، وتشكل واحداً من أبرز مشاغل الكثير من الباحثين والمحللين.

وفي أثناء ذلك يشير هؤلاء، في شبه إجماع، إلى أن بداية هذا الانزياح يمكن تحديدها في فترة صعود بنيامين نتنياهو إلى سدّة الحكم (العام 1996)، غير أن مداه صار إلى تعمّق في فترة إيهود باراك أيضاً (1999- 2001). ومن علائمه الواضحة توحيد خطاب “المركز السياسي” في إسرائيل المتمثل بالأساس في حزبي الليكود والعمل، ترتباً- ضمن أشياء أخرى- على التوصيف المشوّه من جانب الإسرائيليين لما حدث في “كامب ديفيد” ومن ثمّ لمستحصلات “عملية التسوية” برمتها. وطبقاً لهذا الخطاب فإنّ “خيانة” الفلسطينيين مبدأ التسوية (الذي يحيل إلى “مبدأ” السلام)، لم تبق أمام إسرائيل سوى نتيجة واحدة: محاولة حل الصراع من خلال القوة، لأن ذلك يتسّق في صورة موازية، مكملة، مع غاية “حفظ البقاء” في وجه “أخطار وجودية” داهمة.

وكما سبق أن أكدنا مرات كثيرة، فإن حصر تسويغ العنصرية في تخوم هذه الوضعية يظلّ أقرب إلى التفسير التبسيطي، كون ذلك يفارق العامل الأهم والأبعد مدى، وهو مبلغ انغراز العنصرية في العمق لدى الأغلبية الساحقة من الرأي العام الإسرائيلي، المؤدلجة بالفكر الصهيوني.

وقبل أكثر من ستة أعوام كتبت عالمة الاجتماع الإسرائيلية إيفا إيلوز مقالة مطوّلـة حلّلت فيها بكفاءة ملفتة أسباب تحوّل إسرائيل إلى دولة عدوانية وعنصرية، خلصت فيها إلى استنتاج فحواه أن العنصرية باتت بنيوية. وحاجت إيلوز الذين يبررون العنصرية الإسرائيلية بالقول إن العرب أو الأتراك يتعرضون أيضا للتمييز في فرنسا أو ألمانيا، وإن إسرائيل ليست أسوأ من مثل تلك الدول، فقالت: إن العنصرية التي مصدرها السكان تختلف عن العنصرية التي مصدرها قوانين الدولة (أي البنيوية). وأكدت أنه عندما يرسخ مثل هذا التناسب يسهل تسويغ العنصرية. لكن ما يتعيّن الانتباه له هو أنه بعد مأسسة العنصرية والمصادقة عليها من جانب الكيان الأقوى – الدولة- فإن القيم العامة ضد العنصرية تضعف كثيراً. وبرأيها، بينما تبدو معارضة العنصرية وحماية حقوق الإنسان في إسرائيل كـ”مواقف يسارية متطرفة”، فإنها في الدول الليبرالية مجرد قيم أساسية مشتركة لليسار واليمين على حدّ سواء.

في هذه الخلاصات ما يحيل، من ضمن أمور أخرى، إلى طبيعة “اليسار” الإسرائيلي- هذا اليسار الذي يشخّص عن اليمين، خلافاً لليسار في دول العالم كافة، فقط بموجب موقفه من “عملية السلام”، لا بموجب أجندته الاجتماعية والفكرية التي تستوجب حتماً النضال ضد اليمين المتطرف، مثلما تستلزم حتماً الكفاح ضد النزعات العنصرية المتعدّدة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.