الوضع العالمي: تحليل استراتيجية الولايات المتحدة - مركز الناطور للدراسات والأبحاث
Take a fresh look at your lifestyle.

الوضع العالمي: تحليل استراتيجية الولايات المتحدة

0 355

مركز الناطور للدراسات والابحاث

كان سقوط الاتحاد السوفييتي بمثابة نهاية العصر الأوروبي، العصر الذي هيمنت فيه أوروبا على العالم. تلك النهاية تركت الولايات المتحدة كالقوة العظمى الوحيدة في العالم، وهو أمر لم تكن أمريكا مستعدة له ثقافيا ولا مؤسساتيا. منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، حددت الولايات المتحدة ملامح سياستها الخارجية وفق مواجهتها مع الاتحاد السوفيتي، وكل ما قامت به حول العالم مرتبط بشكل أو آخر بملامح تلك المواجهة. أنقذ سقوط الاتحاد السوفييتي أمريكا من المواجهة الخطرة مما أدى إلى إنهاء تركيزها في سياستها الخارجية على تلك البقعة.

خلال القرن المنصرم تحولت أمريكا من قوة متوسطة إلى قوة عالمية كبرى، ومنذ عام 1917 إلى 1991 دخلت في حروب وشنت حربا باردة مع فترة من السلم دامت حوالي 20 عام نتيجة فترة الكساد الكبيرة وتدخلاتها العديدة في بلدان أمريكا اللاتينية. نتيجة لذلك كان القرن العشرين قرن الصراعات والأزمات بالنسبة للولايات المتحدة، فقد دخلت ذلك القرن قبل أن تكون قد طورت مؤسساتها الحكومية بما يكفي لتولي السياسة الخارجية. كانت قد بنت مؤسسة سياستها الخارجية للتعامل مع الحروب والتهديد بالحروب، والغياب المفاجىء للمنافسة أدى إلى فقدانها لتوازنها.

 

بعد الحرب الباردة

يمكن تقسيم مرحلة مابعد الحرب الباردة إلى 3 مراحل. تميزت الأولى منها بعدم اليقين والتفاؤل واستمرت من 1992 حتى 2001. من ناحية، انهيار الاتحاد السوفيتي أدى إلى الأمل بفترة يحل فيها النمو الاقتصادي محل الحروب، لكن من ناحية أخرى كانت المؤسسات الأمريكية مبنية على قاعدة خوض المعارك، وكان من الصعوبة بمكان إعادة هيكلتها للتعامل مع مرحلة مطولة من السلام. انتهج الرئيسين، كلينتون وبوش الأب، سياسة مبنية على النمو الاقتصادي، مع حملات عسكرية مرحلية وغير متوقعة في أماكن مثل بنما، الصومال، هايتي وكوسوفو.
تلك الحملات العسكرية لم تكن تدخل في نطاق الحروب المهمة للأمن القومي الأمريكي، وفي بعض الحالات كانت النظرة إليها تقوم على أساس حل مشاكل جانبية، كما في حالة الديكتاتور البنمي مانويل نورييغا وتجارة المخدرات، وتم تفسير تلك الحملات على أنها حملات إنسانية بشكل رئيسي. حاول البعض عبثا البحث عن تفسير أو نمط منطقي لتلك الحملات، لكنها كانت تماما ما هي عليه، عشوائية ومدفوعة بالسياسة الداخلية وضغوط التحالفات أكثر من أن تكون ذات أهداف قومية واضحة. القوة الأمريكية كانت ضخمة جدا بحيث كانت تكلفة تلك الحملات صغيرة نسبيا وكانت نسبة المخاطر أقل.

انتهت تلك المرحلة بتاريخ 11 أيلول 2001. عند تلك النقطة واجهت الولايات المتحدة موقفا لا يتناسب مع ثقافتها الاستراتيجية، فهي تواجه عدوا حقيقيا وغير تقليدي شكل خطرا حقيقيا على أمنها الداخلي، وأصبح بإمكان المؤسسات التي تم بناؤها أثناء وبعد الحرب العالمية الثانية أن تعمل بفعالية من جديد، وبطريقة غريبة ومأساوية، عادت أمريكا إلى الموقع الذي تشعر بالارتياح فيه، خوض حرب رأت أنه تم فرضها عليها.

اتسمت المرحلة الثانية من 2001 حتى 2007 بسلسلة من الحروب على العالم الإسلامي. مثل كل الحروب، تعرضت تلك الحروب لخسائر وعرفت بعض النجاحات. إن كان الهدف من تلك الحروب هو منع القاعدة من مهاجمة أمريكا مرة أخرى على غرار هجمات 9/11، يمكن وصفها بالنجاح، بالرغم من صعوبة تفسير علاقة الحرب على العراق بذلك الأمر. أما إن كان الهدف منها هو خلق نوع من التأييد والتعاطف مع الولايات المتحدة، وتدعيم ونشر القيم الأمريكية، فهي قد أخفقت بكل تأكيد.
بحلول عام 2007 والعدوان على العراق، انتقلت السياسة الأمريكية الخارجية إلى المرحلة الثالثة وهي المرحلة الراهنة. الهدف الرئيسي لم يعد السيطرة على المنطقة، بل تغير إلى الانسحاب من المنطقة مع محاولة الحفاظ على أنظمة حكم قادرة على حماية نفسها وصديقة لأمريكا بذات الوقت. الانسحاب من العراق لم يحقق ذلك الهدف، وعلى الأرجح لن يحقق الإنسحاب من أفغانستان ذلك الهدف أيضا. ستنسحب الولايات المتحدة من أفغانستان بغض النظر عن النتائج، ولكنها لن تكف عن التدخل في المنطقة، والهدف الرئيسي المتمثل في القضاء على القاعدة لن يبقى الهدف المركزي.

تابع الرئيس أوباما استراتيجية خلفه جورج بوش الإبن التي تم وضعها بعد غزو العراق عام 2007. قام أوباما بزيادة عدد قواته في أفغانستان أكثر مما فعل جورج بوش، وتقبل مفهوم التدخل العسكري الاحتياطي، أي زيادة عدد القوات بهدف تسهيل الإنسحاب. المشكلة الاستراتيجية الرئيسية لدى أوباما لم تكن مسألة شن الحروب، بل المعضلة التي كانت سائدة في التسعينات، أي كيف يمكن إعادة هيكلة الولايات المتحدة ومؤسساتها للتعامل مع عالم يخلو من أعداء أقوياء.

فشل عملية إعادة التموضع

عرض إعادة التموضع الذي قدمته هيلاري كلينتون للروس يجسد استراتيجية أوباما. أراد أوباما إعادة ضبط السياسة الخارجية الأمريكية لمرحلة ما قبل 9/11، المرحلة التي كانت فيها حروب الولايات المتحدة أكثر تواترا ولكن أصغر حجما ويمكن تبريرها بغطاء إنساني.
المسائل الإقتصادية هيمنت على هذه الفترة والمعضلة الرئيسية كانت إعادة دفع عجلة الإزدهار. وكانت أيضا مرحلة توافقت فيها العلاقات الأمريكية – الأوروبية والعلاقات الأمريكية – الصينية، مع علاقات هادئة مستقرة مع الروس. سعى أوباما للعودة إلى المرحلة التي كان النظام العالمي فيها مستقرا، مواليا لأمريكا وواعدا بالازدهار. مع أننا نستطيع فهم ذلك من وجهة نظر أمريكية، إلا أن روسيا على سبيل المثال تعتبر تلك مرحلة التسعينات مرحلة كارثية كبرى ولا يجب العودة إليها أبدا!

المشكلة في تلك الاستراتيجية هي استحالة إعادة ضبط النظام العالمي حسب الطلب. ازدهار التسعينات انقلب إلى مصاعب وأزمات اقتصادية بعد 2008، وهذا بكل تأكيد أدى إلى ظهور أولويات أهمها إدارة الاقتصاد المحلي، وكما حدث في الماضي، الأزمات الاقتصادية تعيد تعريف آلية عمل بقية العالم. أوروبا، روسيا والصين التسعينات لم تعد موجودة بعد الآن، والشرق الأوسط تغير أيضا.

خلال التسعينات كان من الممكن الحديث عن أوروبا كوحدة واحدة على أمل توطيد الوحدة الأوروبية، وهي لم تعد الحالة ذاتها بحلول عام 2010. الأزمة الاقتصادية الأوروبية مزقت الوحدة الأوروبية التي كانت موجودة في التسعينات، ووضعت المؤسسات الأوروبية تحت ضغوط كبيرة وكذلك المؤسسات العابرة للأطلسي كحلف الناتو. الولايات المتحدة كانت بعيدة تماما وبأشكال مختلفة عن المشاكل التي واجهها الاتحاد الأوروبي، ربما أراد الأوروبيين المال من أمريكا، لكنهم بالتأكيد لا يرغبون برؤية زعامة للعالم على غرار تلك التي سادت في التسعينات.

تغيرت الصين أيضا، القلق من وضع اقتصادها ساد محل الثقة بالنخبة التي سيطرت في فترة التسعينات. صادراتها تتعرض لضغوط كثيرة، كما تزايدت المخاوف على استقرارها الاجتماعي. هذا بالإضافة إلى تزايد نزعة المواجهة والقوة في سياستها الخارجية.

في الشرق الأوسط، كانت شعبية سياسة أوباما العامة منخفضة، وكان توسع القوة الإيرانية ملحوظا. مع تزايد المخاوف الإسرائيلية من برنامج إيران النووي، وجد أوباما نفسه على حافة الهاوية بين نزاع محتمل مع إيران وبين الوقوف جانبا وترك الأمور تسير بشكل تلقائي.

الحد من التدخل

اتبعت الولايات المتحدة في السابق سياسة خارجية ترى أنه على الولايات المتحدة بشكل ضروري أن تتحكم بمجريات الأحداث، لكن أوباما يرى ذلك كمشكلة. تلك الاستراتيجية أظهرت أن مصادر الولايات المتحدة محدودة وقد استنفذت بشكل كبير في حروبها. بدلا من التحكم بالأحداث الخارجية، غير أوباما استراتيجية الولايات المتحدة باتجاه التدخل المحدود وترك الأمور تسير كما هي.

الاستراتيجية في أوروبا تعكس ذلك بشكل واضح، فقد امتنعت واشنطن عن محاولة قيادة الأوروبيين باتجاه التوصل إلى حل للأزمة الاقتصادية بالرغم من قيام الولايات المتحدة بتقديم مساعدة ضخمة عبر الاحتياطي الفيدرالي. الهدف من هذه الاستراتيجية هو دعم الاستقرار بدلا من إدارة العملية. أما مع الروس، الذين من الواضح أنهم وصلوا إلى نقطة الثقة بالنفس، فالإخفاق الأمريكي في محاولة إعادة التموضع نتج عنه انكفاء التركيز والاهتمام الأمريكي في المحيط الروسي ورغبة من واشنطن بالوقوف جانبا وترك الروس بالتقدم كما يحلو لهم. بشكل مماثل، بالرغم من التصعيد الكلامي بين الصين وأمريكا والمناقشات في أمريكا حول إعادة الانتشار للتعامل مع التهديد الصيني، تبقى السياسة الأمريكية بحالة هامدة وقبول.

تتجلى تلك الاستراتيجية بأوضح أشكالها في إيران. بغض النظر عن برنامجها النووي، تتحول إيران إلى قوة إقليمية كبرى مع دائرة واسعة من النفوذ. بدلا من محاولة إعاقة الإيرانيين بشكل مباشر، اختارت الولايات المتحدة أن تنتظر نتيجة الأحداث، مع توضيحها بشكل صريح للمسؤولين الإسرائيلين أنها تفضل الديبلوماسية على العمل العسكري، أي أنها بشكل عملي ستبقى متفرجة على الأحداث وهي تتشكل.

هذه السياسة ليست بالضرورة سياسة خرقاء. مفهوم توازن القوى مبني على أساس وجود منافس يوازي منافس آخر وهذا يخلق التوازن فيما بينهما. نظرية توازن القوى تفترض تدخل القوى العظمى فقط في حالة حدوث اختلال في التوازن، وبما أن التدخل غير وارد عمليا في الصين، أوروبا أو روسيا، فدرجة من التعاطي الهادىء مع الأوضاع تبدو منطقية. أما في حالة إيران، العمل العسكري ضد قواتها التقليدية صعب، وضد منشآتها النووية محفوف بالمخاطر، لذلك ينطبق ذات المنطق.

لا يمكن التحكم بأوروبا عبر القوة العسكرية، وهي تشكل التهديد الأكثر خطورة على المدى الطويل. مع تفكك الاتحاد الأوروبي، قد تكون خدمة المصالح الألمانية أفضل عبر العلاقات مع روسيا. ألمانيا بحاجة لمصادر الطاقة الروسية، وروسيا بحاجة للتكنولوجيا الألمانية، وكليهما غير سعيد بالقوة الأمريكية ومعا هما قادرتان على الحد من تلك القوة، بينما كان التوافق الألماني—الروسي أكبر مخاوف السياسة الخارجية الأمريكية منذ الحرب العالمية الأولى حتى الحرب الباردة. هذه هي المعادلة الوحيدة القادرة على تهديد الولايات المتحدة. الرد الأمريكي المضاد هو دعم بولندة التي تقسم بينهما جغرافيا، بالإضافة إلى دعم حلفاء رئيسيين آخرين في أوروبا، وتقوم أمريكا بذلك بحذر شديد.

الصين حساسة جدا وقابلة للاختراق من قبل القوات البحرية نظرا لطبيعة وتضاريس مياهها الساحلية التي توفر نقاط اختناق توقف حركة سواحلها. الهاجس الأكبر لدى الصين هو قيام أمريكا بتنفيذ حصار بحري لا قدرة  لسلاح البحرية الصيني الضعيف على مواجهته، لكن هذا الخوف يبدو بعيدا، ولكنه يبقى ميزة الأفضلية الأكبر لأمريكا.

نقطة الضعف الروسية تكمن في قدرات أعضاء الاتحاد السوفيتي السابق، وروسيا تحاول توحيدهم في اتحاد أوراسي بهدف دحر أجندة ما بعد الاتحاد السوفيتي. لم تغص أمريكا في ذلك المخطط بشكل كبير، لكنها تتمتع بالقدرة على تقديم حوافز اقتصادية ونفوذ خفي يمكناها من إضعاف روسيا أو تحديها على الأقل. روسيا تدرك تلك القدرات وتدرك أن الولايات المتحدة لم تستخدمها حتى الآن.

يتم تطبيق ذات الاستراتيجية مع إيران. من غير المحتمل أن تؤدي العقوبات الاقتصادية إلى نتائج لأنها مليئة بالثغرات والصين وروسيا لن تطبقانها. بالرغم من ذلك تواصل الولايات المتحدة تطبيق تلك العقوبات ليس بسبب ما يمكن أن تحققه، بل بسبب ما يمكن أن يتم تفاديه، أي التدخل المباشر. كما أن الهدوء الأمريكي يعود أيضا إلى أن القوى الاقليمية، وتركيا تحديدا، ستكون مضطرة للتعامل مع إيران بأنفسها، وهذا الصبر سيسمح بنشوء نوع من توازن القوى.

مخاطر عدم اتخاذ إجراءات

الاستراتيجية الأمريكية في إدارة أوباما تتسم بصبغة تقليدية، بمعنى أنها تترك الأمور تسير كما هي وهذا يسمح للولايات المتحدة بتخفيض جهودها، لكن من ناحية أخرى، القوة العسكرية الأمريكية كافية وقادرة على التدخل في حال سارت الرياح كما لاتشتهي السفن، عندها يكون التدخل وعكس مجريات الأمور ممكنا. على أوباما الصمود في وجه وزارة السياسة الخارجية ووزارة الدفاع وأجهزة المخابرات ومقاومة المغريات القديمة. يحاول أوباما إعادة هيكلة بنية السياسة الداخلية بعيدا عن نموذج الحرب العالمية الثانية والحرب الباردة، وهذا يحتاج للوقت.
نقاط ضعف استراتيجية أوباما هي أن الأوضاع في العديد من مناطق العالم يمكن أن تتجه بشكل مفاجىء وبدون إنذار باتجاهات غير مناسبة. بخلاف نظام الحرب الباردة الذي كان يتعامل مع المشاكل بشكل مبكر، من غير الواضح ما إذا كان النظام الحالي لن يتأخر جدا في اتخاذ الاجراءات المناسبة. الاستراتيجيات تخلق إطر عمل نفسية وهذه بدورها تشكل القرارات، وأوباما أوجد وضعا قد تكون فيه الولايات المتحدة غير قادرة على الرد بسرعة كافية في حال انهيار السياسة الناعمة.

من الصعب النظر إلى الاستراتيجية الحالية كنموذج دائم. قبل تشكل نوع من توازن القوى، على القوى العظمى أن تعمل على إمكانية تحقيق مثل ذلك التوازن. من غير الواضح شكل وعناصر ذلك التوازن في أوروبا، داخل الصين، وضد روسيا وفي الخليج الفارسي. بالتالي، هذه ليست استراتيجية توازن القوى التقليدية، بل هي استراتيجية فرضتها الأزمات الاقتصادية وآثارها النفسية وفرضتها أيضا الحروب التي استنفذت الموارد. لا يمكن تجاهل هذه المسائل، ولكنها لا تشكل أرضية مستقرة لبناء سياسة طويلة الأمد، سياسة طويلة الأمد ستحل محل تلك التي يعمل أوباما على تحديدها الآن.

الجمل: قسم الترجمة George Friedman-  ترجمة عاصم مظلوم 17/3/2012

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.