المُعـلَنُ والمَخفِـيُّ في اتفاق "أبراهام" - مركز الناطور للدراسات والأبحاث
Take a fresh look at your lifestyle.

المُعـلَنُ والمَخفِـيُّ في اتفاق “أبراهام”

سيعزز اتفاق "أبراهام" ميول إسرائيل والإمارات إلى التوسع والصدام، فيتعاونان على زعزعة استقرار المنطقة وتأجيج أزماتها

0 98

مكرم المسعدي *- 8/10/2020

جاء اتفاق “أبرهام” من منطلق وحدة التهديد أو التحدي المتمثل في دولة إيران، إضافةً إلى الفصائل الفلسطينية المُسَلَّحة التي يصنِّفها طرفا الاتفاق ضمن مُسَمَّى “جماعات إرهابية”، والتمدد التركي الذي يمثل رافِدًا وحليفًا لانتشار الإسلام السُّنِّي المعتدل الذي يُعَدُّ عَدُوًّا لهما. ومن منطلق وحدة التحدي يكون الاتفاق أو “التحالف” فرصة لتجسيد الأهداف المتقاربة.

ونظرًا لخصوصية البيئة العربية التي تَشَكَّل وعـيُها الجَمْعِيُّ على العداء العميق لإسرائيل باعتبارها كيانًا محتلًّا للأراضي الفلسطينية، فإنَّ إقناع الشركاء بسلامة الخيار يفترض الترويج لأهداف سامية من قبيل إحلال السلام في الشرق الأوسط، وإنقاذ الأراضي الفلسطينية من خطر الضم، وتحقيق السعادة للشعب العربي من خلال الرَّخاء المُزمَع تحقيقه من هذا الاتفاق.

من هذا المنطلق كان لاتفاق أبراهام بُعدان؛ أولهما مُعلَنٌ سعى طرفاه ورُعاته إلى الترويج له، والثاني خَفِيٌّ يعمل أطرافه على تحقيقه على المستوى القريب والمتوسط والاستراتيجي. وفي هذه الورقة، سنتطرَّقُ إلى نقاط التشابه والتمايُز بين اتفاق أبراهام ومعاهدات التطبيع السابقة، ثم إلى الأبعاد المُعلَنة للاتفاق، وفي مستوى ثالث سنتعرض للأبعاد المخفيَّة لاتفاق “أبراهام”والأهداف الاستراتيجية المشتركة للدول الموقّعة عليه.

1. التشابه والتمايُز بين اتفاق “أبراهام” ومعاهدات التطبيع السابقة

يمثل التطبيع أو إنهاء حالة الحرب(1) عودة إلى العلاقات الطبيعية بسياقاتها السياسية والاقتصادية والأمنية بين دولتين أو أكثر تتقارب أوزانها العسكرية والاقتصادية والديمغرافية، كما حدث بين ألمانيا وفرنسا بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، وبين اليابان والصين، وهذا ما ينتفي في حالة اتفاق أبراهام؛ فالحرب غير واقعة بين دولة الإمارات العربية المتحدة وإسرائيل، ولا بين مملكة البحرين وإسرائيل، كما أنَّ الدفاع عن القضية الفلسطينية ضَعُفَ في الإمارات إلى مستوى الزوال مع القادة الجُدد(2). أمَّا من حيث الوزن العسكري والسياسي والاقتصادي، فإنَّ الفرق شاسع في المؤشرات بين إسرائيل والإمارات والبحرين. وتَبَعًا لما تقدَّم، يمكن القول: إنَّ مصطلح التطبيع ليس دقيقًا في هذه الحالة، وما حصل هو اتفاق أمنيٌّ اقتصاديٌّ يخدم مصالح الطرفين بمستويات متفاوتة. فكيف يتنزَّل اتفاق أبراهام في سياق مبادرات التطبيع السابقة.

حصيلة مبادرات التطبيع السابقة

يُعَدُّ اتفاق “أبراهام” الاتفاق الثالث من نوعه بين إسرائيل والدول العربية منذ إعلان دولة إسرائيل عام 1948؛ حيث افتتحت مصر طريق التطبيع بتوقيع معاهدةالسلام مُنفَرِدَةً مع إسرائيل، عام 1979، دون ربط السلام بحل القضية الفلسطينية أساس الصراع مع الصهيونية. كما وقَّعت منظمة التحرير الفلسطينية اتفاق أوسلو مع إسرائيل، عام 1993، ووقَّع الأردن اتفاق سلام مع إسرائيل، عام 1994.

فقد قامت معاهدة التطبيع المصرية-الإسرائيلية على أساس “أن تنتهي حالة الحرب بين الطرفين ويُقام السلام بينهما”، وأن تقوم إسرائيل بسحب قواتها المسلحة كافَّةً من سيناء إلى ما وراء الحدود الدولية بين مصر وفلسطين تحت الانتداب، وبموجب هذه الاتفاقية تتمتع السفن الإسرائيلية والشحنات المتجهة من إسرائيل وإليها بحق المرور الحر في قناة السويس ومداخلها (3). كما تضمنت المعاهدة بين الطرفين ما يَـقـرُبُ من خمسين اتفاقية للتعاون في مجالات النقل الجوي والزراعة والمواصلات والتجارة والشرطة والثقافة والسياحة (4).

ولم يخفِّف التطبيع المصري-الإسرائيلي السلوك العدائي الإسرائيلي إِزاءَ العالم العربي، ولم يُحَسِّنْ من علاقاتها بالفلسطينيين، بل على العكس تمامًا، تعاملت مع السلام مع مصر على أنَّه عملية تحييد للقوة المصرية، ما من شأنه أن يُطلِقَ يدها أكثر في التعامل مع الأطراف العربية الأخرى. ومن هذا المُنطَلَقِ اتَّخذ التهديد الإسرائيلي بُعَيْدَ التطبيع، أبعادًا تصعيديَّةً تجلَّتْ في شمولية التهديد الإسرائيلي للعالم العربي؛ من خلال تعقُّب أي مصدر للقوة القائمة أو المتوقعة على امتداد العالم العربي كله، انطلاقًا من ضرب المفاعل النووي العراقي، في يونيو/حزيران 1981، إلى ضرب مقر قيادة منظمة التحرير الفلسطينية في تونس، في أكتوبر/تشرين الأول 1985. واتَّـسع نطاق التهديدات الإسرائيليَّة بِـشَـنِّ عملية عسكرية في كل من اليمن الشمالي والسودان، وخاضت إسرائيل وأنصارها حملات محمومة في الكونغرس الأميركي ضد بيع شحنات السلاح الأميركية للسعودية والأردن. كما سعت إسرائيل بعد تحييدها مصر وخروجها من دائرة الصراع المُسَلَّح ضدها إلى إحكام سيطرتها على منطقة القلب العربي، الذي تجلَّى في الإصرار على السيطرة على مرتفعات الجولان وإخضاعها لها وعلى الضفة الغربية وغزة بالاستمرار في الاستيطان، وغزو لبنان، في يونيو/حزيران 1982؛ ما أشعل الحرب العربية-الإسرائيلية الرابعة. فتمكنت إسرائيل من الحد بشدة من فعالية القوة العسكرية الفلسطينية غير النظامية التي انتهى بها المطاف إلى التركُّز في لبنان، وتثبيت الوجود الإسرائيلي في الجنوب اللبناني، وإحكام السيطرة على مياه الليطاني(5).

من جهة أخرى، تفرَّد هذا الاتفاق بسياق جديد، فإذا كان اتفاقا السلام السابقان إجباريَّيْن سعت إسرائيل من خلالهما إلى ضمان عدم الاعتداء، لأنَّ مصر والأردن دولتا طوق ترتبطان معها بموازين ديمغرافية وسياسية وجغرافية، وتحكمهما قواعد الصراع الممتد تاريخيًّا، فإنَّ هذا الاتفاق له أبعاد إستراتيجية ممتدة تمنح إسرائيل مجالًا جيوسياسيًّا واسعًا يُمَكِّـنُها من المناورة خارج مجالها وبأخف الأضرار والمخاطر.

لعبة الخفاء والعلن

لقد مرَّت العلاقات الإماراتية-الإسرائيلية بسياق منسجم مع البيئة العامَّة التي تتَّـسم بالمُعاداة العربية لإسرائيل المحتل للأراضي الفلسطينية. فكان التقارُبُ السري في البداية خدمة للمصالح الثنائية بينهما، لأن الجهر بها يضر هذا المسار، أما التخفي فيخدم استمرارية العلاقة انتظارًا لتوفر الظروف المناسبة لخروجها إلى العلن وزوال الموانع التي تقف أمامها.

علاقات ممتدة بين طرفَيْ الاتفاق

امتـدَّت العلاقات بين الإمارات وإسرائيل في شكلَيْها، السري والعلني، مدة عَقدَيْن من الزمن، واتَّخذت أبعادًا مختلفة، فشملت المجالات الأمنية والعسكرية والتجارية والاقتصادية. من ذلك أنَّ “هيئة المنشآت والمرافق الحيوية في أبوظبي” المسؤولة عن الأمن والسلامة، وقَّعت، عام 2008، عَقدًا مع شركة “آي جي تي إنترناشيونال (AGT International) السويسرية المملوكة لرجل الأعمال الإسرائيلي، ماتي كوتشا في، بقيمة 816 مليون دولار، لشراء معدات مراقبة للبنى التحتية الحيوية في الإمارات(6). كما زوَّدت الشركة المذكورة أبوظبي بثلاث طائرات مُسَيَّرة لتعزيز قدراتها الاستخباراتية والأمنية(7). واقتنت شرطة أبوظبي من الشركة نفسها نظام المراقبة الأمنية المركزي “عين الصقر (Falcon Eye)، الذي بدأ تشغيله في منتصف شهر يوليو/تموز 2016(8).كما زودت مجموعة “إن إس أو (NSO) الإسرائيلية الإمارات، في أغسطس/آب 2018، بتكنولوجيا متقدمة تُعتَمَدُ في قرصنة الهاتف الجوال والتجسس على العناصر المُناوِئَة لها.

أمَّا على المستوى العسكري، فقد اشتركت الإمارات مع إسرائيل في مناورات عسكرية مثل مناورات “العَلَم الأحمر (Red Flag)، وهي مناورات متقدمة على القتال الجوي، تُشرِفُ عليها القوات الجوية الأميركية(9)، وفي مارس/آذار 2017، وأبريل/نيسان 2019، شارك كُلٌّ من سلاح الجو الإماراتي وسلاح الجو الإسرائيلي في تدريبات عسكرية عُرفت باسم “إينيو هوس (Iniohos) في اليونان(10).

التدرُّج المُحتَـشِم في الكشف عن التقارُب

حافظت الإمارات العربية المتحدة على نهجها الرافض للعلاقات مع إسرائيل في عهد الشيخ زايد(11)؛ حيث ربطت مشاركتها في المؤتمرات التي تحضرها إسرائيل بحدوث تقدُّم على كل مسارات العلاقات العربية-الإسرائيلية بما فيها المساران، السوري واللبناني. فالقانون الإماراتي كان يجرِّم الاعتراف بالإسرائيلي على حساب الفلسطيني، وعَـدَّ مجاملة الإسرائيلي جريمةً يعاقَب مرتكبها بالسجن. إلا أنَّه بُعَيْدَ رحيل الشيخ زايد تتابعت زيارات الوفود الإسرائيلية إلى أبوظبي، وكانت أول زيارة علنية لمسؤول إسرائيلي إلى الإمارات العربية المتحدة من طرف عوزي لنداو (Uzi Landau) خلال مشاركته في مؤتمر وكالة الأمم المتحدة للطاقة المتجددة في عام 2010.

كما تواترت المعلومات التي تدور في الأوساط السياسية وتشير إلى أنَّ هناك تقارُبًا وعلاقات إماراتية-إسرائيلية غير مؤكَّدة حتى أواخر يوليو/تموز 2017، حين كشفت جريدة هآرتس الإسرائيلية عن لقاء سري جرى بين رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، ووزير الخارجية الإماراتي، الشيخ عبد الله بن زايد، في نيويورك، في 28 سبتمبر/أيلول 2012(12). وقد مثَّل مؤتمر وارسو محطة مهمة في مسار هذا الاتفاق؛ حيث تضمن خطة هدفها الأساسي تطبيع العلاقات العبرية على أوسع نطاق مع الدول العربية. ولم تكن مواجهة الخطر الإيراني وحشد القوى المضادة لها سوى الطُّعم الذي يضمن مشاركة الدول العربية في هذا المؤتمر، فـتمَّ الإعلان الرسمي عن إطلاق “صفقة القرن”. وقد كشف هذا الاتفاق التحول في جدلية التستُّر والاحتشام والعلن التي كانت تحكم شكل العلاقات بين الدول المُطَبِّعَة وإسرائيل؛ حيث يقتصر الأمر على التواصل داخل غرف مغلقة(13).

2. الأبعاد المُعـلَـنة لاتفاق “أبراهام”

تتعدد الأبعاد المعلنة لاتفاق أبراهام والتي سعى المُوقّعون عليه إلى التسويق لها باعتبارها خادمة للأبعاد الإنسانية (السلام) والقومية (إنقاذ الأراضي المحتلة من الضم) والوطنية (الازدهار والسعادة).

تأجيل خُطَّة الضَّم الإسرائيلية لأراض فلسطينية

كشفت بنود البيان الرسمي لِـ”اتفاق أبراهام” أنَّ النقطة الجوهرية ترتبط بتعليق إعلان ضم الأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية، وقد عَدَّهُ بعض المُرَوِّجينَ للاتفاق وقفًا للضم الإسرائيلي الفوري لمناطق الضفة الغربية التي احتلتها إسرائيل في حرب 1967(14)، إلَّا أنَّ رئيس الوزراء الإسرائيلي وضَّح في بيان عقب الإعلان عن هذا الاتفاق أنَّ المقصود هو تعليق الضم وليس وقفه نهائيًّا. كما أكَّد نتنياهو أنَّه لا يزال مُلتزِمًا بقرار الضم، وأن ذلك سيُستأنف في وقت لاحق. وقد غاب عن الاتفاق التطرُّق للقضايا الخلافية بين فلسطين وإسرائيل، أو ما يُعرَفُ بقضايا الحل النهائي المتمثلة أساسًا في القدس وحق العودة وقضية المستوطنات. ولم يتطرق الاتفاق النهائي الموقَّع في البيت الأبيض بين البلدين إلى أية التزامات إسرائيلية لتسوية القضية الفلسطينية حسب المرجعيات العربية أو الدولية، ولم يتطرق أيضًا لقضية تعليق ضم إسرائيل لمناطق من الضفة الغربية. وكانت المرجعية المذكورة في الاتفاق هي إعلان ترامب لصفقة القرن، في 28 يناير/كانون الثاني في 2020.

من جهتهم، حاول الإماراتيون التسويق للاتفاق على أنَّه يهدف لإنقاذ فلسطين من الضم، والحقيقة أن تعليق هذه الخطة دعت إليه أسباب إسرائيلية داخلية. أما السلطة الفلسطينية، فقد أعلنت رفضها الصريح للاتفاق واستدعت على الفور سفيرها في دولة الإمارات، وعَدَّت ذلك “خيانة للقضية”(15)، وطعنة لمبادرة السلام العربية والقمتين، العربية والإسلامية، بل ذهبت إلى وصفه بالاعتداء على الفلسطينيين. كما لاقى الاتفاق رفضًا من قبل حركة حماس، لاسيَّما أن الطرفين المُوَقَّعين عليه يَعتبرانها منظمة إرهابية.

دعم السلام في الشرق الأوسط

تبدو الاتفاقية في ظاهرها خادمة للقضية الفلسطينية، باعتبار فلسطين طرفًا في الصراع الممتد في الشرق الأوسط؛ كما تبدو داعمة لمساعي السلام الإقليمي. وقد لاقت ترحيبًا من الأمين العام لمنظمة الأمم المتحدة، الذي عَدَّها خطوة تاريخية تُسهِمُ في تعزيز السلام والأمن في الشرق الأوسط، فيما اعتبرتها كُلٌّ من بريطانيا وفرنسا دفعة ضرورية لتحقيق السلام على ألَّا يستمرَّ ضَمُّ الأراضي في الضفة الغربية.

إلَّا أنَّ الاتفاقية في باطنها تعميق للصراع الذي سينفجر تهديدًا لأمن المنطقة برمتها. فالفصائل الفلسطينية التي كانت تأمل في دعم الموقف العربي لقضيتها في مواجهة الاحتلال والتمسك بالمبادرة العربية كحد أدنى للسلام، ستجد نفسها مُجبَرَةً على المقاومة بمختلف أشكالها وتكثيف العمل الميداني ضد السياسات الإسرائيلية.

من جهة أخرى، رأت تركيا في الاتفاق خيانة لحقوق الشعب الفلسطيني، وأعلنت عن إمكانية إغلاق سفارتها في أبوظبي وتعليق العلاقات الدبلوماسية مع الإمارات. كما عَدَّت إيران الاتفاقية سببًا يمكن أن يُعرِّض الأمن القومي الإيراني والخليجي عمومًا للخطر، وحمَّلت الإمارات المسؤولية عن توتير العلاقات في الشرق الأوسط. وعلى هذا الأساس، فإنَّ الأهداف التي جرى تسويقها للاتفاق، والمتمثلة في خدمة القضية الفلسطينية وتعزيز السلام في منطقة الشرق الأوسط غير واقعية، بل يمكن أن يُنتج الاتفاق توترات متزايدة من شأنها أن تُـؤَزِّمَ الوضع الأمني الإقليمي.

تدشين مرحلة جديدة للسلام بين العرب وإسرائيل

إذا كانت إسرائيل تهدف من خلال المعاهدات السابقة للتطبيع مع مصر والأردن والسلطة الفلسطينية إلى تحييد الدول العربية الواحدة تلو الأخرى لاسيَّما دول الطوق، وإرباك المشهد العربي من خلال إضعاف الجبهة العربية المقاطِعة لإسرائيل، فإنَّ هذا الاتفاق يمثل مرحلة متقدمة في السياق ذاته. فهو يهدف إلى إجهاض مبادرة السلام العربية التي وضعت الانسحاب الإسرائيلي الكامل من الأراضي المحتلة، عام 1967، حسب القرار 242 لمجلس الأمن الدولي، والتسوية العادلة لمشكلة اللاجئين الفلسطينيين، شرطًا للتطبيع مع إسرائيل. فقد ظلت تلك المبادرة، على علَّاتها، حاجزًا ضد التطبيع حتى وقع الإعلان عن اتفاق أبراهام. لقد أزاحت الإمارات والبحرين هذا الشرط من مسار تطبيع العلاقات العربية-الإسرائيلية، وفي ذلك قبول لتجريد الفلسطينيين من حقوقهم التاريخية وإضعاف للموقف العربي والأممي الداعم للقضية الفلسطينية.

التعاون الاقتصادي والتجاري والسياحي

يهدف الاتفاق على المستوى المصرفي إلى فتح الآفاق أمام المؤسسات المصرفية للبلدين، وذلك بفتح خزائن الخليج أمام البنوك الإسرائيلية التي سارعت إلى إبرام اتفاقيات مع البنوك الإماراتية للدخول في شراكات ومشروعات مشتركة. فقد وقَّع “بنك لئومي” الإسرائيلي مُذَكِّرَتَيْ تفاهُمٍ مع كُلٍّ من “بنك أبوظبي الأول” و”بنك الإمارات دبي الوطني” الأكبر في الإمارات. كما وقَّع “بنك هبو عليم” أكبر كيان مصرفي في إسرائيل مُذَكِّرَةَ تفاهُمٍ مع “بنك الإمارات دبي الوطني”.

أمَّا في مجال النقل البحري، فقد أعلنت شركة “موانئ دبي العالمية” الإماراتية وشركة “دوفر تاور” الإسرائيلية عن عقدهما شراكات في أنشطة الشحن والموانئ، ومن ضمنها المشاركة بعرض مشترك بينهما في خصخصة ميناء حيفا. كما تخطط إسرائيل إلى تجاوز قناة السويس فيما يتعلق بنقل النفط الخليجي والأنشطة التجارية، بما يهدد بشكل واضح الممر الملاحي الأكبر في العالم.

من جهة أخرى، فتح “اتفاق أبراهام” فرص الاستثمار السياحي؛ إذ وقَّعت شركة الطيران الإسرائيلية الخاصة “إسرا إير” اتفاقات مع شركات سياحة إماراتية لتشجيع السياحة مع الإمارات من خلال تنظيم حملات تسويقية للسياحة في البلدين. ويُتوقع توجه مليون إسرائيلي إلى الإمارات للسياحة خلال العامَيْن المُقـبِلَيْن.

التعاون التقني والبحث العلمي وأبحاث الفضاء

تسعى الشركات الإماراتية المتخصصة في الذكاء الاصطناعي إلى الاستفادة من الخبرات الإسرائيلية ذات الريادة في المجال نفسه، على غرار مجموعة 42 (Groupe 42) الإماراتية التي تعتزم فتح مكتب وتخطط للاهتمام بالحلول المتعلقة بكوفيد 19، وتكنولوجيا الذكاء الاصطناعي، والحلول التكنولوجية في مجالات الزراعة والمياه والطاقة المتجددة.

وقد تمَّ توقيع شراكة تجارية إستراتيجية بين مؤسسة “أبكيس الوطنية للاستثمار” الإماراتية المتخصصة في الاستثمار في المجالات العلمية ومجموعة “تيرا” الإسرائيلية التي تنتمي إلى معهد وايزمان للعلوم في إسرائيل، بهدف تطوير الأبحاث والدراسات الخاصة بفيروس كوفيد 19 المستجد. ويشكِّل قطاع التكنولوجيا المتطورة أحد أهم القطاعات التصديرية في إسرائيل بنسبة 40%، فهي “أمة الشركات الناشئة”، في حين تُعَدُّ شريكتها في اتفاق أبراهام (الإمارات) أحد أبرز الدول العربية المُستقطِبَة لهذه الشركات؛ لِـما توفره لهما من بيئة حاضنة. 

من جهة أخرى، يمنح الاتفاق شركات الصناعة العسكرية الإسرائيلية الرائدة في إنتاج منظومات الأسلحة ومنظومات الدفاع الجوي وتقنيات الفضاء وشركات الحماية السيبرانية والتجسس، فرصة الاندماج في السوق الإماراتية، رغم أنَّ هذه الشَّراكات قديمة بين الطرفين وكانت تتطلب السرية وحلقات الطرف الثالث.

3. الأبعاد المخفية والأهداف الاستراتيجية المشتركة لاتفاق “أبراهام”

للمُعلن من أهداف اتفاق أبراهام أوجه مخفيَّة تسعى أطرافه إلى تحقيقها على المستوى الاستراتيجي، بما يضمن مصالحها المشتركة، سوف نسعى في تحليلنا إلى تبيُّنها، ثم نتعرض إلى الآليات المعتمدة لتجسيم هذه الأهداف.

أولًا: الأهداف الاستراتيجية المشتركة

خنق المجال الحيوي الإيراني

لا يُعَدُّ العداء الإسرائيلي والإماراتي لإيران سِرًّا أو موضوعًا جديدًا، ذلك لأنَّ كلا البلدين عملا معًا مدة طويلة في الخفاء لمنع الهيمنة الإيرانية على الخليج والشرق الأوسط عمومًا. ومنذ بداية علاقتهما غير الرسمية قبل عقود، تبادل الطرفان المعلومات الاستخباراتية والعلاقات العسكرية، كما عملا على تحسين استعدادهما لمواجهة التهديدات الإيرانية في جميع المجالات. وقد دفع انسحاب القوات الأميركية من أجزاء من منطقة الشرق الأوسط والعالم بأسره البلدين إلى تنمية العلاقات بينهما تحسُّبًا لضعف الدعم المباشر من الولايات المتحدة (16).

وتشهد العلاقات بين الإمارات العربية المتحدة وإسرائيل بالعداء لإيران(17)، وينبع هذه العداء جزئيًّا من المواقف الإقليمية لهذين البلدين؛ إذ تنظر إيران والإمارات إلى بعضهما البعض على أنهما متنافسان على قيادة المنطقة، وتتجلَّى خلافاتهما في وجهات النظر المتعارضة حول العديد من القضايا الإقليمية. ومن جهة أخرى، ترى إسرائيل في النظام الإيراني “الشر المطلق” والتهديد الوجودي الوشيك لها.

ولكن، على عكس إسرائيل، تفتقر الإمارات إلى القوة العسكرية والقدرات الدفاعية الفعَّالة، كما أنَّها ليست واثقة تمامًا من المساعدات الأميركية في حالة المواجهة العسكرية مع إيران، وهذا ما تجلَّى في أعقاب هجوم الحوثيين على منشآت أرامكو في المملكة العربية السعودية؛ إذ بَدَت الإمارات مُندهِـشَةً من عدم وجود دعم ذي مغزى وإجراءات عملية من الإدارة الأميركية؛ وهو ما دفع العديد إلى التساؤل حول مصداقية الولايات المتحدة في أوقات الصراع والأزمات. لكن، في المقابل، تَثِقُ إسرائيل جيدًا في الدعم العسكري الأميركي. ومن هذا المنطلق، يكون الاتفاق مُستهدِفًا البحث عن الحليف الموثُوق في مواجهة الخطر الإيراني.

مواجهة النفوذ التركي/القطري في ليبيا

تسعى الإمارات إلى مواجهة النفوذ التركي والقطري في ليبيا من خلال دعم المُشير، خليفة حفتر، الذي يثير حفيظة الخارجية الأميركية، خاصَّةً بعد نقل طائرته الخاصة شحنة ذهب تابعة لرئيس فنزويلا، مادورو، إلى الإمارات. وقد وفَّر ذلك للأخير إيرادات مالية ضخمة ساعدته على الوقوف في وجه التدخُّل الأميركي في بلاده. ومن شأن هذا الاتفاق أن يعطي حصانة للإمارات التي تواجه انتقادات من بعض الأوساط الأميركية لمساندتها الخيار العسكري في ليبيا، وتورُّطها المُفتَرَض في جريمة الإغارة على الأكاديمية العسكرية بطرابلس، في 4 يناير/كانون الثاني 2020، التي أسفرت عن مقتل العشرات من المُتَدربين.

فهذا الصراع بين الإمارات من جهة، وبين تركيا وقطر من جهة أخرى، تميل فيه الكفة ميدانيًّا إلى الشِّـقِّ الثاني المُسانِدِ للحكومة الشرعية في طرابلس خاصة بعد توقيع اتفاقيتي الحدود البحرية والتعاون العسكري بين أنقرة وحكومة الوفاق الوطني الليبية. وقد أثبتت النتائج الميدانية اندحار اللواء المتقاعد، خليفة حفتر، وتكبُّدَهُ خسائر كبيرة على مستوى العتاد والمقاتلين. وأمام هذا الفشل الإماراتي في القضاء على الحكومة الشرعية وحلفائها الإسلاميين المعتدلين في ليبيا، وعدم قدرتها على ترسيخ حكم عسكري يُمكِّنها من التحكُّم في الثروات النفطية الليبية، تأتي الاستعانة بالقدرات الاستخباراتيَّة وعناصر الدعم الدوليَّة لإسرائيل من أجل السماح لحفتر باستقبال شحنات الأسلحة المحظورة بموجب قرارات منظمة الأمم المتحدة كخطوة حاسمة لقلب موازين المواجهة ميدانيًّا.

محاصرة القوة الصاعدة التركية وحصر تمددها

منذ بداية الألفية، بدأ الإماراتيون يشعرون بخطر التمدُّد التركي في العالم العربي، وبأنَّه يُضاهي الخطر الإيراني على المنطقة. ويمكن تفسير هذا التخوُّف من التمدد التركي خاصة، بكون تمدُّد النظام الطائفي الإيراني في كل من سوريا ولبنان والعراق واليمن يمكن كَبْحُهُ بالقوة السُّنِّية داخل هذه الدول إذا توافرت المعادلات الضرورية لذلك. لكنَّ التحالفات القويَّة والعلاقات الاستراتيجية التي باتت تركيا تنسجها في العالم العربي على غرار علاقاتها مع قطر والكويت وليبيا والجزائر وتونس تتَّسم بالسهولة وغياب العقبات، بل إنها تُقابَل بالترحاب(18).

وإذا كانت الإمارات تعتبر التنافس الخفي بين تركيا وإيران في المنطقة العربية خطرًا مزدوجًا يتمثل في قوتين متشابهتين ذواتي ماض إمبراطوري توسعي، إلا أن ما يزيد من مخاوفها من الصعود التركي هو الاهتمام الأميركي بالخطر الإيراني وسعي الولايات المتحدة لاحتوائه، مقابل إغفال شبه تام للتمدد التركي. لهذا، تسعى الإمارات من خلال العمل على توتير العلاقات الإسرائيلية التركية (19) خدمة لأجندتها الإقليمية في مناهضة تمدد تركيا ومحاولة عزلها سواء في منطقة الخليج أو خارجها.  الاقتراب الاستراتيجي من الجزائر وتونس

تلتقي الأهداف الإسرائيلية-الإماراتية على الساحة التونسية التي طالما ساندت القضية الفلسطينية منذ ولادة الاحتلال الإسرائيلي وناصرت القضية في كل تفاصيلها. ويمكن الإشارة هنا إلى تأكيد الرئيس التونسي، قيس سعيد، أنَّ التطبيع “خِيانة عُظمى”. وتماشيًا مع العداء الإسرائيلي لتونس، تحاول الإمارات استغلال المناكفات التاريخية بين الإسلاميين والقوميين من أجل إجهاض المسار الثوري التونسي؛ إذ شكَّلت تونس ساحة مفتوحة للصراع الإماراتي مع الديمقراطية والإسلاميين المعتدلين، فرحَّبت أبوظبي من خلال وسائل إعلامها بالاحتجاجات المُناهِضَة لحركة النهضة، خلال العام 2013، وناصرت حزب نداء تونس المنافس لحركة النهضة في الانتخابات الرئاسية، عام 2014. وحاولت اصطناع الأزمات على غرار ما قامت به من إجراءات تتعارض مع الأعراف الدبلوماسية بمنع التونسيات من دخول الإمارات.

تعتبر العلاقات الجزائرية-الإماراتية المتميزة والشراكات الثنائية على المستوى الاقتصادي من الفرص الجيدة التي يمكن أن تجعل الإسرائيليين يقتربون من البيت الجزائري الذي ظل محل متابعة من أجهزة المخابرات الإسرائيلية التي تسعى جاهدة إلى فكِّ “شفرته” من أجل صياغة الخطط الناجعة لاختراقه؛ فقد ظلَّ الجزائريون، على حدِّ تعبير المُحلِّل العسكري الاستراتيجي للموساد، عامير هرئيل، “من أكثر الشعوب العربية كُرْهًا لإسرائيل، فلديهم الاستعداد للتحالف مع الشيطان في وجه الكيان. وهي كراهية عجزنا عن إزالتها طيلة العقود الماضية”. ويضيف: “كما أنَّنا فشلنا في القضاء على هؤلاء الأعداء الذين لم ندَّخر جهدًا من أجل دحرهم أو القضاء عليهم، صمتهم مُرعِب ومُخِيف.. الجزائر عدو للأبد…الهواري بومدين الذي هزم إسرائيل… وكانت نكستنا على يد جيشها الذي حلَّقَ بطائراته على تل أبيب في الوقت الذي لم يتجرَّأ أحد على فعل ذلك”(20). وفي السياق نفسه، يرى الجنرال المتقاعد، عاموس يدلن، رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية السابق ورئيس معهد أبحاث الأمن القومي الإسرائيلي الحالي، أنَّ إسرائيل لها مصالح استراتيجية في تقويض الجيوش العربية التي تشكِّل تهديدًا لإسرائيل أو خاضت حروبًا معها على غرار الجيش الشعبي الجزائري(21).

فرض الرِّيادة الإماراتية وضمان التفوق الاستراتيجي الإسرائيلي

تطمح الإمارات إلى لعب دور قيادي في المنطقة بدلًا من المملكة العربية السعودية، وهذا يمثل أحد أهداف التطبيع الذي أقدمت عليه. فالطُّموح الإماراتي لقيادة المنطقة اصطدم بالأسلوب الأميركي التقليدي الذي يعتمد بشكل أساسي على اللاعبين الإقليميين الكبار مثل السعودية، لذلك اختارت أبو ظبي القفز نحو العلاقة الرسمية مع إسرائيل لتجاوز هذه العقبة. وقد اهتزَّت الصورة التي حاولت المملكة العربية السعودية رسمها لنفسها كقائد للعالم العربي خلال العهدة الثانية من إدارة أوباما، من خلال سلسلة التحركات السياسية الخارجية المُنفرِدَة بعد الربيع العربي. بل ثبت عدم قدرتها على لعب دور القيادة، وهذا ما منح الإمارات فرصة ملء الفراغ في القيادة الإقليمية العربية. ولعل تدخلاتها في كل من سوريا واليمن ومصر وليبيا إضافة إلى انخراطها الفاعل والمتشدد في حصار جارتها قطر خير دليل على ذلك.

ثانيًا: آليات التنفيذ

تتمثَّل آليات تجسيم الأهداف الاستراتيجية المشتركة في تركيز القواعد العسكرية، والتحالف في العمليات العسكرية، والدعم اللوجستي والاستخباراتي.

تركيز قاعدة تجسس ومراقبة إسرائيلية/إماراتية في جزيرة سقطرى اليمنية

تعتزم كل من الإمارات وإسرائيل إنشاء قاعدة تجسس ومراقبة في جزيرة سقطرى الإماراتية شرقي اليمن. وفي هذا الإطار، قام ضباط استخبارات إماراتيون وإسرائيليون بزيارة ميدانية للجزيرة من أجل فحص المواقع المناسبة لإنشاء المرافق الاستخباراتية. وتؤكد التقارير المنشورة على موقع منظمة “جاي فوروم” (Jforum) الإعلامية اليهودية أنَّ الإمارات وإسرائيل قامتا بنشر معدات تجسس في الجزيرة التي تبعد ما يقرُبُ من 350 كلم عن البر اليمني الرئيس(22). وهذا من شأنه أن يساعد الإمارات في حربها ضد التمدُّد الإيراني المتمثل ميدانيًّا في “ميليشيات الحوثي”، وذلك بالاستعانة بالقدرات التجسُّسية الإسرائيلية مع إمكانية التسلُّح من الولايات المتحدة الأميركية وحلفاء إسرائيل في الاتحاد الأوروبي. غير أن بعض الدول الأوروبية بدأت تطالب بوقف تسليح الإمارات بسبب الانتهاكات التي ترتَكبها قواتها والقوات التي تدعمها ضِدَّ المدنيين العُزَّل في اليمن.

من هذا المُنطَلَق، إذا كان الاتفاق في ظاهره يبشِّر بالسلام في منطقة الخليج، فإنَّ باطنه يُنبِئُ بعكس ذلك؛ لأنَّه سيزوِّد أحد أطراف النزاع بالإمكانيات اللوجستية والتسليحية والمخابراتية التي تُعَمِّقُ الصراع وتُطيل في أَمَدِه، كما يمكن أن يؤدي سعي كل من إسرائيل والإمارات من خلال هذه القاعدة إلى التجسُّس على عدوهما المشترك الإيراني إلى رفع درجة التوتر في الإقليم.

تسليح حفتر

يمثل مجال الدفاع والتكنولوجيا أهم محاور التطبيع الإماراتي/الإسرائيلي، وهذا المجال يمثل نقطة الضعف التي عانت منها الإمارات على الساحة الليبية؛ حيث بيَّنت النتائج الميدانية بعد دحر قوات حفتر من حدود طرابلس وقاعدة الوطية العسكرية حاجة الإماراتيين الماسَّة إلى ثلاث مسائل لا يمكن لغير إسرائيل تحقيقها: أولاها: الطائرات دون طيار ووسائل الاتصال التي تعرف أبوظبي أنَّ الشركات الإسرائيلية تملك أدقها وأكثرها فعالية، وذلك من أجل مُقارَعَةِ الطائرات التركية المُسَيَّرة، التي كان لها الأثر الأكبر في تغيير موازين القوى في معركة طرابلس وفي المشهد العسكري الليبي بصورة عامة. وثانيها: إسناد حليفها، حفتر، من أجل تعويض النقص الذي تشكوه وحداته في وسائل الاتصال من أجل إدارة معركتَي الهلال النفطي وسرت القادمتين، بما يضمن ترجيح كـفَّة حفتر فيهما .وثالثها: الحصول على الأسلحة من الولايات المتحدة دون الحاجة إلى تجاوز قرارات أممية تمنع توريد السلاح إلى ليبيا، وهذا ما يمكن تحقيقه من خلال توفير إسرائيل لغطاء لهذه العملية.

الاستفادة الثنائية من القاعدة العسكرية الإماراتية في أرض الصومال

تمثل منطقة القرن الإفريقي، نظرًا لأهميتها الاستراتيجية، ولاسيما الصومال الذي يقع في قلب الأحداث الإقليمية، ولما يمثله من عمق استراتيجي للأمن القومي العربي، وقربه من منطقة الخليج، وإطلاله على البحر الأحمر ومضيق باب المندب، أهم الممرات المائية في المنطقة التي تعتبر موضوعًا ساخنًا للتنافس بين عدة قوى إقليمية، أبرزها تركيا ومصر والإمارات.

ومن أجل تحقيق أهداف جيوسياسية وجيواقتصادية في سياق هذا التنافس الإقليمي، سعت الإمارات إلى التركُّز في الصومال من خلال إبرامها اتفاقيات مع إقليم بونتلاند وأرض الصومال الانفصاليَّيْن غير المعترف بهما دوليًّا، وهو ما يسمح لها بالسيطرة على الموانئ والوجود العسكري هناك، فقد أبرمت الإمارات وحكومة إقليم أرض الصومال اتفاقًا ثنائيًّا لاستغلال ميناء بربرة دون موافقة حكومة الصومال الفيدرالية المعترف بها دوليًّا. واحتجاجًا على هذا الاتفاق، تقدمت الحكومة الصومالية في مقديشيو بشكوى للأمم المتحدة. ولا شك في أن تطوير الوجود الإماراتي في القرن الإفريقي يساعد أبوظبي على التحكُّم في التدفق التجاري عبر مضيق باب المندب الاستراتيجي؛ حيث تسعى أيضًا إلى تأسيس وجود عسكري لبناء مجال نفوذ إقليمي قوي(23).

وتسعى الإمارات، من خلال تقوية الأقاليم الانفصالية، إلى إضعاف الحكومة الفيدرالية التي لم تستجب للتوجُّه السعودي/الإماراتي في فرض الحصار على قطر، بل كانت أقرب إلى الحلف القطري/التركي. ويمكن أن توفر الإمارات سبيلًا مُيَـسَّـرة لإسرائيل للاستثمار والتركُّز في الأراضي الصومالية ولاسيَّما في ظل التنسيق والتحالف العسكري بين البلدين. من جهة أخرى، تعمل الإمارات جاهِدَةً على محاصرة التمدُّد الاستراتيجي التركي في الصومال، والذي يتجلَّى أساسًا في مشاريع البنية التحتية الضخمة والمستشفيات إضافةً إلى القاعدة التركية العسكرية في مقديشيو التي سمحت للنفوذ التركي بأن يجد موطئ قدم في القرن الإفريقي.

خاتمة

لم تكن فكرة الاتفاق وليدة التحوُّلات الراهنة في منطقة الخليج، إنَّما هي تجسيد لطرح قديم برز قُـبَيْل ثلاثة عقود من الزمن. فقد نشأ في شكل مشروع أميركي على إثر تحرير الكويت تكون إسرائيل بمقتضاه سندًا إقليميًّا لدول الخليج العربية بدلًا من إسناد هذا الدور لسوريا أو مصر. ويأتي تحقيق هذا الهدف بعد ثلاثة عقود مع توافر ما بدا أنه ظروف ملائمة وتشكُّل قواعد إقليمية جديدة فرضتها تحديات متواترة أتاحت فرصًا حاولت أطراف الاتفاق استغلالها. كما أنَّ الصراع العربي-الإسرائيلي لم يعد القضية الرئيسة التي تُهِمُّ مختلف القوى الإقليمية، بسبب مناخ الصراع العربي-العربي في عدد من الساحات (سوريا، واليمن، وليبيا، والعراق)، وقد جاء اتفاق أبراهام ليجَسِّدَ هذا التحول (24).

وإذا ما أخذنا بعين الاعتبار الخطط الاستراتيجية لإسرائيل، فإنَّ هذا الاتفاق لا يمثل سوى محطة في مسار توسُّع متكامل تطلَّبَ إنجازه عقودًا من الزمن؛ إذ انطلق مع معاهدة التطبيع الأولى، سنة 1978، مع مصر، ثم بعد سِتٍّ وعشرين سنة مع الأردن، وبعد سِتٍّ وعشرين سنة أخرى مع الإمارات التي اتَّخذت حُجَّةً لذلك إنقاذ الأراضي الفلسطينية من الضم. إلَّا أنَّها بذلك أسهمت في إضعاف القضية بسحب البساط من المبادرة العربية للسلام، وإخراج القضية الفلسطينية من معادلة السلام في الشرق الأوسط.

كما أنَّ انضمام البحرين لم يكن سوى رسالة للمترددين من بقية الدول العربية؛ بأنَّ الإمارات ليست الوحيدة التي تسير في هذا المضمار، وأنَّ البحرين لم يكن لها أن تُـقْدِمَ على هذه الخطوة لولا نَيْلها الضوء الأخضر من المملكة العربية السعودية. ولا ينبغي الاستغراب من الصمت تجاه الاتفاق الذي يُجهِضُ مبادرتها للسلام في الشرق الأوسط، عام 2002؛ فالقيادة الفعلية للسعودية في يد ولي العهد، محمد بن سلمان، الذي أَقَـرَّ في لقاء له بزعماء منظمات يمينية يهودية أميركية، عُقِدَ في نيويورك بتاريخ 27 مارس/آذار 2018، بوجوب “أن يأخذ الفلسطينيون المقترحات ويوافقوا على القدوم إلى طاولة المفاوضات، أو الصمت والتوقف عن الشكوى”، وفي ذلك إِقرارٌ ضِمنِيٌّ بأنَّ استمرار الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين لم يَعُدْ عقبة ضد التطبيع(25).

ما ينبغي الانتباه إليه مع ذلك، أن هذا الاتفاق، رغم الحملة الترويجية الضخمة التي رافقته، سيُوَلِّد واقعًا مناقضًا لأهدافه المعلنة؛ فقد شحن الشارع العربي بشعور عام بالصدمة، ووفَّر للفصائل الفلسطينية المُسَلَّحة حُجَّةً إضافية للتمسك بخيار المقاومة، وخلق بيئة تصادُمِيَّة في منطقة الخليج بدخول فاعل هجين يُراهِنُ على تدمير البيت الخليجي من أجل التمكُّن من المزايا الجيوسياسية التي توفرها، إضافة إلى الاقتراب من إيران. وهذه كلها عوامل توتير ستضع المنطقة على صفيح ساخن بدلًا من تحقيق السلام. أما على الساحة الليبية، ورغم التقدم الحاصل في سياق المفاوضات السياسية بين الفُرقاء، إلا أن هذا الاتفاق قد يهدد بتفجير الصراع مجددًا وفق قواعد اشتباك جديدة. يُضاف إلى كل ذلك زيادة التوتُّر في دول الساحل والصحراء التي تريد إسرائيل وضع مَوطِئ قدم فيها من أجل تحقيق الاقتراب البعيد من الجزائر وتونس. فهل يهدد السلام مَنْ يدعي تحقيق السلام؟

*مكرم المسعدي باحث في الشؤون الاستراتيجية والأمنية.

 *عن مركز الجزيرة للدراسات

مراجع

(1)      Urano Tatsuo, Senkaku Shoto, Ryukyu, Chugoku: Nitchu kankei shi [Senkaku Islands, Ryukyu, China: History of Sino-Japanese Relations] (Tokyo: Sanwa Shoseki, 2005), 235-242.

(2) محمد صالح المسفر، العلاقات الخليجية-الخليجية: معضلة الفراغ الاستراتيجي والتجزئة (1971-2018)، مركز الجزيرة للدراسات، ص 241، 2018.

(3) جمهورية مصر العربية، وزارة الخارجية، “تطبيع العلاقات بين جمهورية مصر العربية ودولة إسرائيل”، (القاهرة، 1983)، ص 7-16.

(4) أسامة الغزالي حرب، الأعوام العشرة الأولى للعلاقات المصرية الإسرائيلية: التحليل والتقويم، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، المجلد1 (1)، 1990.

(5) همام سرحان، “بعد ربع قرن.. جدل في مصر حول كامب ديفيد”، swissinfo.ch، 24 سبتمبر/أيلول 2006:   t.ly/HD11

 (6) NissarHoath, “AGT Wins Two Government Security Contracts,” Emirates 24/7, 2/3/2008, accessed on 13/6/2020, at:

 https://bit.ly/2UG5C5z.

 (7) Uri Blau & Avi Scharf, “Mysterious Israeli Businessman Behind Mega-deal to Supply Spy Planes to UAE,” Haaretz, 21/8/2019, accessed on 14/6/2020, at:

 https://bit.ly/3e0AdCH.

(8) “أبو ظبي تطلق نظام ’عين الصقر‘ الأمني لمراقبة المدينة”، الشرق الأوسط، 14 يوليو/تموز 2016، شوهد في 14 يونيو/حزيران 2020، في: https://bit.ly/2C600vc؛ “’مركز التحكم‘ يطلق ’عين الصقر‘ في أبو ظبي”، الإمارات اليوم، 14 يوليو/تموز 2016، شوهد في 16 يونيو/حزيران 2020، في: https://bit.ly/2C5ovsg

(9) Emily Chilson, “Israeli Allies Fly with U.S. Forces at Red Flag,” U.S. Air Force, 22/7/2009, accessed on 19/6/2020, at:

https://bit.ly/3daKsD3

 (10) Gili Cohen, “Israeli Air Force Holds Joint Exercise with United Arab Emirates, U.S. and Italy,” Haaretz, 29/3/2017, accessed on 14/6/2020, at: https://bit.ly/30G4m6g; Anna Ahronheim, “Israel Air Force in Greece as Part of Iniohos 2019,” Jerusalem Post, 8/4/2019, accessed on 14/6/2020, at: https://bit.ly/3fl7JDL.

(11) المسفر، محمد صالح، العلاقات الخليجية-الخليجية: معضلة الفراغ الاستراتيجي والتجزئة (1971-2018)، 2018، ص243-244.

(12) هآرتس: لقاء سري لوزير خارجية الإمارات ونتنياهو، الجزيرة نت، 21 يونيو/تموز2017، (تاريخ الدخول: 14 يونيو/حزيران 2020): 

shorturl.at/ktuwU

(13) حرب، أسامة الغزالي، الأعوام العشرة الأولى للعلاقات المصرية الإسرائيلية، التحليل والتقويم، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، المجلد 1 (1)، 1990.

 (14)  Robert Barron, “What Do Normalized Israel-UAE Relations Mean for the Region?”, United States Institute of Peace,2020.

https://www.usip.org/publications/2020/08/what-do-normalized-israel-uae-relations-mean-region

)accessed on 14/6/2020(

(15) Tamara Cofman Wittes, Around-the-halls: Experts analyze the normalization of Israel-UAE ties, Brookings center 2020

https://www.brookings.edu/blog/order-from-chaos/2020/08/13/around-the-h

)accessed on 14/6/2020(

(16)Danny (Dennis) Citrinowicz, Israel and the UAE on Iran: Shared Foe, Different Perspectives, Fikra Forum, 01/09/2020.

https://www.washingtoninstitute.org/fikraforum/view/israel-uae-iran-sha

)accessed on 14/6/2020(

 (17) Jon B. Alterman, The Normanlization of UAE – Israel Relations, Center For Strategic & International Studies, 2020.

https://www.csis.org/analysis/normalization-uae-israel-relations

)accessed on 14/6/2020(

  (18)Karman Bokhari, The United Arab Emarates, Israel and the strategic imbalance of power,Center For Global Policy, 2020.

https://cgpolicy.org/articles/the-united-arab-emirates-israel-and-the-s

)accessed on 14/6/2020(

(19) الجميل، سيار، العولمة الجديدة والمجال الحيوي للشرق الأوسط، مركز الدراسات الاستراتيجية للبحوث والتوثيق، بيروت، ص 147-166، 2000.

(20) د. بهلول، نسيم، الفوبيا الاستراتيجية الإسرائيلية وخطة تدمير الجيش الجزائري، أمننا والمرحلة القادمة.. (الجزء الأول)، شبكة باب المغاربة للدراسات الإستراتيجية، 2017.

(21) شحادة، نادية، مركز الإعلام والدراسات الفلسطينية، العدد 655، 2016

(22) Jforum. Fr “Grande base de renseignements sur Socotra – précisions”. 07/09/2020.

https://www.jforum.fr/israel-eau-base-de-renseignements-sur-lile-de-soc

)accessed on 14/6/2020(

  (23)Jonathan Fenton-Harvey , “UAE seeks turnaround in relations with Somalia for help in Yemen war”, Almonitor,2020.

shorturl.at/msDX6

  (24)Jason Pack, « The Isarel – UAE Deal won’t bring peace , but it will prolong the war in Libya, foreign policy, 2020.

https://foreignpolicy.com/2020/08/21/the-israel-uae-deal-wont-bring-peace-but-it-will-prolong-the-war-in-libya/

«(25) بن سلمان يخير الفلسطينيين بين «صفقة القرن» أو الصمت، الخليج الجديد، 8 أكتوبر/ تشرين الأول 2020″.

تاريخ الدخول: 8 أكتوبر/تشرين الأول 2020

 shorturl.at/bptGM

1

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.