ترجمات أجنبية

المعضلة الأميركية… برلين لا تثق برومني رئيساً!

مركز الناطور للدراسات والابحاث

 يحب الألمان الرئيس الأميركي باراك أوباما. لكن ماذا لو فاز منافسه ميت رومني بالانتخابات في الأسبوع المقبل؟ يتساءل السياسيون في برلين عن تداعيات فوز المرشح الجمهوري على العلاقات الألمانية الأميركية.

كوّن الألمان رأيهم عن ميت رومني منذ فترة طويلة. كان 5% منهم فقط سيمنحونه صوتهم لو كانوا يستطيعون التصويت.

لم تكن نتيجة أحدث استطلاع رأي أجراه معهد “فورسا” مفاجئة بأي شكل. في جميع الانتخابات الأميركية، يميل الألمان إلى دعم المرشح الديمقراطي دوماً. بالنسبة إلى الكثيرين، يُعتبر الجمهوريون أشخاصاً مشبوهين: فهم متغطرسون ومحافظون ومتعصّبون ويؤيدون في معظمهم استعمال القوة (أقله وفق الأفكار الشائعة). استنتج الاستطلاع أن 92% من الألمان تقريباً كانوا سيصوتون لإعادة الرئيس الراهن باراك أوباما إلى البيت الأبيض.

لا يحق للألمان التصويت في هذه الانتخابات طبعاً، ولكنهم يقفون على الهامش ويراقبون الاستحقاق بقلق شديد. تبدو النتيجة متقاربة بين أوباما ورومني في استطلاعات الرأي، ولم يبقَ سوى ساعات قليلة على الانتخابات يوم الثلاثاء المقبل. بدأ السياسيون في برلين يفكرون في احتمال أن يتسلم رومني مقاليد الحكم.

لكن كيف ستتأثر برلين إذا أصبح رومني رئيساً؟ بكل صراحة، لا يعلم السياسيون في العاصمة الألمانية ما سيحصل تحديداً. قال هارالد ليبريخت، المنسق الألماني للعلاقات الألمانية- الأميركية، إن المرشح الجمهوري هو أشبه بـ”صفحة بيضاء” وبالتالي يصعب الرهان عليه. لا شك أنه ليس الشخص الوحيد المقتنع بهذا الرأي.

مواقف مبهمة

طرح رومني نفسه كرجل صارم ودبلوماسي في آن، لكن تقلب مواقفه أربك الناس محلياً وخارجياً. خلال المناظرة الأخيرة ضد أوباما، اعتمد نبرة تصالحية وبدا كأن مقاربته لا تختلف كثيراً عن سياسة أوباما في ملفات مثل سورية وأفغانستان وإيران. لكن قبل بضعة أشهر، كان رومني شخصاً مختلفاً تماماً، فأعلن أن روسيا هي “الخصم الجيوسياسي الأول” للولايات المتحدة.

كانت سياساته تجاه إيران سبباً آخر يدعو إلى القلق. هذا الصيف، قال واحد من كبار مستشاريه في شؤون السياسة الخارجية إن رومني “سيحترم” القرار الإسرائيلي باستعمال القوة ضد طهران. كذلك، لا يزال موقف رومني من الانسحاب العسكري المرتقب من أفغانستان في عام 2014 مبهماً، فهو عبّر عن مخاوفه من الإطار الزمني المقرر.

في برلين، يُعتبر المرشح الجمهوري لغزاً من نوع خاص. يشعر وزير الدفاع الألماني توماس دي مايتسيره بالارتباك، فقد قال خلال اجتماع حديث لحلف الأطلسي إن أحداً لا يستطيع معرفة كيف ستنتهي المهمة الأميركية في أفغانستان إذا تغير الرئيس في البيت الأبيض. وبما أن الدول الحليفة تخطط لبناء استراتيجياتها وفق النموذج الأميركي، تحتل انتخابات 6 نوفمبر أهمية كبرى بحسب رأي دي مايتسيره.

هل يظن القادة الألمان أن رومني سيحاول إعادة الولايات المتحدة إلى دورها السابق كشرطة تحرس العالم؟ يجيب فيليب ميسفلدر، المتحدث باسم المحافظين لشؤون السياسة الخارجية في البرلمان، على السؤال قائلاً: “لا أظن ذلك. إن الوضع المالي سيئ في الولايات المتحدة لدرجة أن رومني لن يتمكن من تحمل كلفة استرجاع ذلك الدور”.

لكن خلال المناظرة التلفزيونية الأخيرة بين أوباما ورومني، عارض هذا الأخير تخفيض الميزانية العسكرية وفضل بناء سفن حربية جديدة. هل يستطيع رومني إعادة الزمن إلى الوراء لاسترجاع أيام جورج بوش الابن الذي كان مكروهاً في ألمانيا؟ يجيب ميسفلدر بالنفي. لا يثير رومني الرعب بحسب رأيه، ويخطئ الكثيرون في ألمانيا حين يشبّهونه بحركة “حزب الشاي” ومقاربتها الانعزالية في مجال السياسة الخارجية. يقول ميسفلدر بكل تفاؤل: “رومني هو رجل براغماتي في الحقيقة”.

خلال الحملة الانتخابية، طرح رومني نفسه كزعيم اقتصادي وبرزت ميول ضمن حزبه لحماية السوق المحلية. نظراً إلى اقتراب موعد اختيار مجلس النواب كله وثلث أعضاء مجلس الشيوخ في الأسبوع المقبل، تسود بعض المخاوف من أن يترسخ شعار “أميركا أولاً” في هذه المرحلة. يتوقع رالف برامل، خبير في السياسة الأميركية داخل المجلس الألماني للعلاقات الخارجية في برلين، أن تنبثق اتجاهات حمائية من الفرع التشريعي: “حتى الشركات الألمانية والأوروبية ستجد صعوبة في بيع منتجاتها في الولايات المتحدة”.

مطالب عسكرية إضافية

يظن رولف موتزينخ، المتحدث باسم الحزب الديمقراطي الاجتماعي المعارِض في البرلمان، أن فوز رومني سيؤدي إلى “جمود أولي وبعض المخاوف”، بينما تعمد الإدارة إلى القيام بتعيينات جديدة. إذا اختار رومني الاتكال على مستشارين سابقين عملوا في عهد بوش، يخشى موتزينخ أن تنشأ خلافات بشأن إيران وروسيا، أو حتى احترام الأمم المتحدة والقانون الدولي ونزع الأسلحة. هو يعتبر أيضاً أن إدارة رومني لن تتفق على الأرجح مع ألمانيا ودول الاتحاد الأوروبي في ما يخص النظام العالمي الذي يحكم الأسواق المالية.

يؤيد برامل (الخبير في المجلس الألماني للعلاقات الخارجية ومؤلف كتاب “المريض الأميركي” The American Patient) النظرية القائلة بأن تدهور الظروف الاجتماعية والاقتصادية في الولايات المتحدة وتنامي المشاعر الانعزالية ستدفعها إلى محاولة نقل أعباء التحركات العسكرية إلى حلفائها. يؤيد الكثيرون في برلين هذا الرأي. قال ليبريخت، منسق العلاقات الألمانية الأميركية للمستشارة ميركل، إن فوز رومني قد يؤدي إلى ظهور دعوات لزيادة ميزانيات الدفاع: “هذا النهج لا يحظى بتأييد واسع لدينا، كما أننا لا ندعم هذا المطلب كوننا نطبق مقاربة تخفيض التكاليف في أوروبا”.

في مطلق الأحوال، بغض النظر عن هوية الفائز بين أوباما ورومني، يقول السياسي ميسفلدر إن الألمان يجب أن يعتادوا على أمر واحد: “في ما يخص التحركات العسكرية العالمية في مناطق الأزمات، لا شك أن الأميركيين سيلجأون إلينا ويطلبون منا المزيد في السنوات المقبلة”.

كتب Severin Weiland – Der Spiegel

قسم الترجمة – الجريدة – 5/11/2012

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى