المستقبل الطبيعي لمنظمة حلف الأطلسي - مركز الناطور للدراسات والأبحاث
Take a fresh look at your lifestyle.

المستقبل الطبيعي لمنظمة حلف الأطلسي

0 370

Robert Kaplan – Stratfor

قسم الترجمة & 13/5/2012

 انهارت أوروبا من الناحية العسكرية، في عام 1980، كانت الدول الأوروبية تشكل 40 ٪

من مجموع الإنفاق الدفاعي في حلف الأطلسي، أما الآن، فقد تراجعت تلك النسبة إلى 20 ٪.

بغض النظر عن موقفنا من حملة التدخل في ليبيا، لا شك أن تفاصيل تلك العملية تسيء إلى سمعة حلف الأطلسي. قال أحد المخططين في القوات الجوية الأميركية: “كان الأمر أشبه بقصة بيضاء الثلج والأقزام السبعة والعشرين، كان الجميع يركعون أمامها” (على اعتبار أن الولايات المتحدة تمثل بيضاء الثلج بينما تجسد الدول الأعضاء في حلف الأطلسي الأقزام). كذلك، لم تصب الإحصاءات في مصلحة هذا التحالف كونها تشدد على حجم المبادرات الشخصية التي اضطرت الولايات المتحدة إلى تقديمها في ليبيا (بضغطٍ من بريطانيا وفرنسا)، على رغم المجاهرة علناً بسياسة “القيادة من وراء الكواليس”.

وفر الجيش الأميركي أكثر من 80 في المئة من البنزين الذي استُعمل خلال عملية التدخل. وكانت جميع الأوامر المتعلقة بالعمليات الفردية تحمل عنواناً أميركياً. من بين عشرات البلدان التي شاركت في العملية، سمحت وزارات الدفاع في ثمانية بلدان فقط لقواتها الجوية بإسقاط القنابل. وقد أطلق البعض رحلات استطلاعية بطريقة رمزية فقط. صحيح أن معظم الضربات الجوية نفذتها طائرات غير أميركية، إلا أن الولايات المتحدة كانت الجهة التي تدير الناحية اللوجستية من الحرب.

أخبرني أحد الجنرالات الأميركيين: “لقد انهارت أوروبا من الناحية العسكرية”. عام 1980، كانت الدول الأوروبية تشكل 40 في المئة من مجموع الإنفاق الدفاعي في حلف الأطلسي. أما الآن، فقد تراجعت تلك النسبة إلى 20 في المئة. كذلك، من المعروف أن وحدة جوية واحدة في القوات الجوية الأميركية هي أكبر من وزارة الدفاع البريطانية. على صعيد آخر، بدأت الميزانيات العسكرية في أوروبا الغربية تنهار، مع أن السياسيين المحليين لا يسمحون للقوات المسلحة بتنفيذ مهمات كثيرة عدا المشاركة في تدريبات الإغاثة الإنسانية.

ترتكز قوة الجيش في أي بلد على صحة العلاقة القائمة بين القطاع المدني والعسكري داخل المجتمع. في الولايات المتحدة، يحتدم الجدل حول الدور المناسب الذي يجب أن يلعبه الجيش في أي مجتمع ديمقراطي. لكن رغم كل شيء، من الواضح أن الأميركيين يشعرون بفخر كبير بقواتهم المسلحة، حتى خلال الحروب التي تحولت إلى كوارث شائكة. لكن ليس الوضع كذلك في أوروبا الغربية حيث يستخف الجميع بمهمة الجنود ضمناً (باستثناء المملكة المتحدة وفرنسا والدنمارك). يميل الأوروبيون إلى اعتبار أنّ عناصر قواتهم المسلحة هم مجرد عاملين في الخدمة المدنية ولكنهم يرتدون زياً مضحكاً. ويسخر بعض الأوروبيين من الفكرة القائلة إن الجيش هو الذي يدافع عن الحريات الديمقراطية في بلدانهم.

يمكن أن يستنتج البعض أن حلف الأطلسي الذي يضم جيوشاً من الولايات المتحدة ومعظم الدول في أوروبا قد انتهى أمره. ما النفع من تحالف يضم غالبية من الدول الأعضاء حيث لا تحصل الجيوش على دعم الرأي العام المحلي؟ ألم تكن الحملة الليبية إثباتاً على أن الولايات المتحدة هي التي تقوم بعمل الآخرين (حتى في عمليات حلف الأطلسي المزعومة) من دون الإشادة علناً بدورها؟ ألا تشكل أفغانستان (على رغم سقوط بعض الجنود من كندا والدنمارك مثلاً) إثباتاً على أن حلف الأطلسي يركز على عمليات الولايات المتحدة حصراً من دون منحها الدعم المناسب في ساحة المعركة؟ ألم تكن كوسوفو إثباتاً على أن حلف الأطلسي كان يتخبط في إجراءاته البيروقراطية لدرجة أنه احتاج إلى أسابيع عدة لهزم نظام ضعيف في صربيا؟

هذه الأمور كلها صحيحة ولكنها لا تعبر عن المغزى الحقيقي لهذه التحليلات. حتى خلال الحرب الباردة، كانت الولايات المتحدة تطغى على حلف الأطلسي. وكان دور دول أوروبا الشمالية داخل حلف الأطلسي أكبر من دور الدول الجنوبية المجاورة لها، فقد تعرضت هذه الأخيرة بين الخمسينيات والثمانينيات للمضايقات وحصلت على الرشاوى للتماشي مع الوضع والتزام الصمت. (عند اعتراض أي طرف، كما فعل رئيس الوزراء اليوناني أندرياس باباندريو خلال الثمانينيات، لم يأبه أحد بذلك). لكن بما أن حلف الأطلسي لم يخض أي حروب حامية خلال الحرب الباردة، بقي هذا الواقع المزعج خفياً. لو اندلعت حرب تقليدية حامية في قلب أوروبا خلال الحرب الباردة، كانت الولايات المتحدة لتطغى على الجهود الغربية أيضاً.

خلال الحرب الباردة، كان هدف حلف الأطلسي واضحاً (الدفاع عن أوروبا الوسطى ضد الدول السوفياتية) وهو أمر يفتقر إليه اليوم. لا شك أن اختفاء ذلك الهدف الجوهري المحدد يُضعف حلف الأطلسي. كما أن الحلف سيضعف أكثر بعد غداة انسحاب فريقين من أصل أربع وحدات قتالية في الجيش الأميركي من أوروبا بحلول عام 2014، حتى لو نُشرت الصواريخ في أوروبا الشرقية. لكن لا يعني ذلك أن التحالف فقد كل قيمته.

عملياً، سيصبح دور حلف الأطلسي أكثر أهمية من أي وقت مضى منذ سقوط جدار برلين بسبب ضعف الاتحاد الأوروبي الغارق في الديون (سيقضي دوره بإرساء الاستقرار السياسي داخل أوروبا نفسها). بالنسبة إلى أوروبا الشرقية تحديداً، يشكل حلف الأطلسي ضمانة لاستمالة تلك الدول الشيوعية السابقة التي تناضل لجذب الاستثمارات الخارجية، وبالتالي منع روسيا من إضعافها. لا يزال الوضع الجغرافي العامل الأكثر تأثيراً. ولا تزال روسيا تطالب بإنشاء دول عازلة ودية في أوروبا الشرقية نظراً إلى تاريخها الخاص في غزو أوروبا. لذا ستبذل روسيا قصارى جهدها لإضعاف بعض الدول، من بولندا جنوباً نحو بلغاريا. إن منظمة حلف الأطلسي هي آلية سياسية ودبلوماسية وعسكرية موجهة ضد تلك الخطة الروسية. كلما غرقت أوروبا في أزمة الدين، يرتفع احتمال أن تحقق روسيا مكاسب جيوسياسية، وهكذا تزداد أهمية حلف الأطلسي.

تتعلق أهمية حلف الأطلسي أيضاً بالوجهة الجيوسياسية المستقبلية لألمانيا. طالما يبقى حلف الأطلسي موجوداً وتبقى ألمانيا جزءاً منه حيث تؤدي دوراً سياسياً محورياً (حتى لو لم يكن دورها عسكرياً)، تتراجع فرصة أن تتحالف ألمانيا مع روسيا في السنوات المستقبلية.

يخطئ من يفترض أن المنظمة السياسية العسكرية التي لم تعد مفيدة اليوم بقدر ما كانت عليه قبل ربع قرن تصبح غير نافعة بالمرة. يعمل حلف الأطلسي وفق تدابير بيروقراطية، وبروتوكولات، ونظام تنسيق داخلي بين الجيوش، وجميع أنواع الإجراءات التشغيلية النموذجية التي تطورت على مر العقود، وبالتالي سيكون التخلص من هذه الأمور كلها عملاً غير مسؤول. يمكن أن يتحرك حلف الأطلسي بسلاسة لتقديم المساعدات الإنسانية العاجلة التي يحبذها الرأي العام الأوروبي، وهكذا يمكن تخفيض العبء عن الولايات المتحدة. لا يزال حلف الأطلسي، مثل الأمم المتحدة في بعض المناسبات، يوفر غطاء دبلوماسياً للتحركات الأميركية بدرجات متفاوتة. باختصار، يهيمن الأميركيون على حلف الأطلسي بكل بساطة. لنتخيل نتيجة حرب العراق الفاشلة لو كانت الحملة عبارة عن عملية شاملة من تنفيذ حلف الأطلسي بدل أن تكون تحركاً أحادي الجانب. من دون منظمات مثل حلف الأطلسي والأمم المتحدة، يصبح النفوذ الأميركي أكثر تفرّداً في ظل عالم فوضوي.

عدا التفاصيل الأمنية الروتينية التي توفرها بعض الدول الأعضاء في حلف الأطلسي في أفغانستان، لن يتحسن وضع حلف الأطلسي خلال الحروب الضارية لأن الرأي العام في أوروبا الغربية ليس مستعداً لدفع الثمن المترتب عن تلك الحروب. في مطلق الأحوال، غالباً ما تكون الحملات البرية شائكة بالنسبة إلى الجيوش في المجتمعات السلمية عموماً. قد يكون حلف الأطلسي الكيان المناسب لتنفيذ مهمات الإنقاذ الجوي والبحري في إفريقيا ومناطق أبعد من ذلك. سيبقى حلف الأطلسي كياناً ناشطاً كي يتمكن من متابعة دوره كقناة تضمن التماسك السياسي الأوروبي. تشكل مبادرة “الدفاع الذكي” خير مثال على ذلك، ما يضمن زيادة التنسيق بين الدول الفردية في مجال سياسة اقتناء الأسلحة. على سبيل المثال، يتخلى الهولنديون عن دباباتهم ويضعون ثقتهم في الوحدات الألمانية وغيرها للدفاع عن الأراضي الهولندية. بفضل تلك المدخرات، يستثمر الهولنديون في الرادارات الدفاعية الصاروخية البالستية للفرقاطات التي يملكونها، وستستفيد جميع الدول الأعضاء في التحالف من ذلك.

كل من يستخفون بحلف الأطلسي يفترضون أن أوروبا لن تواجه أي كوابيس جيوسياسية مستقبلاً. لكن قد يكون ذلك الافتراض خاطئاً. يكفي النظر إلى هذه التركيبات العسكرية المتجددة: مجموعة قتالية شمالية تشمل دول البلطيق والبلدان الاسكندنافية بالإضافة إلى إيرلندا؛ ومجموعة فايسغراد التي تشمل بولندا وهنغاريا والجمهورية التشيكية وسلوفاكيا. قد تحل هذه المجموعات مستقبلاً مكان حلف الأطلسي جزئياً أو قد تتابع العمل تحت مظلة حلف الأطلسي. تشكل هذه الكيانات كلها رداً على روسيا القوية عسكرياً في الشرق.

كلما زادت حيوية روسيا وانتشرت الفوضى في شمال إفريقيا واستمرت الاضطرابات والتخلف في دول البلقان، ستكثر التحديات التي تواجهها أوروبا. إذا حصل ذلك، يمكن أن يقدّم حلف الأطلسي آلية مفيدة لبناء الثقة. تحتاج الولايات المتحدة إلى حلف الأطلسي للمساعدة في تنظيم الدفاع الأوروبي، كي تتمكن واشنطن تحديداً من التركيز على الشرق الأوسط وآسيا. قد لا تكون منظمة حلف الأطلسي عظيمة ولكنها جيدة بما يكفي حتى الآن .

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.