المحامي زياد أبو زياد يكتب - ليست المشكلة في نوع الموسيقى بل فيمن أقرها من حيث المبدأ والآن يتنصل ! - مركز الناطور للدراسات والأبحاث
Take a fresh look at your lifestyle.

المحامي زياد أبو زياد يكتب – ليست المشكلة في نوع الموسيقى بل فيمن أقرها من حيث المبدأ والآن يتنصل !

0 70

بقلم  المحامي زياد أبو زياد *- 3/1/2021

صدر قرار لجنة التحقيق في ملابسات الأحداث التي وقعت في مقام النبي موسى قبل ثمانية أيام وخلال وقت قصير جدا من بدء عمل اللجنة خلافا لما تعودنا عليه من تشكيل لجان لطمس الحقيقة وإخفائها بدلا من كشفها كما حدث مع اللجنة التي شكلتها حكومة د. رامي الحمد الله للتحقيق في تسريب عقار آل جودة غضية الحسيني في عقبة درويش بالبلدة القديمة بالقدس والمكون من ثلاثة طوابق تم بيعها للمستوطنين، ولم تعلن اللجنة أية نتائج بل يسود الاعتقاد بأن تشكيلها كان بهدف إخفاء الحقيقة عن الرأي العام والتستر على المتورطين في التسريب لا فضحهم ومحاسبتهم. وستبقى تلك اللجنة وصمة وعار الى أن يتم الكشف عن الحقيقة ومحاسبة المتورطين مهما كانت مناصبهم أو مواقعهم.

وعلينا أن نسجل لحساب حكومة د. اشتية سرعة إنجاز التحقيق في ملابسات ما حدث في مقام النبي موسى وإعلان نتائجه على الملأ وإحالة الملف مع التوصيات الى النيابة العامة لاتخاذ المقتضى القانوني.

ومع ذلك فإنه لا بد من التأكيد بأن قرار لجنة التحقيق بل وتقديم لائحة اتهام ضد أي كان لا يُشكل قرارا ً بالإدانة لأن الإدانة لا تكون إلا من خلال قرار قضائي قطعي استنفذ كل درجات التقاضي من قبل قضاء نزيه حر ومستقل.

وأود قبل إبداء الرأي فيما حدث في مقام النبي موسى أن أتحدث قليلا عن المسجد الأقصى باعتبار أن المسألة خاضعة للقياس الذي يعتبر في علم أصول الفقه الدليل الرابع من أدلة الفقه بعد الكتاب والسنة والإجماع لاستنباط الأحكام الشرعية ، فما يحدث في الأقصى يمكن أن يقاس عليه ليُعمل مثله في مقام النبي موسى والعكس كذلك!

لقد حاولت بلدية الاحتلال منذ عام 1967 ولا تزال تحاول التمييز بين المسجد المسقوف في الحرم الشريف وبين ساحاته وأروقته ومصاطبه والإدعاء بأن المسجد هو فقط البناء المسقوف وأن الساحات والمصاطب والأروقة المحيطة بالمسجد القبلي وقبة الصخرة هي أماكن عامة يجب أن تكون تحت سيطرة البلدية ، ولا تزال هذه المعركة قائمة ، ونحن نصر على أن المسجد هو كل المجمع ومساحته 144 دونما يحيطه سور تاريخي وأروقة ويضم في داخله المسجد القبلي وقبة الصخرة والمسجد المرواني والعديد من المصاطب والأروقة والقباب. كل هذه متكاملة هي المسجد الأقصى ، كل لا يتجزأ، وأي محاولة للتفريق بين المسجد المسقوف والساحات أو الأروقة مرفوضة قطعا. وهذا هو موقف المرجعيات الدينية الإسلامية وفي مقدمتها الهيئة الإسلامية العليا التي لي الشرف بأن أكون أحد أعضائها، ويحظى هذا الموقف بإجماع فلسطيني أردني إسلامي رسمي وشعبي على كل الأصعدة.

وأعود الى مقام النبي موسى والذي هو مرتبط في الوعي واللاوعي الفلسطيني بأنه ليس مكانا أثريا ولا تاريخيا فحسب بل هو مسجد ومكان له قدسيته وطهارته التي يجب الحفاظ عليها وصونها من أي دنس.

وقياسا على ما قلته عن وحدة المسجد الأقصى وتكامل أجزائه فإن علينا جميعا أن نفهم بأن حصر مسجد مقام النبي موسى في جزء من ذلك الصرح التاريخي العظيم إنما يفتح الباب على مصراعيه لإساءة أو للإساءة لباقي أجزاء المبنى وربما فتح شهوة الطامعين الشرهين الذين يتربصون بنا الدوائر ، فمقام النبي موسى أيضا هو كل لا يتجزأ.

لقد أقيم مقام النبي موسى لأغراض وطنية سياسية إسلامية آخذة بعين الاعتبار أن الإسلام لا يحرم الأنشطة الاجتماعية الملتزمة بمباديء الدين التي تقوم على النقاء والحشمة والخلق والالتزام بما أمرنا ديننا به وما نهانا عنه.

وكان الهدف منها حشد المسلمين وتواجدهم على مدى أسبوع كامل ليتأهبوا لمواجهة أي خطر أو اعتداء عليهم أو على مقدساتهم يتزامن مع حشد الصليبيين لجموعهم في عيد الفصح في شهر نيسان ولم يكن موسم النبي موسى هو الوحيد على ارض فلسطين بل اختيرت أماكن أخرى في نقاط متفرقة على أرض فلسطين مثل الرملة وغيرها وهذا موضوع آخر.

ولم يكن موسم النبي موسى حفلا موسيقيا وإنما مهرجان للفروسية والرجولة فكان لكل مدينة في فلسطين بيرقها ( علمها ) وكان أهل كل مدينة يفدون الى القدس في مسيرات وزفات ودبكات بالرماح والسيوف والخناجر وبعد أن يتجمعوا في القدس على مدى بضعة أيام يتوجهون الى مقام النبي موسى في مظاهرة رجولة وفروسية لا خنوع ولا ابتذال.

فالهدف من مهرجان النبي موسى كان سياسيا بامتياز ونضاليا بامتياز واستعراضا ً للقوة لإرهاب العدو وآخرين من دونه.

لقد أحسنت الحكومة السابقة حين فكرت بترميم المبنى ولكن الخطأ الفاحش الذي وقعت فيه هي وحكومة د. محمد اشتيه هو التعامل مع المكان وكأنه مكان أثري فقط مثله مثل المدرج الروماني في جرش أو بعلبك أو أبو الهول أو الأهرامات !

لا… وألف ألف لا… فالمكان ليس كذلك.

لقد شاهدت خلال الأيام القليلة الماضية وشاهد الكثيرون غيري فيديو حفل افتتاح مقام النبي موسى بحضور دولة رئيس الوزراء د. محمد اشتيه الذي ألقى خطابا ً في تلك المناسبة ، وشاهدنا وجود فرقة موسيقية تعزف الألحان الشجية وبوفيه طعام عليه ما لذ وطاب .

وعليه فإن ما يجب أن نحدده قبل كل شيء هو أن الحكومة برئاسة د. محمد اشتيه أقرت مبدأ عزف الموسيقى في داخل المبنى وإعداد بوفيهات الطعام. وهذا هو ما يجب التوقف عنده.

فالمسألة لا يجب أن تكون نوع الموسيقى وإنما مسألة مبدأ جواز أو عدم جواز عزف الموسيقى وإقامة الحفلات داخل المبنى الذي هو مقام ديني له تاريخ وصبغة دينية.

فلتكن لدى الحكومة الجرأة الكافية بأن تعترف بأنها أخطأت وأن لا تبحث عن كبش فداء تختبيء وراءه فكلنا خطاؤون وخير الخطائين التوابين !.

وهذا الطلب لا ينفي أنه كانت هناك سلسلة طويلة من الأخطاء الإدارية سواء من قبل وزارة السياحة أو وزارة الأوقاف ولكن الذي يتحمل المسؤولية الرئيسية هو الحكومة التي قبلت تجاهل الطابع الديني الإسلامي للمكان وتعاملت معه كمكان أثري سياحي يمكن خصخصته وتحويله الى مشروع استثماري تحت سيطرة وتصرف من يبحث عن الاستثمار لجمع الأرباح…

ولا شك بأن الخطأ الذي وقعت به الحكومة هو نتيجة طبيعية للوضع البائس القائم حاليا ً والذي يسمح لحكومة أن تعمل بدون رقابة أو مساءلة برلمانية لغياب وجود مجلس تشريعي، وكلنا نتحمل مسؤولية تعطيل النظام البرلماني والقبول بنظام حكم الفرد الواحد ودكتاتورية الحزب الواحد. وإلى أن نعيد بناء مؤسساتنا الدستورية على أساس ديمقراطي وانتخابات سنظل نفاجأ من حين لآخر بأزمة أو فضيحة جديدة طالما ظلت الحكومة تعمل على هواها تشرع وتنفذ بلا حسيب أو رقيب.

أدعو الدكتور محمد اشتيه الى إغلاق هذا الملف ووقف كافة الإجراءات منعا لاستمرار اللغط وإثارة الدفوع التي قد تسيء للحكومة أكثر من أن تخرجها من هذه الورطة ، وتسليم المكان لجهة دينية أو أكاديمية مؤتمنة، وإلى الإقرار بأن هذا المكان هو مسجد فقط لا غير، وأن مرفقاته يمكن أن تكون معهدا شرعيا للدراسات العليا أو ما شابه ذلك لضمان تواجد شبابي مستمر في المكان ، وإلى إعادة الأمانة للسيد الرئيس أو النظر في تشكيلة حكومته وتغيير الحقائب التي بات فشلها باعثا ُ على القلق، والى تعيين وزير للأوقاف ليس بالضرورة من الشيوخ ولكن بالضرورة أن يكون من القدس ليتسنى له التواجد بالأقصى وأن يكون رجلا ً فقيها ً ذو دين وخلق حسن يخاف الله ولا يخشى في الحق لومة لائم، وأن يكون هناك وكيلين للوزارة أحدهما مسيحي يرعى الشؤون المسيحية ويكون عنوانا للمسيحيين في وزارة الأوقاف والشؤون الدينية.

*وزير سابق ومحرر مجلة “فلسطين-إسرائيل” الفصلية الصادرة بالإنجليزية – القدس .

ziad@abuzayyad.net

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.