اللواء محمود الناطور يكتب – تنظيم القاعدة: استراتيجية جديدة وقوة متنامية – الحلقة السابعة
الحلقة السابعة
تشكيل القيادة الاسلامية بزعامة الترابي
تطرقنا في الحلقة السابقة الى انقلاب الشيخ حسن الترابي زعيم الجبهة القومية الاسلامية السودانية على حلفائه والاسباب التي أوجبت خروج الشيخ اسامه بن لادن زعيم تنظيم القاعدة من السودان ، واستعرضنا دوافع الحكومة السودانية في التعامل مع الادارة الامريكية والعمل وفق بنود المذكرة التي اشترطت فيها واشنطن على السودان بالتنفيذ .
وفي هذه الحلقة سوف نستعرض أسباب التحالف بين الشيخ حسن الترابي والتنظيمات الاسلامية السلفية ، وهو التحالف الذي اعتبرته الادارة الامريكية تهديدا مباشرا لنفوذها ومصالحها في السودان والقرن الافريقي واقتضى تدخل عسكري امريكي في الصومال انتهى بالفشل والانسحاب وبقاء الصومال على حاله منذ ذلك الحين .
فعندما وصلت وحدات (رانجر) الامريكية للتدخل السريع الى العاصمة الصومالية مقديشو تجمعت لدى قيادة (يوتوهوم – 2) معلومات تفيد باقامة جسر جوي بين افغانستان والسودان لنقل عدد من الافغان العرب الذين اضطروا لمغادرة بيشاور مطلع التسعينات من القرن الماضي ، فمنهم من لجأ الى جلال آباد او لمعسكرات أنشئت خصيصا في المنطقة الفاصلة بين الحدود الافغانية –الباكستانية، ومنهم من توجه الى السودان وجرى نقلهم فيما بعد الى “هيرغيسا” عاصمة جمهورية “ارض الصومال” لمساعدة جماعات (هبر غدير) من قبيلة الجنرال الصومالي الهارب آنذاك محمد فارح عيديد الذي كان يرتبط بعلاقة وثيقة مع الشيخ حسن الترابي زعيم الجبهة القومية الاسلامية السودانية ، والذي استطاع خلال تلك الفترة تشكيل “قيادة اسلامية” برئاسته وتضم كلا من الدكتور ايمن الظواهري زعيم تنظيم الجهاد الاسلامي المصري والقائد الافغاني عبد الله جاويد والقائد الاسلامي الجزائري قمر الدين قربان ، بالتحالف مع الحزب الاسلامي الصومالي بزعامة الشيخ علي ورسمه ، وكانت مهمة تلك القيادة الاسلامية تقديم الدعم المالي وبالسلاح والعتاد الى انصار الجنرال الصومالي محمد فارح عيديد، وتنفيذ عمليات ضد القوات الدولية في الصومال لاخراجها من العاصمة مقديشو.
وقد تشكلت تلك القيادة الاسلامية نهاية شهر آب/اغسطس من عام 1993 حيث عبر الشيخ حسن الترابي عن اهدافها بالقول انها تخوض معركة كل المسلمين على مدى القرن الافريقي ، وتم اختيار الدكتور ايمن الظواهري منسقا عاما لتلك القيادة، وبموجب هذا الاختيار قام الدكتور الظواهري خلال نفس الشهر بمرافقة الشيخ حسن الترابي في جولة الى العاصمة الكينية “مومباسا” حيث اجتمعا الى جماعات اصولية موالية لايران ، ومع ممثلي جبهة “ارومو” الاثيوبية والحركة الاوغندية الاسلامية الناشطة آنذاك على الحدود بين الصومال واثيوبيا ثم قام الاثنان بزيارة الى “هيرغيسا” عاصمة جمهورية ارض الصومال حيث التقيا مع قيادات حليفه للجنرال محمد فارح عيديد .
ومن ابرز مهمات “القيادة الاسلامية” حينذاك انها كانت تنقل السلاح عبر طائرات صغيرة يقودها افغان عرب الى المقاتلين الاسلاميين ، وتهبط بها في مدرجات لمطارات صغيرة كان السوفييت قد بنوها في السبعينيات ابان فترة حكم محمد سياد بري ، ثم تحول الحال بعد ان اغلقت القوات الامريكية تلك المدرجات الى التسلل عبر مراكب شراعية صغيرة من خلال نقاط محدودة على طول الساحل خصوصا شمال شرق الصومال حيث كانت “حركة الإنقاذالوطني الصومالي” تفرض سيطرتها بعد المصالحة مع الاسلاميين التي تمت برعاية من شيوخ قبائل في جمهورية ارض الصومال .
بعد تشكيل “القيادة الاسلامية” بزعامة الشيخ حسن الترابي تحولت العاصمة الصومالية مقديشو الى عاصمة “اممية” للتنظيمات الاسلامية السلفية في القرن الافريقي ، وتجد الدعم من الافغان العرب ومن طهران ومن الخرطوم التي زعم الترابي ان المعارك ضد القوات الامريكية هي الرد العملي على ادراج اسم السودان على اللائحة السوداء الداعمة للارهاب .
ومنذ دخول الرئيس بيل كلينتون الى البيت الابيض كانت المخابرات الامريكية تتهمه بالاهمال وتدعي انه يفضل مطالعة الصحف الصباحية على قراءة التقارير التي تعدها له المخابرات المركزية الامريكية، الا ان الهجمات القاتلة التي تتعرض لها القوات الامريكية والدولية في الصومال جعلته يقلع عن هذه العادة .
ففي بداية شهر حزيران/يونيو 1994 انضم الرئيس كلينتون الى اجتماع خاص الى جانب مستشاره لشؤون الامن الافريقي “انطوني ليك” والمدير الجديد للمخابرات المركزية الامريكية حينذاك “جون دوتيش” وقد خصص الاجتماع للبحث في سبل معاقبة ايران بعد ان تزايدت تقارير المخابرات المركزية الامريكية التي تشير الى دورها الناشط في القارة السوداء في شكل يتجاوز ما كان يسمى “الحزام الاسلامي” المحيط بالسودان .
وكانت المعلومات تقول بأن التغلغل الايراني وصل الى اعماق القارة الافريقية من خلال معسكرات التدريب التي قيل انها وضعت تحت اشراف الحرس الثوري في السودان لتدريب وتأهيل عناصر كل التنظيمات الاسلامية التي تنتمي الى عدد كبير من الدول العربية والاسلامية بدءا من حركة حماس والجهاد الاسلامي المصري وصولا الى افغان الجزائر وسائر الافغان العرب بما في ذلك التيارات الاسلامية الافريقية في اريتريا واثيوبيا والصومال وجيبوتي ومالي وتشاد والسنغال وشاطئ العاج.
المعسكرات في انغولا
كان لفوز الرئيس الامريكي كلينتون في انتخابات الرئاسة الامريكية وتسلمه مقاليد البيت الابيض، الاثر الكبير في انقلاب الادارة الامريكية على الحركات والتنظيمات الاسلامية ، وقد نصح اصدقاء الشيخ حسن الترابي من الحزب الجمهوري الامريكي بضرورة الابتعاد عن الواجهة والتخلي عن زعامة الحركات الاسلامية لان الادارة الديمقراطية عازمة على تطبيق استراتيجية جديدة لمواجهة الحركات الاسلامية والتضييق عليها ومحاربتها لقطع الطريق على اي محاولة لتخريب عملية السلام في الشرق الاوسط.
وبموجب تلك النصيحة قرر الشيخ حسن الترابي نقل معسكرات الحركات والتنظيمات الاسلامية من السودان الى دول افريقية اخرى لا سيما ان النصيحة الامريكية للترابي تزامنت مع الهزيمة العسكرية التي لحقت بقوات ومليشيات زعيم الحزب الاسلامي الافغاني قلب الدين حكمتيار واعتقال رجل الدين المصري الشيخ عمر عبد الرحمن المحسوب على الجماعة الاسلامية المصرية.
في تلك المرحلة الزمنية لاحظ عملاء المخابرات المركزية الامريكية في انغولا تدفق عدد من الوفود الايرانية ، حيث اكتشفت المخابرات المركزية الامريكية ان وسيطا سودانيا ينتمي الى الجبهة القومية الاسلامية التي يتزعمها الترابي يلعب دور “الدليل” لمبعوث ايراني مقرب جدا من الشيخ محمد سعيد النعماني رجل ايران في افريقيا، وسبق ان عمل بنفس المهمات في الجزائر عندما كان ملحقا ثقافيا مكلفا بمساعدة الجبهة الاسلامية للانقاذ وايصال التمويل للحركات الاسلامية في الجزائر.
وادعت الادارة الامريكية حينذاك ان النعماني هو المبعوث الخاص لمرشد الثورة الاسلامية في ايران آية الله علي خامنئي وانه مكلف من الحرس الثوري الايراني ووزارة المخابرات الخارجية الايرانية ، واشاعات اجهزة المخابرات الامريكية معلومات تقول ان الايرانيين عقدوا اتفاقا سريا مع الحكومة الانغولية لفتح عدد من معسكرات التدريب وان عددا من ضباط الحرس الثوري الايراني قد وصلوا الى هناك قادمين من السودان ، ونقلت المعلومات الامريكية ادعاءات بأن ضباط الحرس الثوري الايراني الذين وصلوا الى انغولا كان برفقتهم ضباط وخبراء كوبيين وعناصر مخابراتية من مخابرات الجنرال فيدل كاسترو، بالاضافة الى ضباط من حركات اسلامية فلسطينية ، ان هدف هؤلاء هو تأهيل وحدات انتحارية ومجموعات متخصصة في حرب الادغال وعمليات تفخيخ السيارات وأساليب احتجاز الرهائن وخطف الطائرات.
ويبدو ان ايران كانت تتحرك نحو القارة الافريقية بالفعل ضمن استراتيجية ما تزال قائمة حتى الآن لمواجهة التحركات الامريكية والغربية والاسرائيلية ، وتهدف الى توسيع رقعة الحزام الاسلامي في عمق القارة الافريقية وتحديدا من الجزائر ، والكونغو، والصومال ، وتنزانيا على المحيط الهندي الى الكاميرون والغابون عند الاطلسي الى حدود انغولا ثم جنوب افريقيا ، كما تهدف من اقامة المعسكرات في انغولا ممارسة ضغوط على الدول السائرة في فلك الادارة الامريكية.
ولا نكشف سرا عندما نشير الى ان ابرز اسباب حدوث التغيير ضد الحركات والتنظيمات الاسلامية في استراتيجية الادارة الامريكية للرئيس كلينتون هو نجاح المخابرات المركزية الامريكية اواخر عام 1993 من اجراء اتصالات سرية مع (انور هدام) ممثل الجبهة الاسلامية للانقاذ في الولايات المتحدة الامريكية واوروبا بهدف احتواء المد الاسلامي في الجزائر وعدم سيطرة الاسلاميين على الحكم لتكرار تجربة السودان عندما تمكن الاسلاميين من اسقاط السودان تحت سيطرتهم في انقلاب عام 1989 الذي كان وما يزال يعد أهم انتصار اسلامي منذ نجاح الثورة الاسلامية في ايران بزعامة آية الله الخميني عام 1979.
وقد بررت الادارة الامريكية اتصالاتها مع الجبهة الاسلامية للانقاذ في الجزائر بأنه تنفيذ لاستراتيجية جديدة تقوم بالحوار مع الحركات الاسلامية بدلا من الدخول في حروب متعددة معها، وهو الهدف الذي تكرره حاليا “وقت اعداد هذه الحلقة تموز/يوليو 2009) الادارة الامريكية للرئيس الديمقراطي باراك اوباما والقائم على دعم الحركات الاسلامية “المعتدلة” وتمكينها من الحكم في الدول العربية والاسلامية في مقابل محاصرة الحركات الاسلامية التي تسميها “المتطرفة” مثل حركة طالبان في باكستان وافغانستان وتنظيم القاعدة.
كما لا نكشف سرا ان تنظيم القاعدة بزعامة الشيخ اسامه بن لادن كان ميالا في تلك المرحلة الى دعم الحركات الاسلامية في افريقيا بما في ذلك “انغولا” والصومال والجزائر وجنوب افريقيا وغيرها، لكنه كان يفعل ذلك بعيدا عن الاتفاق مع ايران وغيرها، لكنه كان يعلم علم اليقين بعلاقة نائبه الدكتور ايمن الظواهري مع ايران.



