#أقلام وأراء

اللواء محمود الناطور “ابو الطيب” يكتب: القائد الكبير زكريا عبد الرحيم “ابو يحيى” في ذمة الله

اللواء محمود الناطور “ابو الطيب” 2-8-2022م

بسم الله الرحمن الرحيم

مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ۖ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ ۖ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا) صدق الله العظيم

لقد تلقيت اليوم الثلاثاء 2-8-2022م بكل آيات الحزن والاسى نبأ ترجل فارس من فرسان الثورة الفلسطينية، القائد الكبير زكريا عبد الرحيم “أبو يحيى” الذي توفاه الله في بيروت بعد مسيرة نضالية طويلة، لتفقد فلسطين برحيله مناضلاً وطنيًا، لم يكن شخصا عابرا في تاريخنا الفلسطيني وفي حياتنا، فقد كان اخا وصديقا صادقا ، يؤثرك بدماثة اخلاقه وسعة وعمق تفكيره، مؤثرا بصورة عميقة في وجداننا ، جميعا ، وهذا ليس بغريب على هذا الجيل من القادة المؤسسين الذين حملوا هذه الفكرة وصنعوا تلك الثورة التي ملأت آفاق الدنيا ضجيجا بحثا عن الحرية والاستقلال.

لقد كان الاخ زكريا عبد الرحيم موسوعة تاريخية ساعدنا بالكثير من التفاصيل عن البدايات والتأسيس لحركة فتح ، والتي تم تضمينها في موسوعة حركة فتح بين المقاومة والاغتيالات ، فقد كان من اوائل الملتحقين بركب الثورة الفلسطينية ، في منتصف عام 1963م، عندما قام القائد المؤسس زهير العلمي، الذي كان يعمل مدرسا بالجامعة الأمريكية بلبنان في حينه، بتنظيم كل من الاخوة زكريا عبد الرحيم، أحمد الأطرش، وجلال كعوش، لتصبح هذه المجموعة اللبنة الأولى لحركة فتح في لبنان، حيث تولى الأخ ابو يحيى تنظيم الكثير من المناضلين وشراء الأسلحة والمتفجرات.

وفي اعقاب اعتقال الشهيد جلال كعوش واستشهاده اصدر الاخ ابو عمار قرارا بانتقال قيادات حركة فتح المتواجدة في لبنان الى سورية ، وعلى رأسهم الاخ خليل ابو الوزير “ابو جهاد” والاخ زكريا عبد الرحيم (أبو يحيى) والاخ أحمد الأطرش، وكانت منازل أعضاء الحركة بمثابة مكاتب ومقرات لها، وكان أهم مركزين للقيادة في دمشق هما المسكن الذي كان يقيم فيه ياسر عرفات وأبو العبد العكلوك وزكريا عبد الرحيم، في منطقة المزرعة في دمشق، وكان المركز الثاني هو السكن الذي أقام فيه أبو علي إياد في منطقة حي زقاق الصقر، ومنزل ابو جهاد في منطقة ركن الدين.

وشاءت الاقدار ان يكون زكريا عبد الرحيم “ابو يحيى” شاهدا على واحدة من أخطر الأزمات التي شهدتها حركة فتح في 9/5/1966م ، عندما حاول أحمد جبريل ويوسف عرابي، بتحريض اللجنة المركزية لحركة فتح في الكويت اصدار قراراً بعزل ياسر عرفات من قيادة قوات العاصفة وتعيين يوسف عرابي بدلا منه. وعندما وصلت طائرة جزائرية تحمل أول شحنة اسلحة لحركة فتح ، حضر يوسف عرابي الى المنزل الذي يقيم فيه ابو عمار يرافقه الملازم أول عدنان العالم (سوري الجنسية)، وبادر بسؤال زكريا عبد الرحيم وابو العبد العكلوك ومحمد حشمة عن أماكن تخزين الأسلحة التي وصلت من الجزائر، وحدث اشتباك بالأيدي، تدخل فيه عبد المجيد الزغموط الذي حاول تهدأة الموقف واطلق رصاصة اصابت يوسف عرابي بالخطأ وقام الضابط السوري باطلاق النار واصاب محمد حشمة الذي توفى فورا ، وقامت القوات السورية باعتقال زكريا عبد الرحيم وأبو العبد العكلوك والملازم عدنان العالم، وقام عبد المجيد الزغموط بتسليم نفسه. ثم قامت السلطات السورية باعتقال قادة حركة فتح ومنهم ياسر عرفات، خليل الوزير، ممدوح صيدم، مختار بعباع، ووجهت تهمة إلى ياسر عرفات بأنه يقف وراء الحادث، على الرغم من ان الاخ أبو عمار والاخ أبو جهاد في تلك الاثناء كانا في اجتماع مع ضابط المخابرات السوري فهمي مهنا.

وتشكلت محكمة عسكرية ترأسها المقدم مصطفي طلاس وأصدرت حكمها ببراءة المتهمين عبد الكريم العكلوك وزكريا عبد الرحيم، وإعدام على عبد المجيد زغموط، وظل معتقلاً في السجن لما يقارب 33 سنة حتى انتقل إلى رحمة الله عام 2000 م ، وعلى الفور استقال من عضوية اللجنة المركزية كل من: عادل عبد الكريم ياسين، عبد الله الدنان، منير سويد، محمود الخالدي، حسام الخطيب، مختار بعباع، وكان آخر ثلاثة قد انضموا لعضوية اللجنة المركزية العامة قبل أشهر قليلة. وانتهت الازمة العاصفة التي كادت ان تعصف بحركة فتح في بداياتها.

وتبوأ الاخ ابو يحيى عدة مناصب عسكرية وتنظيمية ودبلوماسية في صفوف الحركة وكان آمرًا في جهاز الرصد العسكري بحركة “فتح” ومكلفًا بمهام حماية الحركة من الاختراقات. وشارك في معركة الكرامة عام ١٩٦٨، وانتقل مع قوات الثورة الفلسطينية إلى لبنان، وشارك في العديد من المعارك دفاعًا عن الثورة الفلسطينية والوجود الفلسطيني في لبنان.

وشارك عام 1975 في تأسيس مكتب ممثلية منظمة التحرير الفلسطينية في قبرص، وكان شاهدا في عام 1978 على تفاصيل حادثة اغتيال يوسف السباعي في قبرص، حيث قام القتلة باحتجازه مع 11 رهينة من ضمن الوفود التي كانت تحضر الاجتماع ومن بينهم عضوي اللجنة التنفيذية عبد المحسن أبو ميزر وعبد الرزاق اليحيى وسفيرنا في قبرص في ذلك الوقت زكريا عبد الرحيم.

ومع عودة السلطة الفلسطينية الى ارض الوطن شغل منصب وكيل وزارة الداخلية وكان مثالا رائعا في خدمة ومساعدة المواطنين وتسهيل معاملاتهم ، وشغل الفقيد الراحل ايضا منصب سفير دولة فلسطين لدى الصين بين عامي 2002 و2005. واستطاع ان يساهم في تعميق العلاقات الفلسطينية الصينية في تلك الفترة العصيبة من تاريخ قضيتنا الوطنية.

لقد كان القائد الراحل مناضلاً شجاعًا صلبًا عن شعبنا الفلسطيني وقضيتنا العادلة ومخلصًا ووفياً لمباديء الحركة والثورة الفلسطينية وثوابت شعبنا الوطنية التي آمن بها من أجل تحرير فلسطين واقامة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس.

وبهذا المصاب الجلل اتقدم من ابناء شعبنا ، بصورة عامة، وعائلة الفقيد، بصورة خاصة، بأحر التعازي ، داعيا الله عز وجل أن يتغمده بواسع رحمته وأن يسكنه فسيح جناته وأن يلهم أهله وذويه الصبر والسلوان.

المجد والخلود لشهدائنا الأبرار

وإنها لثورة حتى النصر

اللواء محمود الناطور “ابو الطيب”

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى