اللواء محمد إبراهيم الدويري يكتب - البوصلة المصرية في الاتجاه الصحيح - مركز الناطور للدراسات والأبحاث
Take a fresh look at your lifestyle.

اللواء محمد إبراهيم الدويري يكتب – البوصلة المصرية في الاتجاه الصحيح

0 167

اللواء محمد إبراهيم الدويري *- 1/3/2021

بداية، لست مع أولئك الذين يتحدثون بين حينٍ وآخر ويشيرون في أحاديثهم بحسن نية إلى جملة “إن مصر لن تسقط”، وذلك لأن كلمة السقوط لا مجال لها على الإطلاق في مفردات القاموس الذي أتعامل به مع الدولة المصرية العظيمة. ومن هذا المنطلق فإني دائمًا أتساءل بيني وبين نفسي: كيف تسقط دولة يحفظها الله عز وجل وذكرها في كتابه الكريم؟ وكيف تسقط أقدم دولة عرفها التاريخ؟ وكيف تسقط دولة عمرها آلاف السنين؟ وكيف تسقط دولة أكرمها الله بهذا الشعب العظيم؟ وكيف تسقط دولة تحكمها قيادة سياسية وطنية متفانية لا هم لها سوى رفعة وتقدم هذا البلد؟ وكيف تسقط دولة حباها الله بجيش وطني يحمي أمنها القومي من أية مخاطر تهددها؟.

وفي الوقت نفسه فإني أحاول من وقت لآخر أن أقوم بعملية مراجعة لمسارالتحركات المصرية على المستويين الداخلي والخارجي، وأن أستعرض بكل شفافية ومصداقية ما يمكن أن أسميه بكشف حساب لإنجازات الدولة وما تحقق منها وما سوف يتحقق، وذلك من منطلق أنني مواطن مصري يهتم كثيرًا بشئون بلاده، ويرنو دائمًا إلى أن يرى مصر الغالية تتبوأ مكانتها العالية التي تستحقها بين دول العالم، حيث إن هذه المكانة المنتظرة هي قدرها الطبيعي الذي لا بد أن تصل إليه في يومٍ من الأيام مهما كان الطريق غير معبدٍ ومهما كان المسار غير ممهدٍ.

وبالتالي فإني أستخدم عند تقييمي لمسار السياسات المصرية المختلفة تعبير البوصلة المصرية، ولعلي لا أستبق الأحداث إذا أكدت أن اتجاهات هذه البوصلة تشير إلى أن مصر تتحرك في المسار السليم، وأن خطوات التقدم المتسارعة وغير المسبوقة على المستوى الداخلي، وكذا السياسات الإيجابية على المستوى الخارجي، تؤكد كلها صحة هذا المسار وسلامة هذا التحرك، ولا شك أن قمة الإنجاز تتمثل في أن كل النجاحات التي تتحقق تأتي في وقت تواجه فيه مصر العديد من الصعوبات والمخاطر، ولكنها تتحرك وهي مؤمنة بقدرتها على قهر هذه المصاعب.

ركائز السياسة الداخلية

من الضروري أن نحاول إلقاء الضوء على ركائز السياسة الداخلية الحالية والتي من الواضح أنها تستند إلى مبدأ رئيسي مفاده العمل المكثف لإعادة بناء الدولة المصرية على أسس حديثة وذلك من خلال ما يلي:

بدء عمل المؤسسات البرلمانية (مجلسي النواب والشيوخ) من أجل دعم متطلبات الدولة ومصالحها العليا، وتظل الآمال معلقة على الدور الهام الذي تقوم به هذه المؤسسات الوطنية لرفع شأن الوطن والمواطن، بالإضافة إلى تفعيل الحياة الديمقراطية.

وضع وتنفيذ خطة متكاملة للمشروعات القومية الكبرى تشمل كافة المجالات الرئيسية وتوفير الميزانيات اللازمة لها (العاصمة الإدارية الجديدة – تشييد مدن جديدة في معظم المحافظات – شبكات الطرق على مستوى الدولة – الكهرباء – البنية التحتية – الاتصالات والتحول الرقمي – زراعة مئات آلاف الأفدنة – الاستزراع السمكي – دعم الصناعات والمشروعات المختلفة – تطوير السكك الحديدية وتحديث قطاع المواصلات).

تحسين كافة الأمور المرتبطة بحياة وكرامة المواطن المصري ومستوى معيشته وجوانب حياته الاجتماعية (مبادرات مائة مليون صحة – القضاء على فيروس C – توفير الإمكانيات الضرورية لمواجهة فيروس كورونا والبدء في توفير ملايين اللقاحات – مبادرة حياة كريمة – بناء الأحياء الجديدة بدلًا من العشوائيات “أحياء الأسمرات” – بناء العديد من المستشفيات والمراكز الطبية في العديد من المحافظات – المشروع العملاق غير المسبوق الخاص بتطوير الريف المصري – معالجة الآثار الاجتماعية لبرنامج الإصلاح الاقتصادي).

دعم القوات المسلحة المصرية لتكون قادرة على الحفاظ على الأمن القومي المصري، وتنفيذ أية مهام داخلية وخارجية، وذلك استنادا إلى مبدأين رئيسيين، أولهما تحديث عملية التسليح لتشمل أكثر الأسلحة تطورًا في العالم، وثانيهما تنويع مصادر السلاح حتى لا يتم الاعتماد على مصدر واحد.

الاستمرار في عملية الإصلاح الاقتصادي التي أدت إلى تعافي الاقتصادالمصري رغم أزمة فيروس كورونا التي أثرت على أهم اقتصادات العالم، ولا شك أن النتائج الإيجابية لهذه السياسة الاقتصادية أدت إلى اعتراف أهم المؤسسات الدولية بالإنجازات التي حققها الاقتصاد المصري مؤخرًا، ومن بينها (زيادة معدل النمو الاقتصادي – تراجع نسب التضخم – ارتفاع الاحتياطي النقدي – تراجع معدلات البطالة).

تهيئة الشباب المصري ليكون قادرًا على تحمل المسئولية في قطاعات الدولة المختلفة، وبدء تولي البعض منهم مناصب تنفيذية وبرلمانية، وهو ما يعد ترجمة فعلية لمقولة وقناعة السيد الرئيس بأن الشباب هم عماد الأمة.

ركائز السياسة الإقليمية

وعلى المستوى الإقليمي، هناك العديد من الأسس التي تستند عليها التحركات المصرية، يتمثل جوهرها في الانخراط الإيجابي المحسوب في القضايا الإقليمية، وهو ما يمكن توضيحه على النحو التالي:

القيام بدور إيجابي في الأزمة الليبية، تعتمد قاعدته على التعامل مع كافة أطياف المجتمع الليبي دون استثناء، مع طرح رؤية شاملة لحل هذه الأزمة من خلال بلورة رؤية ليبية – ليبية ساعدت على بدء المسار السياسي الذي أسفر عن تشكيل سلطة تنفيذية جديدة تمهيدًا لإجراء الانتخابات الليبية في 24 ديسمبر خلال هذا العام 2021.

التحرك المكثف من أجل ترتيب البيت الفلسطيني، واستضافة الحوارات التي تُمهد للانتخابات الفلسطينية التشريعية والرئاسية والمجلس الوطني خلال الفترة من مايو وحتى أغسطس القادم، وبما يساهم في التمهيد للمرحلة القادمة التي يمكن أن تشهد استئناف المفاوضات الفلسطينية-الإسرائيلية وصولًا إلى تطبيق مبدأ حل الدولتين.

عدم إغلاق المجال أمام استئناف المفاوضات الخاصة بسد النهضة، على أمل أن تنجح في الوصول لاتفاق عادل وملزم يحقق مصالح الأطراف الثلاثة رغم كافة العقبات التي يثيرها الجانب الإثيوبي حتى الآن، ولا تزال مصر تتيح الفرصة لإنجاح أية جهود وساطة جديدة، سواء على المستوى الإفريقي أو المستوى الدولي. وفي كل الأحوال فإن المبدأ الذي تلتزم به القيادة السياسية أن مصر لن تفرط مطلقًا في حقوقها المائية، وما زلنا نأمل في أن نتوصل إلى ذلك من خلال المفاوضات.

تحويل منتدى غاز المتوسط إلى منظمة إقليمية، واستثمارها كنقطة انطلاق نحو تعاون إقليمي ودولي في هذا المجال، وهو ما سيؤدي بدوره إلى أن تكون مصر مركزًا إقليميًا للطاقة، وهو ما يعني في النهاية دعم وضعية مصر على المستويين الاقتصادي والسياسي.

بناء تحالفات استراتيجية تزيد من قوة الدولة المصرية على كافة المستويات في مواجهة أية تكتلات أو أية مشروعات ذات أهداف خاصة. ويمكن في هذا المجال الإشارة إلى العلاقات المصرية المتميزة ولقاءات القمة المتكررة للقيادة السياسية مع قيادات كل من العراق والأردن من جهة، ومع رؤساء كل من اليونان وقبرص من جهة أخرى.

دعم العلاقات مع دول الخليج بصفة عامة، مع التحرك المرشد لتنفيذ الاتفاق الذي تم توقيعه في مدينة العلا السعودية في الخامس من يناير 2021 لإنهاء الأزمة الخليجية بما يحقق المصالح المصرية.

ركائز السياسة الدولية

أما على المستوى الدولي فيمكن القول إن مصر بحجمها ووضعيتها وشعبها وقيادتها تتمتع بوضعية خاصة على المستوى الدولي، وتنتهج سياسة متوازنة مع جميع الدول، ومن الواضح أن العلاقات المصرية مع الولايات المتحدة سوف تحظى بأهمية خاصة خلال الفترة القادمة في ظل وجود إدارة أمريكية ديمقراطية جديدة، وهنا أشير إلى ما يلي:

أن مصر قادرة بامتياز على صياغة علاقتها مع الإدارة الأمريكية الجديدة بالشكل الذي يحقق مصالح الدولتين اللتين تحرص كل منهما على استمرارية وتطوير هذه العلاقة، ومن المؤكد أن العلاقات الثنائية بين الدولتين كانت في معظم مراحلها علاقات إيجابية، وحتى في المراحل القليلة التي شهدت بعض الجوانب السلبية -وهو أمر طبيعي أن يحدث في علاقات الدول– فقد تم احتواؤها تحت مظلة استراتيجية العلاقة بين الدولتين.

أن مصر تظل قادرة على أن تعالج أية اختلافات في بعض القضايا الثنائية مع واشنطن بشكل ناجح، بما في ذلك تلك القضية التي تثيرها إدارة الرئيس “بايدن” بشأن حقوق الإنسان، مع الأخذ في الاعتبار أن مصر تعاملت بنجاح مع العديد من الإدارات الديمقراطية، وفي كل الأحوال فإن مصر لم ولن تقبل أن يتدخل أحد في شئونها الداخلية كما لا تتدخل هي في الشئون الداخلية لأية دولة.

أن موافقة إدارة “بايدن” على بيع صفقة الصواريخ لمصر مؤخرًا هي خطوة يجب الوقوف عندها كثيرًا في إطار تقييم العلاقات الثنائية مع واشنطن، وتحسب بالقطع لصالح مصر ووضعيتها وطبيعة العلاقة مع واشنطن خلال المرحلة القادمة، حيث أكدت الخارجية الأمريكية أن هذه الصفقة تدعم السياسة الخارجية والأمن القومي الأمريكي لأن مصر تعد شريكًا استراتيجيًا مهمًا في الشرق الأوسط.

ومن ناحية أخرى، قد يكون من المهم التأكيد على تنوع وتميز العلاقات المصرية مع الدول الأوروبية والآسيوية، خاصة مع كل من فرنسا وألمانيا وبريطانيا وإيطاليا، وأيضًا مع كل من روسيا والصين والهند وباكستان، بالإضافة إلى الدول الإسلامية والإفريقية والمنظمات الإقليمية والدولية، وهي كلها علاقات من شأنها أن تُضفي مزيدًا من القوة على الموقف المصري سياسيًا واقتصاديًا.

متطلبات المرحلة القادمة

وفي ضوء ما سبق فإن كافة هذه التحركات تؤكد أن البوصلة المصرية تشير إلى الاتجاه الصحيح، وأن الدولة تسير بخطوات محسوبة وعلى قاعدة صلبة في كافة المجالات الداخلية والخارجية، وهو الأمر الذي يتطلب خلال المرحلة المقبلة ما يلي:

استمرار امتلاك الدولة زمام المبادرة في دفع جهود التنمية في مختلف المجالات التي تشهد طفرات نوعية، خاصة في ظل المتابعة الحثيثة والدؤوبة والمتواصلة التي يقوم بها السيد الرئيس “عبدالفتاح السيسي” للاطمئنان على سير العمل في مختلف المشروعات الحالية وفي مختلف المواقع.

أهمية الحفاظ على الدعم الشعبي الكبير للقيادة السياسية التي تؤمن إيمانًا راسخًا وعن قناعة كاملة بأن الظهير الشعبي يعد السند الرئيسي لقوة الدولة، وليس أدل على ذلك من أن السيد الرئيس “عبدالفتاح السيسي” أكد أكثر من مرة أن الشعب المصري هو الذي أدى إلى إنجاح برنامج الإصلاح الاقتصادي وتحمل أعبائه، ولعلي لا أضيف جديدًا عندما أشير إلى أن السيد الرئيس على حق تمامًا وهو يؤكد بصفة دائمة على صلابة وقوة ووحدة هذا الشعب العظيم، وأن كل الإنجازات التي تتحقق على الأرض تصب في صالح المواطن المصري.

ضرورة قيام الإعلام بعرض جهود وإنجازات القيادة السياسية التي تعمل ليل نهار بالشكل الذي يصل مباشرة إلى الرأي العام المصري على مختلف مستوياته بصورة واضحة ومبسطة تستوعبها وتتفهمها الأغلبية، مع كل تقديري للجهد الكبير الذي يبذله الإعلام المصري في هذا الشأن.

مواصلة انخراط مصر في القضايا الإقليمية، خاصة تلك القضايا المتعلقة بالأمن القومي المصري، وذلك من منطلق أن أي فراغ تتركه مصر لأية أسباب تملؤه بعض الأطراف التي قد تكون لديها أجندات خاصة تتعارض مع المصالح المصرية. ولا شك أن هذا الاشتباك مع قضايا المنطقة يمنح مصر مزيدًا من القوة والقدرة على أن تكون لها كلمتها ورؤيتها على المستوى الدولي، خاصة وأن القيادة السياسية برئاسة الرئيس “عبدالفتاح السيسي” تحظى باحترام وتقدير العالم كله.

*نائب المدير العام للمركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية .

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.