أقلام وأراء

اللواء متقاعد أحمد عيسى: طوفان الأقصى يكشف أن مفهوم الأمن القومي للإئتلاف الحاكم في إسرائيل هو تهديد وجودي للدولة

اللواء متقاعد أحمد عيسى 7-7-2024: طوفان الأقصى يكشف أن مفهوم الأمن القومي للإئتلاف الحاكم في إسرائيل هو تهديد وجودي للدولة

يجادل كثير من أصحاب الرأي في إسرائيل (عسكريون وسياسيون وأكاديميون) أن عملية طوفان الأقصى والرد الإسرائيلي الغرائزي عليها، قد عمقا قناعة نسبة عالية من مواطني الدولة اليهود في أن سياسات الإئتلاف الحاكم في إسرائيل بزعامة بنيامين نتنياهو نحو الفلسطينيين، تُشكل التهديد الوجودي الأبرز للدولة ووجودها في مصفوفة التهديدات الإستراتيجية التي تواجه الأمن القومي الإسرائيلي منذ بداية الألفية.

يسعى هذا المقال الى فحص إذا ما كانت هذه السياسة حقاً تشكل تهديدا وجوديا للدولة، واذا ما كان بمقدور قيادة إسرائيل الحالية إخراج إسرائيل من هذا المأزق.

وفي سعيه هذا، سيطبق المقال منهج تحليلي يقوم على مقارنة مفهوم الحكومة الحالية مع المعنى الإجرائي لمفهوم الأمن القومي الذي يشار اليه في اسرائيل بمعادلة الأمن القومي، والذي درجت إسرائيل على توظيفه في تأطير أولوياتها واختيار وسائلها وتحديد ما يتوجب عليها عمله وما يحظر عليها القيام به لتحقيق غاياتها.

فما هو المفهوم المعروف للأمن القومي الإسرائيلي أو (مفهوم بن غوريون)؟  وما هومفهوم الحكومة الحالية أو مفهوم نتنياهو؟ وهل ثمة اختلافات بين المفهومين؟ وهل هي إختلافات مفاهيمية أم إجرائية تتعلق بالتطبيقات العملانية للمفهوم، خاصة ما يتعلق بكفاءة النخبة؟ وما هو دورعملية  طوفان الأقصى والرد الإسرائيلي عليها في كشف وتعميق المأزق الناتج عن الإختلاف بين المفهومين؟ وهل ثمة إحتمالات لنجاح مفهوم نتنياهوفي صناعة وتثبيت الوجود؟ وسيحاول هذا المقال الإجابة عن هذه الأسئلة من خلال جزئين، يتناول الجزء الأول الأسئلة الثلاثة الأولى، فيما يجيب الجزء الثاني عن باقي الأسئلة.

أما حول المفهوم المعروف للأمن القومي الإسرائيلي، فيحسب لرئيس الوزراء الأول بن غوريون أنه وضع في مطلع خمسينيات القرن الماضي الركائز الثلاث التي يقوم عليها المفهوم (الردع والإنذار المبكر والحسم السريع)، وذلك لحماية وجود الدولة وتثبيته في المنطقة، ويحسب بالمقابل للعقيد ايجال الون أحد معاوني بن غوريون بأنه قدم بعد مرور ثلاثين سنة تقريبا على مساهمة بن غوريون، مفهوما إجرائي للأمن القومي الإسرائيلي، طوره لاحقا في معادلة أطلق عليها اسم معادلة الأمن القومي لإسرائيل.

وكان آلون قد عرف الأمن القومي الإسرائيلي تعريفاً يشار اليه في الأوساط الأكاديمية بالمعنى الإجرائي للأمن القومي، الذي يرى أن الأمن القومي للدولة هو “محصلة إتصالات الدولة المتبادلة مع بيئتها الإقليمية والدولية، بحيث تعكس هذه المحصلة: قوة الدولة، وإستعدادها، ووسيلتها، وقدراتها التنفيذية للدفاع عن مصالحها الحيوية، وتحقيق غاياتها القومية”، ثم رأى أن المتغيرات المتضمنة في التعريف تصلح أن تُصاغ في معادلة تربط بين طرفين كما هي المعادلة الرياضية، تقف القدرات القومية في الطرف الأول، والغايات القومية في الطرف الآخر، وتربط بينهما الوسيلة.

وفي سياق شرحه للمعادلة أضاف الون أنه إذا كانت إسرائيل تريد تأمين سلامتها وسيادتها وكرامتها وازدهارها ومواصلة تحقيق أهداف الصهيونية، عليها المحافظة على تطوير قدراتها، واختيار الوسائل الملائمة.

من جهته، أسس الإئتلاف اليميني الحاكم في إسرائيل مفهومه للأمن القومي على قاعدة فكرية مفادها أنه “من أجل ضمان أمن إسرائيل يتوجب على إسرائيل أن تكون أقوى من أعدائها عسكريا”، كما جاء في وثيقة وسمها واضعوها باسم “المبادرة السياسية الجديدة” صدرت في شهر مارس/آذار الماضي عن معهد “متفيم -مسارات” وهو معهد متخصص بالسياسات الخارجية الإقليمية وصندوق بيرل كتسنلسون، حيث شارك في إعداد الوثيقة طاقم من الخبراء الإسرائيليين في مجالات السياسة والأمن القومي والإقتصاد، وحررها الدكتور العقيد احتياط عومر تسنعاني الذي شغل سابقا منصب مستشار في ديوان رئيس الوزراء لشؤون السياسات والأمن القومي.

ورغم أن وثيقة (معهد متفيم) لم تقدم شرحا موسعا لمفهوم الأمن القومي الذي تتبناه الحكومة الحالية، إلا أنها اعتبرت أن القوة العسكرية ومراكمتها وتوظيفها، هي المتغير الأساسي الذي يقوم عليه المفهوم.

في الواقع يتفق ما قدمته وثيقة ميتفيم حول الأساس الذي يقوم عليه الأمن القومي للحكومة الحالية مع رؤية نتنياهو للأمن القومي كما عبر عنها في وثيقة بدأ في صياغتها العام 2017، وسُربت في العام 2019، واطلق عليها “وثيقة نتنياهو للأمن القومي”، وأعادت نشرها صحيفة “هآرتس” العام 2023 تحت عنوان “بالإمكان إنهاء المعركة بدون حسم قاطع” حيث جمع نتنياهو في مقاربته للأمن القومي بين المنظار الواقعي في تفسير المسألة الأمنية الذي يعتبر الدولة هي مرجعية التحليل الأساسية، وأن القوة العسكرية هي أساس قيام الدولة بواجباتها في حفظ الأمن، وبين تنظير قدمته مدرسة كوبنهاجن التي استمدت أصولها التنظيرية في العلاقات الدولية من مساهمات (باري بوزان) الذي طور نموذج الأبعاد والمستويات في تحليل المسألة الأمنية.

 ويكفي هذا للوقوف على محاور الإختلاف بين مفهوم الحكومة الحالية للأمن القومي، وبين المفهوم الذي قدمه بن غوريون  وطوره لاحقا ايجال آلون والذي لا زال فاعلا في المؤسسة العسكرية الإسرائيلية.

وترى هذه المقالة أن الإختلاف ينحصر في مسألتين، تتعلق الأولى في مكانة القوة العسكرية في المفهوم، فبينما يقوم مفهوم الحكومة الحالية للأمن القومي على القوة العسكرية والتفوق العسكري على الأعداء، ترى معادلة الأمن القومي لإسرائيل أن القوة العسكرية ما هي إلا أحد مكونات القدرة القومية للدولة التي هي محصلة الجمع بين القوة العسكرية والجاهزية القومية وهذه الأخيرة تشمل الى جانب متغيرات أخرى (المناعة القومية والإجماع على الغاية القومية وقدرة المجتمع على الصمود ودعم المجهود الحربي).

ويخص الإختلاف الثاني كفاءة النخبة سواء على صعيد متخذي القرار في الدولة أو على صعيد دور أجهزة التنبؤ (الإستخبارات)، حيث تحتل النخبة دورا رئيسي في مكونات معادلة الأمن القومي (القدرة والوسيلة والغاية) فهي التي تحدد الغاية و الوسيلة وهي الجهة التي تقف على حقيقة القدرة، وتسعى لترميم نقاط ضعفها وتعزيز نقاط قوتها، كما أنها الجهة التي عليها متابعة معادلات الأمن القومي للأطراف الأخرى سواء المعادية أو الصديقة والحليفة واتجاهات سيرها التاريخي، إذا ما كانت تسير في نفس مسار معادلة الأمن القومي للدولة، أو في اتجاه مضاد. في المقابل يرى كثيرمن الخبراء في الأمن القومي الإسرائيلي بما في ذلك المقربون من نتنياهو، أن أجهزة الاستخبارات غير كفؤة وقد ثبت فشلها قبل الحرب الجارية وخلالها.

وفي هذا الشأن يجادل يعقوب عميدرور في تقدير موقف نشره “معهد القدس للإستراتيجية والأمن” يوم الثلاثاء 21/5/2024، بالقول “في السابع من اكتوبر كانا عاملا المفاجئة والفشل أبرز السمات الرئيسية لإسرائيل على المستويات السياسية والإستخبارية، والعسكرية، سواء على صعيد الدفاع أو على صعيد الرد الفوري، إذ كان هذا الرد غريزيا واتسم بالفوضى وابتعد عن التفكير المنظم، أي انه كان ردا بدون تخطيط منظم”.

وختم عميدرور تقديره بالقول “في ضربة واحدة انهار كل النظام الدفاعي لإسرائيل في الجنوب، وكان نجاح حماس في ذلك مذهلاً”، ويعتبر عميدرور من المقربين فكريا وسياسيا من رئيس الوزراء نتنياهو، وشغل سابقا رئيس مجلس الأمن القومي الإسرائيلي ويعمل الآن باحثا في معهد القدس للإستراتيجية والأمن.

ما تقدم يظهر أن الحكومة الحالية قد إبتعدت كثيراً في مفهومها للأمن القومي عن مفهوم بن غوريون  وآلون، إذ قام مفهوم الحكومة الحالية على القوة العسكرية على حساب الجاهزية القومية، بينما يهتم مفهوم بن غوريون وآلون على القدرة القومية التي تجمع بين القوة العسكرية والجاهزية، وهذه الأخيرة غير متوفرة في حالة إسرائيل اليوم كما أظهرت استطلاعات الرأي التي أجراها معهد إسرائيل لدراسات الأمن القومي (INSS)  ونشرها في تقرير خاص يوم الأحد الموافق 19/5/2024.

وفيما ركزت معادلة آلون على مكانة وكفاءة النخبة في معادلة الأمن القومي، أثبتت عملية طوفان الأقصى والرد الإسرائيلي عليها أن النخبة التي تقود إسرائيل اليوم هي نخبة فاشلة وغير كفؤة للقيادة سواء في الفترة التي سبقت السابع من اكتوبر أو بعدها، الأمر الذي جعل مفهوم الحكومة للأمن القومي والسياسات المستمدة منه بمثابة تهديد وجودي للدولة كما عبرت عنه وثيقة ميتفيم. 

(2)

 

أجاب الجزء الأول من هذا المقال على ثلاثة أسئلة هي ما هو المفهوم المعروف للأمن القومي الإسرائيلي أو (مفهوم بن غوريون)؟  وما هومفهوم الحكومة الحالية أو مفهوم نتنياهو؟ وهل ثمة اختلافات بين المفهومين؟ وهل هي إختلافات مفاهيمية أم إجرائية تتعلق بالتطبيقات العملانية للمفهوم، خاصة ما يتعلق بكفاءة النخبة؟

في هذا الجزء سيجيب المقال على سؤالين إثنين هما ما هو دورعملية  طوفان الأقصى والرد الإسرائيلي عليها في كشف وتعميق المأزق الناتج عن الإختلاف بين المفهومين؟ وهل ثمة إحتمالات لنجاح مفهوم نتنياهوفي صناعة وتثبيت الوجود؟

أما حول دور عملية طوفان الأقصي والرد الإسرائيلي عليها في كشف وتعميق مأزق إسرائيل الأمني، فتجادل هذه المقالة أنه فيما تعتبر عملية طوفان الأقصى والرد الإسرائيلي عليها عوامل كاشفة للمأزق وليس عوامل منشئة له، إلا أنها في نفس الوقت ترى فيهما عوامل مساهمة في تعميق المأزق وايصاله الى نقطة لم يعد فيها قابل للحل.

وينبغي هنا التوضيح أن القلق على مستقبل الدولة وقدرتها على الحفاظ على وجودها قد رافق الدولة منذ الإعلان عن قبامها وكان هذا القلق هو الدافع والمحرك الأساس لتطوير بن غوريون مفهومه للأمن القومي، ويلاحظ أن هذا القلق قد بدأ يخرج للعلن ويطفو على سطح الجدل الفكري والسياسي في الأوساط الأكاديمية والسياسية والعسكرية الإسرائيلية منذ بداية الألفية الجديدة.

وقد وصل هذا السجال ذروته في العام 2005، عندما قرر شارون رئيس الحكومة في حينه الإنسحاب أحادي الجانب من غزة، حيث انقسم المجتمع الإسرائيلي السياسي حول هذا القرار الى معسكرين ما بين مؤيد ومعارض، وقف على راس المعسكر الأول شارون، الذي انسحب على اثر هذا الإنقسام من حزب الليكود الحاكم وشكل حزب جديد اطلق عليه اسم كاديما، ووقف على راس المعسكر الثاني رئيس الوزراء الحالي نتنياهو.

وكان الخبير في دراسات الجيوبولتيك المعروف جورج فريدمان من أوائل من تناول مخاطر هذا الإنقسام على مستقبل إسرائيل وقدرتها على المحافظة على الوجود، لا سيما وأنه انقسام بين مقاربات أمنية للمعسكرين حول التهديدات المتوقعة للدولة في المدى المتوسط والبعيد وذلك في مقال له نشره موقع ستراتفور (Global Intelligence) الأمريكي العام 2007، حمل عنوان الإنسحاب من غزة ومأزق إسرائيل الدائم.

إذ فيما والقول لفريدمان, تبنى شارون مقاربة أمنية ترى أن التطورات الجارية في البيئة الإستراتيجية لإسرائيل تتضمن مصفوفة من التهديدات المتوقعة التي لا يمكن لإسرائيل النجاح في مواجهتها بنفس تموضعها الإستراتيجي ما قبل الألفية الجديدة، حيث ستساهم هذه التحولات سواء الجارية أو تلك المتوقعة في المنطقة والعالم الى إحداث خلل جسيم في معادلة الأمن القومي الإسرائيلي، لا سيما في ما يتعلق باتجاه مسار المعادلة مع معادلات الدول الصديقة لإسرائيل وكذلك الدول والقوى المعادية لها، مما يفرض على إسرائيل تصويب مسار معادلتها بما يضمن عدم التصادم مع المعادلات الأخرى خاصة معادلة الولايات المتحدة الأمريكية التي يعتبر التحالف معها أحد الركائز التي يقوم عليها الأمن القومي الإسرائيلي.    

وتاسيساً على ذلك رأى شارون وبصفته أحد جنرالات الجيش، أن تصويب مسار معادلة الأمن القومي الإسرائيلي يفرض على إسرائيل الإنسحاب أحادي الجانب من غزة إذ لا يمكن للجيش مواجهة التهديدات المتوقعة التي تتضمنها التحولات الجارية في المنطقة والعالم في ظل إستمرار بقاء أعداد كبيرة منه لحماية عدد قليل من المستوطنين في غزة، مما يستدعي التخلص من عبئ البقاء في غزة، حتى لو كان ثمن ذلك خروج بعض العمليات من غزة ضد إسرائيل، حيث يمكن للدولة أن تتحمل هذه العمليات ولكن لا يمكنها تحمل التهديدات المتوقعة، وحجته في ذلك كانت أن (أمن الدولة يتقدم على أمن الأشخاص).  

ومقابل ذلك تبنى المعسكر الثاني بقيادة نتنياهو زعيم المعارضة في حينه، مقاربة تقول أن أمن الأشخاص هو اولوية عليا دائمة لإسرائيل، وأن الحديث عن تهديدات وجودية متوقعة للدولة في المدى المنظور هو شكل من أشكال الترف الفكري، وحجته في ذلك أن إسرائيل تمتلك من فائض القوة العسكرية ما يمنع أعدائها من مجرد التفكير بالمبادرة الى مهاجمتها.

وهنا تجادل هذه المقالة أن عملية طوفان الأقصى والرد الإسرائيلي عليها بشن حرب إبادة جماعية ضد الفلسطينيين، قد كشفت عن خطأ التقديرات والإفتراضات التي قامت عليها مقاربتي شارون ونتنياهو، فمن جهة مقاربة شارون ها هي المقاومة الفلسطينية في غزة قد بادرت الى عملية أكبر من قدرة إسرائيل على إحتمالها كما حاجج شارون، ومن جهة مقاربة نتنياهو فها هي المقاومة في غزة قد بادرت لمهاجمة إسرائيل على الرغم من اللاتماثل في القوة العسكرية بين الطرفين كما حاجج نتنياهو في مقاربته.

وعلاوة على ذلك  كشفت سرعة إنخراط جبهات أخرى لمساندة غزة في مواجهة حرب الإبادة الجماعية التي تشنها إسرائيل عليها عن خطأ  آخر للمقاربتين، يتعلق بعزل جبهة غزة عن باقي الجبهات، سواء كما راهن  شارون بأن الإنسحاب أحادي الجانب من غزة سيعزلها عن باقي الجبهات، أو كما راهن نتنياهو بأن إغراء حماس بالسلطة والحكم والمال سيبعدها عن باقي الساحات كما افترض نتنياهو، الأمر الذي يتجلى بوضوح ايما وضوح انعزال جبهة غزة عن جبهات لبنان واليمن والعراق وسوريا والضفة الغربية بما في ذلك إيران.

ومن المفارقات هنا أن طوفان الأقصى أجبر نتنياهو على التخلي عن محاججته بأن أمن الأشخاص هو أولوية عليا دائمة للدولة، وتبني محاججة شارون القائمة على أن أمن الدولة والوجود يتقدم على أمن الأشخاص، الأمر الذي يتجلي بوضوح في موضوع عدم اكتراثه بموضوع الأسرى الإسرائيليين لدى المقاومة في غزة.

والى جانب اثباتها فشل المقاربات الأمنية للمعسكرين السياسيين اللذان يتشكل منهما المجتمع السياسي الإسرائيلي، فقد أثبتت العملية فشل تقديرات الجيش الإسرائيلي وزادت من قناعة المجتمع الإسرائيلي برمته بأن المؤسسة العسكرية إنما تخدع المجتمع بمواظبتها على مدى عقود على تسويق تقدير بأن الجيوش النظامية هي مصدر التهديد الوجودي للدولة، وأن الصراع مع منظمات من خارج نظام الدولة لا تشكل تهديد وجودي ولا تؤدي الى إندلاع حرب شاملة، حيث أسقطت حرب اكتوبر 2023، هذا التقدير الذي كان قد بدأ يتصدع بعد حرب العام 2006 على لبنان كما أشار تقرير لجنة فينوغراد العام 2007.  

وكما عمقت عملية طوفان الأقصى من مأزق إسرائيل الأمني، فهكذا فعل الرد الإسرائيلي عليها، إذ بدل أن يصوب وضع إسرائيل في البيئة الإستراتيجية اصاب هذا التموضع بجروح غائرة، حيث اسقط روايتها وحول إسرائيل من دولة قامت كإستجابة للهلوكست الى دولة إبادة جماعية يجب معاقبة قيادتها كما قضت محكمتي الجنايات والعدل الدولية، وحولت الرأي العام الدولي من طرف مؤيد لإسرائيل ومتعاطف معها الى طرف معادي لها ويطالب بمعاقبتها، وفضلاً عن مساسه بعلاقات إسرائيل مع حلفائها وشركائها الإستراتيجيين، كما مس برغبة بعض الدول العربية على مواصلة التطبيع مع إسرائيل، علاوة على انه فرق المجتمع الإسرائيلي بدل من أن يوحده.

وفيما يتعلق باحتمالات نجاح مقاربة نتنياهو الأمنية في إخراج إسرائيل من مأزقها، فيبدو أن المجتمع الإسرائيلي منقسم حول ذلك الى فريقين، إذ يرى الفريق الأول والمتمثل في الإئتلاف الحاكم بزعامة نتنياهو مدعوما باراء فريق ليس صغير من متقاعدي الجيش والخبراء في الأمن القومي الإسرائيلي أمثال يعقوب عميدرور، وافرايم عنبر، وجابي سيبوني ومئير بن شابات وغيرهم، أن توظيف مزيد من القوة العسكرية التي تصل الى حد الإبادة الجماعية هي الوسيلة الوحيدة الأنجع لتحقيق النصر المطلق على العدو ولحسم وجود الدولة وإخراج إسرائيل من مأزقها، وكانت ورقة السياسات الصادرة عن معهد ميسجاف للأمن القومي والإستراتيجية الصهيونية الصادرة عن المعهد في شهر اكتوبر العام 2023، قد أوصت بذلك صراحة.

وبالمقابل يرى الفريق الثاني أن رؤية الفريق الأول قد أوصلت إسرائيل الى حضيض أمني وسياسي واجتماعي، وجعلت من السياسات المستندة اليها تهديداً وجودياً لإسرائيل، كما تجلى في الوثيقة الصادرة عن معهد متفيم والمشار اليه سابقاً.

في الواقع لا يعتبر الصوت المتضمن في الوثيقة ميتفيم هو الصوت الوحيد في هذا الشأن، وإن كان هو الأوضح حتى الآن، إذ سبقه وأعقبه أصوات كثيرة، أما الأصوات التي سبقته فتكتفي هذه المقالة بالإشارة الى الصوت الذي كان نتاج مشروع بحثي كبير نفذته مؤسستان بحثيتان كبيرتان في إسرائيل في شهر نوفمبر الماضي هما (بيرل كتسنلسون ومركز مولاد)، تحت عنوان إنهيار المفاهيم-الطريق الى إخفاق اكتوبر 2023، إذ ناقش المشروع عشرة مفاهيم، قاد إنهيارها الى انهيار الرؤية الأمنية والسياسية التي شكلت صدارة الفكر السياسي والأمني في إسرائيل وتحكمت بمخرجاته.

وأما آخر الأصوات حتى تاريخ  كتابة هذه المقالة فكان صوت الوزير جادي ايزنكوت وعضو مجلس الحرب الإسرائيلي  رئيس الأركان الأسبق للجيش، حيث قال من بين أشياء أخرى في مقابلة له مع إذاعة الجيش يوم الأربعاء الموافق 29/5/2024، أن الإئتلاف اليميني الحاكم في إسرائيل اليوم يمس بأمن إسرائيل.

وفيما تظهر تطورات المشهد الإسرائيلي أن الفجوة بين المعسكرين أخذة في الإزدياد لصالح المعسكر المشكك باحتمالات نجاح مقاربة نتنياهو، إلا أن هذا الأخير لا زال مصمم على مواصلة المراهنة على مقاربته، مما يعمق من مأزق إسرائيل ويدخلها في نفق مظلم  لا مخرج له كما كتب عشية اندلاع الحرب توماس فريدمان على صفحات النيويورك تايمز، الأمر الذي يفرض على الفلسطينيين في كل من رام الله وغزة أخذه بعين الإعتبار في تصميم إستراتيجيتهم الوطنية لمرحلة ما بعد السابع من أكتوبر.

مركز الناطور للدراسات والأبحاث  Facebook

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى