القومية والإسلام المتطرف في ليبيا توتر عنيف بين الدين والسياسة - مركز الناطور للدراسات والأبحاث
Take a fresh look at your lifestyle.

القومية والإسلام المتطرف في ليبيا توتر عنيف بين الدين والسياسة

0 323

 ترجمة: مركز الناطور للدراسات والابحاث 27/03/2012

إعداد: البروفيسورة يهوديت رونين

مركز دين لأبحاث الشرق الأوسط وإفريقيا في 21/03/2012

فجر جديد في الأول من شهر أيلول 1969 خطى ضابط عسكري شاب هو معمر القذافي (1) ذهابا وإيابا في ساحة الموقع التي تقع فيه دار الإذاعة الرسمية في بنغازي، ولسبب غير معروف تأخر الفنيون في الوصول إلى الأستوديو الذي كان ما زال يلفه الظلام، القذافي لم يخطط بأن يستهل هذا اليوم الحاسم في حياته وحياة دولته.

وفي تلك الدقائق بالضبط وكالعادة في كل صباح كان من المتوقع أن يأت المذيع مبكرا من أجل أن يوقظ سكان الدولة ومن بينهم والد القذافي الذي كان يعيش بعيدا في الصحراء وهو ملتصق كآخرين كثيرين في الدولة بترانزيستور للاستماع إلى آيات من القرآن.

ومن منظور معمر القذافي الذي نشأ في بيئة قبلية يترسخ فيها الوعي بالدين عميقا لم يكن هناك وضع أنسب من تلاوة آيات من القرآن من أجل إعداد الطريق لإعلانه المتوقع عن تغييرات دراماتيكية في  النظام.

في نهاية الأمر استخدم الأستوديو وبعد تلاوة آيات من القرآن وانطلاق الموسيقى العسكرية أعلن القذافي للشعب الليبي عن إقصاء النظام الملكي برئاسة محمد إدريس السنوسي (2)

وبكلمات القذافي (الذي أحجم في هذه المرحلة عن الإفصاح عن اسمه) أعلن عن انبلاج النور وسط الليل المظلم الطويل الذي ساد ليبيا أي إنهاء فترة الاحتلال الأجنبي والاستعباد ومن ضمن ذلك مهاجمة النظام الملكي الرجعي المتخلف (3).

القذافي أعلن عن استكمال الانقلاب العسكري الذي حمل اسم القدس أي المدينة المقدسة لدى المسلمين، القدس التي يقع في عقرها الديني المسجد الأقصى (4).

اختيار اسم القدس لم يكن بالصدفة مثلما لم يكن محض صدفة أن يختار شعار “فلسطين لنا” (5) أي للعرب المسلمين والليبيين بمجموعهم والتي استخدمت من قبل الثوريين لغرض التعريف أثناء تنفيذ الانقلاب (6).

اختيار هاتين العبارتين القدس وفلسطين لنا عكس مركزية الدين الإسلامي والقومية العربية في أجندة النظام الجديد، اعتماد القذافي على الله ودعوته لأن يبارك خطوته هي أن بركة الله التي تحمل معها وعدا بانبلاج فجر جديد على ليبيا وعلى العالم العربي الإسلامي والشرق الأوسط بأكمله لكنها أكدت البعد الإسلامي والقومي القوي الكامن في هوية النظام الجديد أثناء اعتلائه السلطة.

انقلاب القذافي رفع أثناء الإعلان عنه ثلاثة أعلام (حرية-أي تحرر من الاستعمار الغربي- الاشتراكية الإسلامية والوحدة العربية).

وحسب الانقلابيين فإن هذه الأعلام الثلاثة كانت تهدف إلى إبراز وتعزيز الهوية الإسلامية والعربية لليبيا ورفع قامتها القومية بعد ثمانية عشر عاما من الاستقلال بزعامة نظام ملكي موالي للغرب الذي اعتبر في نظرهم بأنه فشل في تعظيم مكانة الإسلام في الدولة وبأنه خدم مصالحه الشخصية ومصالح الغرب بشكل مشين على حساب الوطنية الليبية والعربية وبذلك خان الدولة الليبية ومجتمعها.

الريح الفكرية والقومية التي هبت من مصر في عهد عبد الناصر الرئيس المصري والذي كان يحظى باحترام وتقدير القذافي شكلت إلى حد كبير مفهوم الجمهورية العربية الليبية التي قامت لتوها على أنقاض الحكم الملكي (7).

رفع علم الدين لم يعكس فقط هوية الانقلابيين ونظرتهم ورؤيتهم وإنما أيضا خدمت الأهداف السياسية الفورية للنظام الجديد وزعمائه غير المعروفين، الإسلام كان هو الذي طرح القاسم المشترك الواسع وربما الوحيد في تلك الفترة بالنسبة للدولة الليبية وبالنسبة لمجتمعها المنقسم وذات مكون الهوية ومراكز القوة المختلفة بل والمتناقضة والمتخاصمة فيما بينها.

القذافي كان يدرك الأهمية الكبيرة لزخم هذه القوة الدينية الثقافية واستخدمها بشكل ناجع ومستمر من أجل تعبئة الجماهير وتوحيدها حول ثورته، كان واضحا للزعيم الليبي الجديد أنه على الرغم من التأييد لمبادئ وقيم الثورة وأهميتها بالنسبة لأوساط الجيش والأوساط الأخرى وعلى رأسها المثقفين الذين جاؤوا من المحيط الاجتماعي والجغرافي إلا أن إبعاد النظام الملكي أثار في نفس اللحظة معارضة وغضب من جانب أوساط كانت مرتبطة من ناحية اقتصادية وسياسية اعتبرت النظام الملكي التي تم إقصاؤه نظاما شرعيا اعتمد على الجذور الدينية والتاريخية السياسية العميقة للحركة السنوسية وأن هذه الحركة هي التي قامت بدور قيادي في تشكيل تاريخ معاصر لليبيا وعلى الأخص برز دورها في قيادة النضال الوطني ضد الاستعمار الإيطالي الذي احتل ليبيا عام 1911 وسيطر عليها حتى انتهاء الحرب العالمية الثانية (9).

بالإضافة إلى ذلك الملك إدريس السنوسي كان هو الذي يقف على رأس الدولة الليبية المستقلة منذ 24 ديسمبر 1951 وهو الذي حظي بالمكانة الأولى والمؤثرة لزعيم الدولة حال إقامتها وكذلك  بالاعتراف من المجتمع الدولي (10).

مركزية البعد الإسلامي في مفهوم النظام الجديد

البعد الإسلامي برز في إدارة شؤون الدولة والسلوك الشخصي والسياسي للقذافي ليس فقط خلال فترة ترسيخ ودعم سلطته وإنما أيضا طوال فترة نظامه الذي استمر أربعة عقود.

البعد الإسلامي برز في الاصطلاحات اليومية والرسمية للمؤسسات وزعامتها وكذلك برز هذا البعد في سلوكه الذي غلبت عليه الشعارات والألوان والشعائر الدينية.

ليس صدفة أن تعرّف ثورة القذافي بالثورة الخضراء وليس صدفة أن يعرض برنامجها الفكري الذي يصف نظرته في مجالات المجتمع والدولة في ثلاثة أجزاء من الكتاب الأخضر وليس صدفة أن ترفع ليبيا علمها القومي الأخضر حيث أن اللون الأخضر هو اللون المفضل في الإسلام.

وعلى هذه الخلفية يمكن أن نفهم لماذا شهد الإسلام المتطرف في ليبيا مدا في نهاية القرن العشرين والذي حاول إسقاط نظام القذافي على الرغم من طابعه الإسلامي المحض.

وهذا ما فاجأ القذافي وأصابه في الصميم.

دعوة الإسلام المتطرف في ليبيا إلى حرب الجهاد ضد النظام الكافر من أجل اجتثات سيطرته على السلطة (12) كانت دعوة تحدي للهوية السياسية والدينية للدولة ومحاولة لإحداث تحول دراماتيكي في جميع منظوماتها وكذلك إذا ما استدعى الأمر محاولة اغتيال زعيم الدولة.

هذا النشاط الإسلامي الراديكالي ضد النظام الإسلامي المحض برز بكل غرابته على الأقل في النظرة الأولى.

ومع ذلك فإن التمحيص الدقيق لهذه القضية المتعلقة بملامح السياسة الليبية وطرائق معارضة النظام (13) قد يوضح التناقض الديني الذي كان قائما ظاهريا بين جهود الإسلام المتطرف لنزع مقاليد السلطة من النظام وبين هوية النظام وجهوده التي لم تعرف الكلل والملل من أجل تعظيم مركز الإسلام في ليبيا وخارجها.

المساعدات التي قدمتها ليبيا لحركات إسلامية في الفيليبين وأوغندا وجمهورية إفريقيا الوسطى وتشاد وأماكن أخرى وكذلك تبرعاتها المالية السخية لإقامة المساجد والمدارس لتعليم الإسلام (14) دللت على الأجندة الدينية المحسوسة لدى النظام.

ومن هنا ينبغي الإفاضة في مناقشة التناقض الديني وتفحص مركزية جوانبه السياسية والصراع بين النظام الإسلامي والتآمر الإسلامي المتطرف والمرتبط بجهد من قبل القوى السياسية الدينية والثقافية وغيرها لتحقيق موقع نفوذ في مركز عصب السلطة في الدولة.

لما كان الإسلاميون -أي المسلمون الذين انتظموا في حركات إسلامية متطرفة سعت لاحتلال موقع نفوذ في السلطة- لم تكن لديهم القدرة على الصبر والانتظار لثمار العمل البطيء المعروفة في صفوف هذه الحركات والتي من أهمها الدعوة وتقديم المساعدات الاجتماعية والثقافية رغم انه كان من الواضح أنه ليست لهم قنوات سياسية وإعلامية قد تحدث التغيير فقد تعين عليهم أن يحاولوا التغلغل في النسيج المؤسسي والسياسي بأية وسيلة ممكنة.

في الواقع الليبي كانت هذه وسيلة عنف فقط نظرا لأن الطرق السياسية باستثناء تلك التي سلكها النظام مغلقة تماما، روح التطرف وعنف الإسلام المتطرف ميزت الساحة الشرق أوسطية في تلك الفترة مما دعم من مصلحتهم العاجلة وهي تقويض احتكار الحكام الجدد الذين يقودون الأمة الإسلامية إلى العلمانية والحداثة وفقدان الهوية والقيم التي تربوا عليها أو التي يتحصن بها المسلمون الحقيقيون للتأثير على التطورات الرئيسية في المجتمع والدولة.

وفاة عبد الناصر في عام 1970 كانت بمثابة موت القومية العربية وفشل جهود الوحدة من جانب ليبيا مع دول العالم العربي إلى جانب تصاعد التوترات في المنظومة السياسية في طرابلس مما دفع القذافي إلى تعزيز منظومة سلطته في الساحة الداخلية والخارجية، وبينما كان يجري تحولا حادا نحو الاتحاد السوفييتي ويبتعد عن العالم العربي ويقترب من إفريقيا طرح القذافي إصلاحات بالداخل فقد صب فكره السياسي (النظرية العالمية الثالثة) في صفحات الكتاب الأخضر الذي سرعان ما أصبح أداة لتسيير شؤون المجتمع في المجالات السياسية والاجتماعية والاقتصادية مع التركيز على نظرته حول القوتين الرئيسيتين الدين والقومية، اللتان تحركات التاريخ الإنساني.

وفي السياق الليبي كان واضحا أنه كان يقصد بالإسلام والقومية العربية إذ أنه على الرغم من غروبها غير المشرف إلا أن القذافي وجد صعوبة في الانفصال عنها شعوريا وإيديولوجيا.

القذافي والإسلام المتطرف حرب البقاء في السلطة

في نهاية الثمانينات وبعد عقدين حيث أن معضلة الإسلام المتطرف ونشاطه ضد النظام لم تطرح على الأجندة العامة أو على جدول الأعمال السياسي العلني ومن المؤكد أنها لم تكن معروفة كظاهرة في الحياة الليبية، كشف القذافي ولأول مرة عن تهديدات الإسلام المتطرف لقيم المجتمع الليبي وموقعه في السلطة.

عشرة من مواطني الدولة بعضهم عسكريين ادعي أنهم ينتمون إلى منظمة الجهاد الإسلامي المتطرف اتهموا بالخيانة وفي تنفيذ عمليات تخريب ومحاولات اغتيال كبار المسؤولين في النظام والمستشارين السوفييت الذين عملوا في ليبيا في تلك الفترة.

أعضاء منظمة الجهاد تم إعدامهم في ساحة المدينة بعضهم شنقا والآخرين عن طريق فرق الموت، أمام عيون الجماهير التي دعيت من قبل وسائل الإعلام التي تدار من قبل النظام من أجل المجيء ومشاهدة ما سيصنع مع أولئك الذين ينتمون إلى أعداء الله وأعداء الثورة.

الحدث الذي تمت تغطيته بوسائل التلفزة الرسمية كان مصحوبا بتحذيرات شديدة من جانب أجهزة النظام بأنه سيكون  هذا مصير كل من يختار السير على الطريق المظلم وكل من يحسب على حلف الشيطان وعملاء الصهيونية والإمبريالية (19).

هذا الحدث الدراماتيكي دلل على أن الإسلام الراديكالي ضرب جذوره في ليبيا بل توغل إلى داخل الجيش وهو أحد الركائز الرئيسية للنظام .

تطور خطير من وجهة نظر النظام، هذا رغم الادعاء القائل بأن إعدام العسكريين تم في أعقاب مشاركتهم في تمرد ضد التدخل عسكري آخر في تشاد المجاورة وليس نتيجة للتدخل في الإسلام المتطرف، مثل هذا الادعاء هو صحيح (20).

هذا لم يكن يكفي لامتصاص خطر تهديد هذا الأخير على ولاء الجيش وعلى الحياة السياسية في ليبيا وعلى تمسك النظام بالسلطة.

تغلغل الإسلام المتطرف في ليبيا وإن جاء متأخرا نسبيا إلى البيئة الجغرافية المجاورة لم تفاجئ أحد نظرا لأن مصر والجزائر والسودان جارات ليبيا في الشرق والغرب شهدت تعاظما في موجة الإسلام المتطرف الذي فعل من نشاطه ضد الأنظمة القائمة ولم يتورع عن استخدام وسائل العنف ومن ضمن ذلك الحرب الأهلية في الجزائر (21).

في السودان نجح الإسلام المتطرف في السيطرة على الحكم في صيف 1989 عن طريق انقلاب عسكري ومنذ ذلك الوقت يحكم الدولة ممثلين عنه.

القذافي القلق اضطر إلى مواجهة ظروف جديدة وغريبة وهو وبحكم كونه زعيما متجذرا بالوعي الإسلامي العريق لم يعد متدينا بما فيه الكفاية في نظر الأوساط الإسلامية الأصولية في دولته هؤلاء ذهبت بهم الجرأة إلى اتهامه بالكفر، وبذلك برروا التآمر ضده وضد نظامه، ليس من المفاجئ إذن أن الحاكم الليبي سارع إلى الرد على هذه الحرب بالمثل ضد أعداء الإسلام الذين وصفهم في خطاب بنفس المصطلحات التي استخدموها ضده “الكفرة” هذا بالإضافة إلى تصفيتهم جسديا.

فلقد أغلق حولي 200 مؤسسة إسلامية في أنحاء الدولة كانت تمارس في ذلك الوقت نشاط إسلاميا متطرفا وفرض الرقابة المشددة من قبل اللجان الثورية-كلاب الحراسة المتوحشة للنظام-.

في نفس الوقت صعد النظام من حملاته الشعواء ضد المسلمين المتطرفين (الكفرة) الذين يعملون من أجل تقويض الإسلام (22).

في خطاب ينضح بالسموم وهو مألوف في تعرضه لما سمي بالجرثومة الخطرة كما قال (أي الإسلام المتطرف) أوضح القذافي مفهومه القائل أن الإسلام هو القرآن ولا شيء غيره وأن أي أمر آخر هو الكفر، كل أمر جديد هو كفر، جميع الحركات الإسلامية التي تتخفى وراء اسم الإخوان المسلمين وأسماء أخرى تخون الإسلام وتقوضه وفي كل الأحوال فإنها تعمل برعاية الصهيونية والاستعمار الغربي (23).

بعبارة أخرى ليس الإسلام المتطرف فقط يعمل ضد الدين وإنما يعمل أيضا ضد الوطنية الليبية والقومية العربية أي أن الجريمة مزدوجة ومضاعفة.

طرح النزاع مع الغرب على أنه نزاع بين الإسلام والمسيحية.

التوتر بين الدين والقومية والسياسة برز في سلوك ليبيا كلما تصاعد الصراع بينها وبين الغرب بزعامة الولايات المتحدة في نهاية القرن العشرين.

الصراع ضد الغرب كان مكونا رئيسيا في مفهوم القذافي منذ اعتلى سدة السلطة وهذا المفهوم تجاوز في الحقيقة المجال الوطني السياسي في مفهومه وتدحرج إلى ما رآه أو اختار طرحه كمواجهة ضارية بين المسيحية والإسلام.

الإسلام تحول إلى هدف معادي بالنسبة للغرب (24)هذا ما أعلنه في إحدى تصريحاته اللافتة عشية التهديد الدولي بفرض عقوبات شديدة على ليبيا بضغط من الولايات المتحدة وبريطانيا.

ومن أجل إرغامه على تسليم مواطنين ليبيين كانا في ذلك الوقت مشتبه بهما ثم بعد ذلك اتهما بالمسؤولية عن تفجير طائرة الركاب بان أمريكان فوق مدينة لوكربي في اسكتلندا نهاية 1988 أعلن القذافي أن المسيحية الغربية تأمل وتتمنى القضاء على الإسلام قضاء مبرما (25)، وأضاف في نطاق تأجيج المشاعر في دولته وتوجيهها نحو المواجهة المتصاعدة بين ليبيا والغرب بعد فرض العقوبات في شهر أبريل 1995 واستخدم استخداما ذكيا الاصطلاح الكامن في عمق الإدراك الإسلامي الجماعي وهو الصليبيون، وبذلك أوجد علاقة صحيحة بالنسبة له وهو يمثل جرحا في كرامة المسلمين والعرب، وما قاله أنهم يمنعون المواطنين الليبيين من أداء الفريضة الأساسية في الإسلام وهي الحج إلى الأماكن المقدسة نظرا لحظر حركة الطيران الجوي من ليبيا وإليها في إطار عقوبات الأمم المتحدة (عقوبات لوكربي) (26).

إن تضييق الخناق الدولي من حول النظام نجم عن تغيير في هيكلية النظام الدولي أي انهيار الاتحاد السوفييتي واختفاء سيد ليبيا من الساحة الدولية وقيام نظام هيمنة جديد بزعامة الولايات المتحدة التي اعتبرت ليبيا العدو اللدود.

عقوبات لوكربي استمرت سبع سنوات وقد عرضت النظام لضغوط قوية وشديدة من الداخل ومن الخارج.

العقوبات قوضت الاقتصاد الليبي الذي يعتمد على عائدات النفط ومشتقاته وفي وقت سيء أي انخفاض كبير في أسعار النفط في السوق العالمية وتفاقم الأزمة الاقتصادية واهتزاز النظام الاجتماعي والسياسي وتنامي نشاط المعارضة وبشكل خطير والتي قادتها الحركات الإسلامية المتطرفة (27).

الهشاشة السياسية للقذافي وحالة الإحباط التي ألمت به تصاعدت وتم تصعيدها من قبل ما وصف بخيانة العالم العربي لليبيا.

الدول العربية انصاعت وأذعنت للعقوبات الصادرة عن الأمم المتحدة وتخلت عن ليبيا لحظة المحنة، في نفس الوقت هرولت بعضها وتهربت من مسؤوليتها بالقضاء على إسرائيل وأقامت معها علاقات سياسية واقتصادية (28).

وهكذا ولأول مرة في عهد نظام القذافي ظهرت ثغرات بل تحطمت وتهشمت حجرة الأساس التي بنا عليها القذافي مفهومه القومي وزعامته الدينية أي مجموعة قوية وأساسية من المبادئ قد تقوضت: الوحدة العربية والأخوة الإسلامية والقضاء على العدو الصهيوني وتحرير القدس وتعبئة العالم العربي ضد الإمبريالية الغربية ومن ضمن ذلك عدم الرغبة من قبل الدول العربية باستخدام النفط الذي بحوزتها في السلاح ضد الغرب.

القذافي بقي وحده يتألم ومكشوفا في الخندق العربي في حربه ضد الإسلام المتطرف في الداخل وضد الاستعمار الغربي وتنكر العالم العربي له في الخارج.

الإسلام الذي لم يكف عن كونه قيمة مهيمنة وغائرة في هوية النظام الليبي جند هذه المرة من أجل بقاء القذافي في السلطة، الصراع دار بين رأسي حربة الأول وجه إلى الداخل ضد السلام المتطرف والثاني وجه إلى الخارج من أجل تعبئة الدعم للنظام ذو الهوية الإسلامية الذي صارع -حسب مفهومه- نيابة عن العالم العربي ضد الغرب الصليبي.

في الساحة الداخلية قضى النظام بدون رحمة على الكلاب الضالة، المسلمون المتطرفون الذين يستغلون الدين لأهداف سياسية ينبغي قتلهم كأنهم كلاب بدون إجراء محاكمة، لا تخافوا إن أي أحد من رجال الأمن لن يعتقلكم ولن يقدمكم إلى المحاكمة لقتل كافر (29).

عاد القذافي ليحرض المواطنين الليبيين ضد الكفرة وعاد ليؤكد أن ضحايا الإسلام الراديكالي هما القومية العربية والوحدة العربية وأن من يقف خلف الإسلام المتطرف في ليبيا هو عدو العرب الموساد الإسرائيلي (30).

الإسلام المتطرف هو دليل على إفلاس الأمة والوطن العربي، وأكد في مناسبة أخرى على ضرورة أن تحارب الدول العربية وفي جبهة واحدة ضد الكفرة المسلمين (31).

شيء مثير للاهتمام وهو أن الزعيم الليبي سلم بانهيار قيم الوحدة في العالم العربي وكذلك بانهيار الخيار العسكري العربي ضد العدو الصهيوني.

في هذه الأثناء عاد ليعبئ هذه القيم ويفعلها وينفخ فيها روح الحياة من أجل إحباط التهديد الإسلامي المتطرف في الساحة الداخلية.

نضاله ضد الغرب الاستعماري الصليبي خاضه القذافي من خلال إطلاق شعارات دعائية ثقيلة الوزن تضمنت خليطا من المواد الدينية والقومية والسياسية حفلت بتكرار الادعاء القائل أن الإسلام المتطرف يحرك من قبل الموساد الإسرائيلي ومن قبل الأجهزة الاستخباراتية الأمريكية والبريطانية حيث أن هدفها هو توجيه ضربة قاضية للإسلام والقومية العربية (32).

وبما ينطوي على مفارقة تتعارض مع هجومه على الإسلام المتطرف تهديدات الزعيم الليبي للغرب تتطابق مع تهديدات الإسلام المتطرف التي كان يعارضها وذلك من أجل الضغط على الغرب بوقف العقوبات ضد ليبيا فقد أوضح أن مجموعات إسلامية معادية للغرب تضغط عليه من أجل أن يعلن الجهاد وتحويل طرابلس إلى قدس والجيش الليبي إلى جيش صلاح الدين.

وادعى أن المسلمين يطالبونه بتحويل ليبيا إلى دولة خلافة، إنهم يحتاجون إلى خليفة إذا ما توليت مثل هذه الزعامة، وهدد العالم بأكمله بإشعال الحرائق (33).

لذا فقد عاد وأكد بأنه ينبغي سحق رأس كل مسلم متطرف كما يسحق رأس الحشرة والجرثومة.

وفي اعتماده على مصطلحات معروفة جيدا لنفسه والمجتمع الليبي عاد وقارن القذافي خطر الإسلام المتطرف مع جملة المخاطر التي تتربص بليبيا والعالم العربي من جانب الكيان الصهيوني ومن جانب الصليبيين والاستعماريين (34).

وبينما جذور الاصطلاحات المستخدمة الكيان الصهيوني والاستعمار الغربي عادت إلى الخلف على بداية خطاب القذافي في الستينات والتي دأب القذافي على استخدامها مثل مصطلح الصليبيين في التسعينات فقد كان هناك شيء جسد الخطب المتعجرف حيال الداخل وكذلك باتجاه الخارج.

معنى رسالة القذافي أن صراعه متجذر بالاعتبارات الدينية وهذا ما يتجلى في تشبيه نضاله بالنضال الذي قاده صلاح الدين الذي هزم في نهاية الأمر الغرب المسيحي أي الصليبيين والذي كان مفخرة للعالم الإسلامي.

طرح الصراع ضد الغرب كصراع دين يستهدف التعميم على سلوك النظام الليبي المتشبع بالعداء السياسي والمتناقض مع المصالح الحيوية للغرب والذي كان سببا ودافعا إلى جر الهجمات الجوية الأمريكية على الدولة وعلى نظامه وكذلك كارثة العقوبات وكذلك وبشكل غير مباشر الأزمة الاقتصادية والعزلة العربية وأكثر من ذلك خطر الإسلام المتطرف.

وفي نهاية المطاف أجرى القذافي في نهاية القرن العشرين وبداية القرن الحادي والعشرين مصالحة مع الغرب ساعدته-وهو ما يثير السخرية-على دحر خطر الإسلام المتطرف في دولته وفي بيئته وربما كان من الجائز أنه أتاح لنفسه في أن يحتفل بالذكرى الأربعين لصعوده إلى السلطة .

من سخرية القدر أن القذافي الذي كان يناقض الغرب ويتهمه بالغرب الصليبي تعاون معه من أجل القضاء على جيوب الإسلام المتطرف في ليبيا.

هذه المصالحة نقلت الاقتصاد الليبي إلى الذروة وعززت مركزه السياسي ومن المفارقة أيضا أن ليبيا والغرب وجدا أنفسهما في نفس الجانب من المتراس في الحرب ضد الإسلام المتطرف والتي وصلت ذروتها بعد الأحداث الإرهابية في سبتمبر 2001، ليبيا والغرب أو المسلمين والصليبيين إذا ما استخدمنا اصطلاحات القذافي عشية المصالحة تقاسما المصالح المشتركة التي أبعدت ليبيا عن العلامات الفارقة التي أشرت لسلوكها طوال سنوات حكم القذافي، ولأول مرة في تاريخه تجاوز سلوك النظام الليبي المجالات الفكرية والسياسية والدينية والثقافية والوطنية التقليدية وتبنت أدوات ومبادئ جديدة لإدارتها وإن كان بفعل اضطرار الظروف وليس بنية خالصة.

المصادر:

  1. معمر ابن محمد بومنيار القذافي ولد عام 1942 في صحراء سرت وهو ابن قبيلة القذاذفة وهي قبيلة بربرية استعربت وعملت في مجال تربية الأنعام والجمال وهي قبيلة رحل في الصحراء (راجع جدعون جرا نهج القذافي في ليبيا تل أبيب الخط الأحمر مركز  شيلواح جامعة تل أبيب 1983 ص 105-106)
  2. النظام الملكي حكم ليبيا منذ الإعلان عن الاستقلال في 24 ديسمبر 1951 لمزيد من التفاصيل على تلك الفترة المستمرة ثمانية إلى عشرة أعوام راجع John Right « Libya »
  3. Mirella Bianco, Gadafi: Voice from the Desert (London: Longman, 1975), p. 65 .
  4. Daniel Dishon (ed.), Middle East Record, (Tel-Aviv: The Shiloach Center for Middle
  5. Eastern and African Studies, 1977), pp. 956-957. “
  6. الوعي الفلسطيني من ضمن ذلك دعوة لتعزيز المقاومة الفلسطينية ضد العدو الصهيوني ارتبطت بقوة وبنوع من المثابرة في النظام الفكري لنظام القذافي في الأيام الأولى من حكمه.
  7. “Personalities and Politics: Qadhafi, Nasser, Sadat and Mubarak”, The Journal of North African Studies,
  8. جدعون جرا نهج القذافي في ليبيا ص 44.
  9. Politics of Contradiction (Gainesville: University of Florida, 1997), pp. 17-24. Yehudit Ronen, :حول الحرب السنوسية ضد الاحتلال الإيطالي
  10. Qaddafi’s Libya in World Politics (Boulder, Colorado: Lynne Rienner Publishers, 2008), p. 157 and George Joffe, “Reflections on the Role of the Sanusi in the Central Sahara”, The Journal of North African Studies, Vol. 1, No. 1 (Summer 1996), pp. 25-41.
  11. حول الكتاب الأخضر راجع Yehudit Ronen, “Qadhafi and Militant Islamism: Unprecedented Conflict”, Middle
  12. Eastern Studies, Vol. 38, No. 3, July 2002, p. 1. Yehudit Ronen, “Qadhafi and :
  13. لتحليل الصراع بين الإسلام المتطرف ونظام القذافي راجع كتاب يهوديت رونين.
  14. “راجع جدعون جرا “نهج القذافي في ليبيا”
  15. راجع تحليل المؤلف عمانوئيل سيفان حول القواسم المشتركة وإن كانت غير متطابقة بشكل كامل للظروف المحلية التي ميزت حركة المتزمتين في الإسلام في نهاية الخمسينات وبداية الستينات من القرن العشرين وعلى الأخص في باكستان وإيران ومصر.
  16. Revolution and the Muslim World (Boulder,Co: Westview Press, 1990) and Robin Wrightל .In the Name of God: the Khomeini Decade (New York: Touchstone, 1990) Yehudit Ronen, “Sudan”, in Ami Ayalon (ed.), Middle East : Contemporary Survey, Vol. XIII [1989] (Boulder, Co: West View, 1991), pp. 615-628; and Yehudit Ronen, “Sudan”, in Ami Ayalon (ed.), Middle East Contemporary Survey, Vol. XV [1991] (Boulder, Co: West View, 1993), pp. 641-651. Richard Mitchell, The Society of the Muslim Brothers (New York: Oxford
  17. University Press, 1993)). راجع على سبيل المثال
  18. يورام ميتال الانفتاح والجدل حول الهوية الثقافية لمصر تمار أيجنس محررة وحدة الدولة العربية أماما لاختبار تل أبيب 2006 مركز ديان ص 48
  19. Yehudit Ronen, Qaddafi’s Libya;Time, 2 March 1987

الحركة الإسلامية في الجزائر مائيرلتفيك الإسلام والديمقراطية في العالم العربي 1997 ص 202-235.

  1. وكالة الأنباء الليبية في 21 أبريل 1993
  2. تلفزيون طرابلس أبريل 1987 .
  3. راديو طرابلس أبريل 1989.
  4. الدعوة الإسلامية طرابلس إصدار اللجان الثورية.
  5. وكالة الأنباء الليبية الرسمية طرابلس   20/05/1992
  6. 1992 .Yehudit Ronen, Qaddafi’s Libya in World Politics, pp. 45-56
  7. Yehudit Ronen, “Disillusionment of Arab Solidarity”, The Review of International
  8. Affairs, Autumn 2001, Vol. 1, No. 1, pp. 21-30..1993
  9. تلفزيون طرابلس  في 2 مايو 1993
  10. راديو طرابلس 21/04/1993
  11. تلفزيون طرابلس في 26/04/1993.
  12. تلفزيون طرابلس في 02/05/1992.
  13. القذافي في مقابلة مع مجلة مجرية Revue في 31/04/1192 والدستور الأردنية مايو 1993 .
  14. وكالة الأنباء الليبية الرسمية  18/09/1995.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.