#ترجمات عبرية

القناة 12 العبرية : اللهب المتصاعد في الضفة: الواقع والتداعيات 

القناة 12 العبرية 2022-10-05، بقلم: عاموس يادلين وأودي أفنطال *

في أعقاب سلسلة العمليات في المدن الإسرائيلية خلال آذار المنصرم أعلن الجيش القيام حملة “كاسر الأمواج” التي تستمر حتى يومنا هذا. الهدف منها هو إحباط “الإرهاب” ضد المواطنين الإسرائيليين من طرف تنظيمات و”مخربين” أفراد من خلال جهود في اتجاهين: اعتقالات ليلية في عمق مناطق التنظيمات التي تخرج منها العمليات، وبصورة خاصة في شمال الضفة، وحماية مكثفة لخط التماس، تشمل إغلاق الفتحات في الجدار.

كثافة العمليات التي يقوم بها الجيش في الميدان أوقفت موجة العمليات داخل إسرائيل. وفي الوقت ذاته، عززت الاشتباك داخل المدن الفلسطينية، وأدت إلى ارتفاع وتيرة استعمال السلاح ضد قواتنا – على يد أعداد متزايدة من الشبان المسلحين – وبالتالي، إلى ارتفاع أعداد القتلى الفلسطينيين في إطار هذه المواجهات. وفي المقابل، تم تسجيل ارتفاع مستمر في عدد عمليات إطلاق النار على المحاور، وعلى المستوطنات في الضفة الغربية – هذا بالإضافة إلى استمرار المبادرات إلى تنفيذ عمليات فردية، كقتل العجوز في حولون، والشاب الذي خطط لتنفيذ عملية وتم إلقاء القبض عليه في يافا خلال هذا الشهر.

وجود السلاح بشكل واسع في الضفة الغربية؛ مجموعات مسلحة (وخصوصاً في جنين ونابلس) تقوم بما تريد؛ ارتفاع جاهزية الفلسطينيين للاشتباك مع قوات الأمن – كل هذه الأسباب تشكل معاً “دائرة إحباط” لا تنتهي، إذ تتحول الجهات التي أطلقت النار على القوات بالأمس إلى أهداف اعتقال الليلة، وهكذا دواليك.

الطريقة الأفضل لتهدئة الميدان

وصف رئيس “الشاباك”، رونين بار، الوضع في الخطاب الذي ألقاه مؤخراً في جامعة “رايخمن”، بأنه “دائرة مغلقة تزداد فيها محاور الإرهاب، وعدم وجود تعامُل كافٍ من أجهزة الأمن التابعة للسلطة الفلسطينية بسبب السيادة المحدودة يستوجب عمليات إحباط إسرائيلية كل ليلة، بدورها تؤدي إلى المزيد من الإصابات في صفوف الفلسطينيين، وبالتالي، إلى تراجُع في مكانة أجهزة أمن السلطة”.

يتفق مسؤولون في أجهزة الأمن الإسرائيلية على أن الطريقة الأمثل لتهدئة الأوضاع هي عبر عودة أجهزة أمن السلطة إلى العمل الأمني بطريقة ناجعة داخل المدن. هذه ليست مصلحة إسرائيلية – أمنية فقط، بل مصلحة السلطة نفسها أيضاً. فكما تبين في نابلس فان الظواهر “الفوضوية” هي تحدٍّ حقيقي لوجود السلطة برمتها كسلطة حكم.

وعلى الرغم من أن الحديث يدور عن مصلحة إسرائيلية – فلسطينية، فإن المهمة مركّبة أكثر مما يبدو، وبصورة خاصة في الوقت الحالي. فعشية الأعياد والانتخابات، تجد الحكومة الإسرائيلية نفسها في معضلة أمام التطورات في الضفة الغربية والقدس، على المستوى التكتيكي – العملياتي والاستراتيجي.

على الصعيد العملياتي، عندما تقوم قوات الجيش و”الشاباك” بملء الفراغ وتنشط بصورة مستمرة، ويومياً داخل الميدان، وخاصة عندما تنتهي هذه العمليات بـ”قتلى” فلسطينيين، يغدو من الصعب على أجهزة الأمن الفلسطينية العمل ضد بنى “الإرهاب”.

حملة عسكرية واسعة ؟

كي تستطيع الأجهزة الأمنية العمل في جنين ونابلس، على إسرائيل خلق مساحة لها من خلال امتناعها موقتاً من العمل في منطقة محددة، وأن يتم الاتفاق بشكل صامت على عمليات فلسطينية بديلة من اعتقالات الجيش. فاعتقال نشطاء “حماس” و”فتح” في نابلس على يد أجهزة الأمن الفلسطينية الأسبوع الماضي شكّل، على ما يبدو، نجاحاً أولياً في دفع السلطة إلى العمل، لكنه أدى إلى مواجهات ضد أجهزة أمن السلطة من جانب الشبان والنشطاء المسلحين الذين تمت السيطرة عليهم حالياً من دون تدخُّل الجيش. إلا إن هذه اللحظة الأولية لا تبشر بالربيع، ويجب فحص استمرار الاتجاهات.

بالتنسيق مع أجهزة أمن السلطة، أو من دونها إن استوجب الأمر، يجب فحص إمكانية وقف العمليات التي ستؤدي إلى قطع “دوامة الإرهاب” وتركيز الاعتقالات فيمن يخطط لعمليات داخل إسرائيل، أو في الضفة الغربية. وفي حال لم تدخل أجهزة أمن السلطة للعمل، ولم يتم تحسين الوضع القائم بهذه الطريقة، يبدو أنه سيتوجب القيام بحملة عسكرية واسعة في شمال الضفة، بهدف “تنظيف” الميدان من البنى “الإرهابية”، لكن هامش العمل لدى المستوى السياسي في فترة الأعياد والانتخابات يتقلص: من جهة، لا يستطيع السماح لنفسه بتخفيف عمليات الإحباط، لأن أي عملية تفلت من قوات الأمن سيكون لها تداعيات صعبة على الجبهة الداخلية الإسرائيلية؛ ومن جهة أُخرى، فإن حملة عسكرية واسعة من الممكن أن يكون فيها مصابون كُثر من كلا الطرفين، وتتوسع إلى مناطق أُخرى، وتتأزم أكثر، عسكرياً وسياسياً.

منطقة أُخرى قابلة للاشتعال، وبصورة خاصة في فترة الأعياد، هي الحرم القدسي. خبرة الأعوام السابقة علمتنا أن ما يبدأ بمواجهات في الحرم، من الممكن أن ينتهي بتصعيد واسع أكثر في الضفة الغربية وغزة، بالإضافة إلى موجة إدانات في العالم العربي.

نقطة التوتر الأساسية اليوم هي توسيع وتيرة وعدد اقتحامات اليهود للحرم، التي يتم التعامل معها، فلسطينياً وأردنياً، على أنها خرق للـوضع القائم. هذه القضية تدفع بالقيادات الإسرائيلية إلى معضلة حقيقية، تزيد تعقيداً عشية الانتخابات – بين الحاجة إلى ضمان الاستقرار الأمني في المسجد وبين اعتبارات رمزية أُخرى لها علاقة بالسيطرة والسيادة على الأرض وإسقاطاتهما السياسية.

مصير السلطة الفلسطينية

على المستوى الاستراتيجي، فإن المعضلة في الضفة الغربية أوسع من هذا. إذ إن ضُعف الأجهزة الأمنية ومشكلة شرعيتها هي نتيجة تفكُّك السلطة الفلسطينية كمنظومة حكم. وتراجُع مكانة السلطة يرتبط بثلاثة اتجاهات:

– زعزعة أساس الفكرة: الفكرة التي تأسست السلطة استناداً إليها، ومن دونها لا تملك مبرر وجود، هي تحقيق الطموحات القومية الفلسطينية من خلال المفاوضات والترتيبات مع إسرائيل. هذه الفكرة تتزعزع وتضعف مقابل انغلاق الأفق السياسي من جهة، ومقابل طريق المقاومة المسلحة التي تطرحها “حماس” من جهة أُخرى. ثقة الجمهور الفلسطيني بالسلطة وطريقها السياسية وصلت إلى مراحل متدنية غير مسبوقة، تنعكس في استطلاعات الرأي، بالإضافة إلى الفساد المتجذّر وتفضيل المقربين.

– الأزمة الاقتصادية: تعيش السلطة تحت ضغوط اقتصادية متصاعدة، وتعاني جرّاء عدم وضوح اقتصادي جذري. وبسبب عدم وجود جدوى سياسية، أو تصعيد حرج، تقلص الاهتمام الدولي والإقليمي بالصراع الفلسطيني – الإسرائيلي، وهو ما أدى إلى تقليل المساعدات الاقتصادية للسلطة والأجهزة الأمنية.

– بوادر نهاية عهد أبو مازن: بالإضافة إلى الإحباط من إنجازات السلطة في نظر الجمهور الفلسطيني، فنحن نعيش في مرحلة نهاية عهد حُكم عباس، إذ بدأت تبرز بوادر الصراع على الخلافة.

هذه الاتجاهات تشكل خطورة حقيقية على وجود السلطة كنظام حكم ناجع لوقت طويل. تفكُّك السلطة يضع إسرائيل أمام خطر استراتيجي متعدد الأبعاد. فالظواهر الحالية، كانعدام السيادة في الميدان، ستتوسع ومعها الاشتباك ما بين الجيش و”جهات إرهابية”. سيكون على الجيش تخصيص قوات كبيرة، بهدف القيام بعمليات ضبط وأمن يومي على حساب الإصغاء وتخصيص الموارد للتعامل مع تحديات أمنية أهم مقابل إيران و”حزب الله”، وهو أيضاً ما سيضر بمكانة إسرائيل السياسية والدولية والإقليمية.

وفي المقابل، على صعيد عملي، ستنتقل المسؤولية عن كافة جوانب الحياة اليومية لملايين الفلسطينيين إلى إسرائيل بالتدريج، من دون أن يكون لديها المنظومات والأدوات البيروقراطية اللازمة – أو مصادر التمويل الواسعة المطلوبة لملء الفراغ الحكومي في مجالات الصحة والتعليم والنظام العام وغيرها. تداعيات حرجة بدرجة متساوية متوقعة على المستويات الفكرية ومن حيث الرؤية. تفكُّك السلطة وتوسيع السيطرة الإسرائيلية إلى حد الضم الفعلي، من الممكن أن يؤديا إلى اختفاء فكرة الدولتين وتقوية فكرة الدولة الواحدة التي يزداد تأييدها منذ اليوم في الساحة الفلسطينية، وتؤثر في العلاقات الخارجية لإسرائيل، ومن ضمنها العلاقات مع أفضل الأصدقاء.

حفظ الهدوء حتى الانتخابات

الامتناع الإسرائيلي من لقاء أبو مازن، والتصميم على إغلاق كل أفق سياسي، يدفعان بقيادة السلطة، التي تبحث عن أي أجندات ممكنة، إلى خطوات عدائية في الساحة الدولية: الأمم المتحدة ومحكمة الجنايات الدولية. ينعكس هذا السلوك سلباً على الدافع لدى الأجهزة الأمنية التي تحاول عادةً احتواء المواجهات، وتحفظ التنسيق الأمني المهم مع قواتنا. وبسبب منظومة العلاقات المتوترة ما بين المصالح الأمنية والسياسية والمعضلات التي تأسر إسرائيل، يجب القيام بخطوات عملية في الميدان منذ الآن لحفظ الاستقرار حتى الانتخابات، وسيتوجب على الحكومة المقبلة، التي سيتم تأليفها في إسرائيل، اتخاذ قرارات استراتيجية حاسمة ستكون أمامها.

خلال الأعياد، وصولاً إلى الانتخابات، على قوات الأمن الاستمرار في إحباط “الإرهاب”، بهدف منع العمليات. وعلى الرغم من ذلك، فإنه يجب الإبقاء على هامش عمل أكبر لأجهزة الأمن التابعة للسلطة، والاستمرار في تفضيل أن تجري عمليات الإحباط من خلالها طالما تسمح الظروف، وتركيز عمليات الإحباط التي يقوم بها الجيش على “البنى الإرهابية الموقوتة”، استناداً إلى معلومات استخباراتية دقيقة. وفي المقابل، الاستمرار في إغلاق خط التماس بصورة ناجعة، والإغلاق في فترة الأعياد. أما في الحرم القدسي، فيجب حفظ التوازن بطريقة محسوبة قدر الإمكان وتنسيق دخول اليهود مع الأردن، والتشديد على عدم خرق الوضع القائم بسلوكهم.

على حكومة إسرائيل، منذ الآن، وأساساً بعد الانتخابات، وفي المدى الطويل، اتخاذ عدة خطوات، بهدف تقوية استقرار السلطة الفلسطينية وأجهزتها الأمنية، ورؤية يوم “ما بعد أبو مازن” وتبدل الأجيال في القيادة. وفي هذا الإطار، على إسرائيل حسم قرارها بشأن تجديد المسار السياسي مع السلطة الذي يشكل المركّب الجوهري لاستمرار وجودها.

حتى لو كان من الواضح أن احتمالات نجاح المسار السياسي في الوقت الحالي معدومة، إلاّ إنه يحفظ فكرة “الدولتين”، ويعيق بديل الدولة الواحدة، وهو مهم لتقوية الشرعية الإسرائيلية. بالإضافة إلى أنه يتوجب على حكومات إسرائيل بناء قنوات تواصُل ناجعة لقيادات السلطة، في مقابل الطلبات المحقة منها ومن بينها وقف دفع رواتب الأسرى وعوائل الشهداء، والخطوات ضد إسرائيل في محكمة الجنايات الدولية في لاهاي.

من غير الصحيح أن يتركز المسار السياسي في قضايا الحل النهائي. أولاً، يجب معالجة التحديات في المدى القصير والمتوسط بكل ما يخص الأمن، وقيام السلطة بدورها وحكمها، ومن خلال ذلك صوغ الأمل لأفق سياسي. على إسرائيل والسلطة إيجاد حلّ مبدع لمشكلة رواتب الأسرى والشهداء – يساعد في العمل على تجنيد دول الخليج واللاعبين الدوليين لمساعدة السلطة – وبحث قضايا، كالبناء الفلسطيني المنظم في مناطق “ج” والمستوطنات وغيرها.

نجاح الماضي الذي تستصعب إسرائيل تكراره

على المستوى الأمني، يجب على الطرفين التركيز على تقوية أجهزة أمن السلطة وسيطرتها على الأرض. وفي هذا السياق، يمكن محاولة إعادة نجاحات الماضي، كـ”اتفاق المطلوبين” و”مشروع جنين”، من سنة 2008. حينها، وخلال “مسار أنابوليس”، نقلت إسرائيل إلى أجهزة الأمن التابعة للسلطة السيطرة على كل منطقة جنين شمال الضفة، بعد التزامها إعادة النظام وإحباط “الإرهاب” في المنطقة. وفي إطار هذه المبادرة، قاد مبعوث الرئيس الأميركي بوش، الجنرال جونز، جهوداً متعددة أمنية – مدنية – واقتصادية، لتقوية سيادة الأجهزة الأمنية. النتائج كانت مذهلة. وبقيادة رئيس الحكومة الفلسطيني، حينها، سلام فياض الذي بادر إلى مشاريع مدنية لها تأثير إيجابي وسريع في الأرض (شق طرقات، خدمات اجتماعية، وغيرها)، عاد الأمن والاستقرار إلى جنين، وضمنها مخيم اللاجئين، واختفت الفوضى وتمت السيطرة على “الإرهاب”.

الظروف لاستعادة هذا النجاح تفرض تحديات أكبر: النظام السياسي الإسرائيلي منقسم، وغير مستقر ومليء بالتوترات؛ ورفض إسرائيلي لإدارة مفاوضات؛ وحكومة فلسطينية ضعيفة؛ وعدم وجود استقرار؛ وازدياد التحديات من جانب “حماس” و”الجهاد الإسلامي”.
لا بديل لإسرائيل إلا المبادرة إلى خطوات تخدم الأمن وتمنع الانجرار إلى دولة واحدة. فالأحداث التي جرت مؤخراً في شمال الضفة وتوسُّعها إلى داخل مناطق الخط الأخضر تثبت أن حفظ الاستقرار لوقت طويل في هذه المنطقة ليس مؤكداً. في المدى القصير، يبدو أن المصلحة السياسية للقيادات الإسرائيلية تتفوق على المطلوب استراتيجياً وأمنياً، لذلك، فإن مسؤولية القيام بالأمر الصحيح ملقاة على عاتق قيادات أجهزة الأمن، في إطار الحدود التي يفرضها الظرف السياسي القائم. وعلى المستوى المتوسط – الطويل، يتوجب على قيادات الدولة الارتقاء فوق الحسابات السياسية الراهنة، والمبادرة إلى مسارات تضمن الاستقرار الأمني الطويل المدى، والهدف الاستراتيجي الحيوي دولة يهودية، ديمقراطية، آمنة، وصادقة.

*عاموس يادلين رئيس شعبة الاستخبارات سابقاً وباحث، وأودي أفنطال باحث وعسكري.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى