ترجمات أجنبية

الفلسطينيون هم أصحاب الحق في الدفاع عن أنفسهم

من المعروف أن إسرائيل تحتل بشكل غير شرعي الضفة الغربية وغزة، حيث تقيم عائلات اللاجئين التي طُردت منذ 45 سنة من الكيان الذي عُرف باسم إسرائيل في عام 1948، ولا يزال قطاع غزة محتلاً ميدانياً وقانونياً، وقد اعترفت الأمم المتحدة بذلك.

مركز الناطور للدراسات والابحاث

في ضوء الطريقة التي دافع بها السياسيون ووسائل الإعلام في الغرب عن أعمال القتل الإسرائيلية في غزة، قد نظن أن إسرائيل كانت تواجه اعتداء غير مبرر من قوة خارجية تملك أكثر الأسلحة تطوراً. أعلن باراك أوباما: “من حق إسرائيل أن تدافع عن نفسها. ما من بلد على وجه الأرض يستطيع تحمل سقوط الصواريخ على مواطنيه من خارج حدوده”.

 ثم عبر وزير الخارجية البريطاني ويليام هيغ عن الموقف نفسه حين أعلن أن الإسلاميين الفلسطينيين في “حماس” يتحملون “المسؤولية الأساسية” للقصف الإسرائيلي على قطاع غزة الذي يشبه سجناً موجوداً في الهواء الطلق. في الوقت نفسه، نشرت معظم وسائل الإعلام الغربية ادعاء إسرائيل بأن هجومها هو رد على الاعتداءات الصاروخية التي تطلقها “حماس”. تحدثت قناة “بي بي سي” (BBC) كالعادة عن صراع مبني على “مشاعر حقد قديمة”.

 عملياً، يكفي أن ندقق بسلسلة الأحداث التي وقعت في الشهر الماضي لندرك أن إسرائيل لعبت الدور الأساسي في تصعيد الصراع العسكري: بدءاً من هجومها على مصنع أسلحة في الخرطوم قيل إنه كان يوفر الأسلحة لحركة “حماس” وقتل 15 مقاتلاً فلسطينياً في أواخر شهر أكتوبر، وصولاً إلى إطلاق النار على فلسطيني مضطرب عقلياً في بداية شهر نوفمبر، وقتل صبي في الثالثة عشرة من عمره خلال توغل إسرائيلي، ثم اغتيال قائد “حماس” أحمد الجعبري يوم الأربعاء قبل الماضي خلال التفاوض على هدنة مؤقتة.

 كانت دوافع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو كثيرة لإطلاق جولة جديدة من سفك الدماء. كانت الانتخابات الإسرائيلية وشيكة (لا شك أن الاعتداءات العسكرية على الفلسطينيين تؤثر على مسار الاستحقاق الإسرائيلي)، وبرزت الحاجة إلى اختبار أداء الرئيس المصري الجديد المنتمي إلى جماعة “الإخوان المسلمين”، محمد مرسي، والضغط على “حماس” كي تُجبر جماعات فلسطينية أخرى على الرضوخ، وحصل نتنياهو بذلك على فرصة تدمير مخازن الصواريخ قبل وقوع أي مواجهة مع إيران واختبار نظام “القبة الحديدية” الإسرائيلي الجديد المضاد للصواريخ.

 بعد ستة أيام من الهجوم المتواصل من جانب رابع أهم قوة عسكرية في العالم على واحدة من أكثر الأراضي هشاشة واكتظاظاً، قُتل 130 فلسطينياً على الأقل (نصفهم من المدنيين) إلى جانب خمسة إسرائيليين. أصر وزير الداخلية الإسرائيلي، إيلي يشاي، على أن هدف العملية كان “إعادة غزة إلى العصور الوسطى”.

 صحيح أن سفك الدماء لم يصل بعد إلى مستوى عملية “الرصاص المصبوب” التي خلّفت 1400 قتيل فلسطيني خلال ثلاثة أسابيع بين عامي 2008 و2009، لكن لا تتعلق المشكلة بهوية الفريق الذي بدأ الصراع وصعّد الوضع أو بعدم تكافؤ الهجوم العسكري الإسرائيلي الجديد (حتى قبل اشتعال الوضع في الشهر الماضي، قُتل 314 فلسطينياً منذ عام 2009 مقابل 20 إسرائيلياً).

 بل إن تصوير إسرائيل على أنها ضحية تملك حق “الدفاع عن نفسها” ضد أي هجوم “من خارج حدودها” هو تشويه فادح للحقيقة. في نهاية المطاف، من المعروف أن إسرائيل تحتل بشكل غير شرعي الضفة الغربية وغزة حيث تقيم عائلات اللاجئين التي طُردت منذ 45 سنة من الكيان الذي عُرف باسم إسرائيل في عام 1948.

 على رغم انسحاب إسرائيل من المستوطنات والقواعد في عام 2005، لا يزال قطاع غزة محتلاً ميدانياً وقانونياً، وقد اعترفت الأمم المتحدة بذلك. تسيطر إسرائيل على أراضي غزة، وحدودها البحرية، ومياهها الإقليمية، ومواردها الطبيعية، وأجوائها، وإمدادات الطاقة التي تصل إليها، ونظام اتصالاتها. كما أنها فرضت الحصار على القطاع منذ أن سيطرت عليه “حماس” بين عامي 2006 و2007، ما أعاق حركة الناس والمواد وإمدادات الغذاء من القطاع وإليه (حتى أن البعض ذهب إلى حد تخصيص 2279 سعرا حراريا لكل فرد، ما يعني أن سكان غزة يتبعون “حمية غذائية” نموذجية!). عدا ذلك كله، تتابع إسرائيل غزو القطاع كلما أرادت ذلك.

 بالتالي، من الواضح أن سكان غزة يمثلون شعباً محتلاً من حقه أن يقاوم ولو بالقوة المسلحة (لكن ليس لاستهداف المدنيين)، بينما تُعتبر إسرائيل قوة محتلّة من واجبها أن تنسحب بدلاً من أن تدافع عن الأراضي التي تسيطر عليها أو تستعمرها بفضل القوة العسكرية.

 حتى لو أنهت إسرائيل احتلالها فعلاً في عام 2005، يبقى سكان غزة فلسطينيين وتبقى أرضهم جزءاً من فسلطين التاريخية التي يُفترض أن تشهد قيام دولة فلسطينية تتوقف على الانسحاب الإسرائيلي من الضفة الغربية المحتلة ومن القدس الشرقية. من حق الفلسطينيين في أنحاء أراضيهم أن يدافعوا عن أنفسهم وأن يتسلحوا، ويمكنهم أن يقرروا استعمال تلك الأسلحة أو عدم استعمالها.

 لكن مقابل هذا الوضع، تصر الولايات المتحدة وبريطانيا والقوى الأوروبية الأخرى على تمويل وتسليح ودعم الاحتلال الإسرائيلي، وحتى الحصار على غزة، وذلك لمنع الفلسطينيين من الحصول على الأسلحة التي تسمح لهم بحماية أنفسهم من القوة العسكرية الإسرائيلية الهائلة. ليس مفاجئاً طبعاً أن تقرر القوى التي غزت أنحاء العالم العربي المسلم واحتلته وتدخلت فيه خلال العقد الماضي دعم إسرائيل بكل ثقلها كي تقوم بالمثل محلياً. لكن لم تكن الصواريخ الفلسطينية هي التي منعت إسرائيل من رفع الحصار وتفكيك مستوطناتها غير الشرعية أو الانسحاب من الضفة الغربية وغزة، بل إن الدعم الأميركي والغربي غير المشروط هو الذي يمنح إسرائيل حرية التصرف بلا محاسبة.

 بغض النظر عن الدوافع التي جعلت الحكومة الإسرائيلية تنهي صراع الأسبوع الماضي، يبدو أن الأحداث الأخيرة ارتدت عكسياً عليها. للمرة الأولى منذ بداية الربيع العربي، عادت القضية الفلسطينية إلى الواجهة مجدداً.

 بعد موجة التغيير وتزايد الدعم في أنحاء المنطقة، استعادت “حماس” مصداقيتها كقوة مقاوِمة بعد أن تلاشى نفوذها منذ عام 2009، وقد عززت سيطرتها في وجه السلطة الفلسطينية المتخاذلة في رام الله. وبعد نشر الصواريخ البعيدة المدى التي أثبتت الآن أنها تستطيع بلوغ تل أبيب والقدس، بدأ نظام الردع الذي كان أحادي الجانب يتغير.

 لا شك أن الهدنة التي بدأ التفاوض عليها يوم الثلاثاء ستُجبِر “حماس” على تحمّل مسؤولية حراسة القطاع ورفع الحصار عنه وفتح معبر رفح مع مصر لتمرير السلع والناس أيضاً. لكن يبدو أن الهدنة لا تعكس الاتفاق الأمني الطويل الأمد الذي أرادته إسرائيل مع “حماس”، ما يجازف بتعميق الشرخ الفلسطيني الكارثي بين غزة والضفة الغربية.

 لا بد من الترحيب بوقف مظاهر القصف والقتل والمعاناة التي طبعت الأسبوع الماضي. لكن لن يمنع أي وقف لإطلاق النار اندلاع العنف مجدداً. بغض النظر عن شكل الاتفاق النهائي، لن ينتهي الاحتلال والاستعمار الإسرائيلي للأرض الفلسطينية ولن تتوقف حرب الاستنزاف ضد الشعب الفلسطيني. يتطلب ذلك ضغوطاً متواصلة على القوى الغربية كي تدفع إسرائيل إلى تغيير مسارها. لكن في المقام الأول، لا بد من تغيير ميزان القوى ميدانياً.

كتب الخبر: Seumas Milne

قسم الترجمة – الجريدة – 26/11/2012

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى