#أقلام وأراء

العميد أحمد عيسى: عرين الأسود والجدل في أوساط خبراء الأمن القومي الإسرائيلي

بقلم: العميد أحمد عيسى (المدير العام السابق لمعهد فلسطين لأبحاث الأمن القومي) 30-10-2022م، عرين الأسود والأمن الإسرائيلي

انقسم خبراء الأمن القومي الإسرائيلي في أعقاب العملية الأمنية المعقدة التي نفذتها وحدات مختلفة من المؤسسة الأمنية الإسرائيلية في البلدة القديمة لمدينة نابلس فجر يوم الثلاثاء الماضي الموافق 25/10/2022 ضد مجموعة من عرين الأسود الى فريقين حول مستقبل حول ما بات يطلق عليه ظاهرة عرين الأسود.

الفريق الأول مثله الجنرال المتقاعد من الجيش الإسرائيلي (يسرائيل زيف) الذي شغل سابقا قائد فرقة غزة، إذ اعتبر (زيف) في اعقاب عملية نابلس أن “ظاهرة العرين قد إنتهت وأصبحت خلف ظهورنا”، لا سيما بعد نجاح الجيش في التخلص من قائد العرين (وديع الحوح) الذي ارتقي شهيداً مع خمسة آخرين من الفلسطينيين خلال هذه العملية، وكان (زيف) قد صرح بذلك خلال مقابلة أجرتها معه القناة التلفزيونية الإسرائيلية (N12) يوم الخميس الموافق 27/10/2022.

فيما يعتبر الفريق الثاني الذي أرى انه يتمثل  في اللواء المتقاعد (تامير هايمان) الرئيس السابق لوحدة الإستخبارات العسكرية الإسرائيلية (أمان) والذي يشغل الآن منصب المدير الإداري لمعهد إسرائيل لدراسات الأمن القومي (INSS) خلال تغريدة له نشرت على موقع المعهد يوم الأربعاء الموافق 26/10/2022، “أن الخطر والتحدي الحقيقي الذي يهدد إسرائيل يكمن فيما أطلق عليه (العاصفة الكبرى أو العاصفة المثالية) في إشارة منه الى المآلات النهائية التي ستنتج عن حالة الحراك المتواصلة والمتصاعد في الشارع الفلسطيني منذ فترة ليست قصيرة، نتيجة ليقينهم أن إسرائيل المدعومة من قبل واشنطن ليس بواردها صناعة السلام معهم وأن حلمهم بالحرية والإستقلال واقامة الدولة المستقلة ليست خلف الأبواب، فما مجموعة عرين الأسود إلا أحد الأعراض الكاشفة لهذا الحراك.

الأمر الذي يفرض على إسرائيل ان تتواضع ولا تبالغ في الفرح من التخلص من قائد العرين في نابلس، إذ لا زالت الطريق طويلة لمنع اندلاع (العاصفة الكبرى أو المثالية) في المناطق الفلسطينية، واضاف أنه على الرغم من نجاح عملية نابلس، إلا أن العدو (اي الفلسطينيين) سيشهد نجاحات أيضاً، ربما تكون عملية الخليل التي نفذها أحد الفلسطينيين مساء يوم السبت الموافق 29/10/2022، في مستوطنة (كريات أربع) المقامة في وسط مدينة الخليل أحد الدلائل التي لا تقبل الدحض على صحة ما ذهب اليه (هايمان) في تغريدته المشار اليها.

وفي ذات السياق وضح (هايمن) في تغريدته ان مسألة القضاء على عرين الأسود هي مسألة وقت، لكن يتوجب على إسرائيل ان لا تغمض أعينها عن حقيقة أن عرين الأسود حتى وان كانت مجرد عرض، إلا أنها يقيناً تشكل العامل الملهم  للكثير من الفلسطينيين الذين يعيشون حراك متصاعد داخل المجتمع الفلسطيني منذ فترة ليست قصيرة، الأمر الذي من جهة يعتبر التحدى الأخطر الذي يواجه إسرائيل، ومن جهة أخرى يتطلب منها اي إسرائيل جهد سياسي يقوم على رؤية استراتيجية بعيدة المدى.

وفي هذا الشأن ينبغي الإشارة الى أن الإنقسام في قراءة عرين الأسود من قبل خبراء الأمن القومي الإسرائيلي كما يبدو في القراءات السابقة يؤكد ما ذهب اليه البعض من خبراء الجيوبولتيك في بداية الألفية الجديدة خلال محاولاتهم تفسير قرار رئيس الوزراء في حينه (شارون) الإنسحاب أحادي الجانب من قطاع غزة العام 2005، حيث جادل هؤلاء أن شارون قد اتخذ قراره من منطلق خبرته العسكرية كجنرال متقاعد من الجيش، وقد بنى قراره تأسيساً على فرضية أن التهديدات المتوقعة في المدى المنظور ستكون أكثر كلفة لإسرائيل إذا ظلت في غزة، فيما رأى معارضي قرار شارون بالإنسحاب أحادي الجانب، لا سيما رئيس المعارضة في حينه (نتنياهو) أن التهديدات التي دفعت شارون للإنسحاب ليست أكثر من إفتراضات نظرية، وإذا ما برزت في المستقبل يمكن لإسرائيل بناء على ما تمتلكه من قوة عسكرية معالجتها، الأمر الذي أدخل إسرائيل وفقاً لتقدير خبير الجيوبولتيك الأمريكي المعروف (جورج فريدمان) في مأزق غير قابل للحل.

اللافت هنا أنه وبعد مرور عقدين تقريباً على قرار شارون بالإنسحاب من غزة، إلا أن الإنقسام داخل الوسطين السياسي والأمني في المجتمع الإسرائيلي، آخذ في الاتساع والتعمق، الأمر الذي يجعل من مأزق إسرائيل غير القابل للحل أكثر تهديداً لإسرائيل، لا سيما وأن المستوى السياسي في إسرائيل لا زال يصر على إنكار وجود هذا المأزق مفتوناً بتفوق إسرائيل العسكري وقدرتها على توظيف هذه القوة في مواجهة التهديدات التي تواجه الدولة سواء تلك الجارية أم المتوقعة، مما دفع (هايمان) في وقت سابق الى توجيه نداء للخبراء في الأمن والسياسة من أصحاب الرأي النقدي في إسرائيل الى تكثيف إسهاماتهم البحثية لتصويب المسار والمساعدة في تمكين إسرائيل من مواجهة التهديدات المحيطة بها خلال العام القادم.

ما تقدم يظهر أن الرسالة الأهم الكامنة في ظاهرة العرين وجنين وشعفاط تقول أن محاولة إسرائيل وأمريكا والعرب المطبعين خلق جيل فلسطيني جديد يقبل برؤيتهم ويرفع الراية البيضاء قد ولت وللأبد، الأمر الذي يعني أنه لاخيار أمام هذه الأطراف إلا الإستجابة الفورية لنداء الفلسطينيين الي وجهوه للعالم برمته خلال الرئيس عباس امام الجمعية العامة للأمم المتحدة في شهر سبتمبر/أيلول الماضي، لا سيما وأن قال في نهاية خطابه ألا هل بلغت؟ اللهم فاشهد…

مركز الناطور للدراسات والابحاث Facebook

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى