أقلام وأراء

إغتيال شرين أبو عاقلة المركب وأهمية مكان وزمان وطبيعة الإغتيال

العميد أحمد عيسى

العميد أحمد عيسى 15-05-2022

المدير العام السابق لمعهد فلسطين لأبحاث الأمن القومي

قتل الجيش الإسرائيلي شيرين ابو عاقلة، الصحفية الفلسطينية المتميزة ومراسلة قناة الجزيرة القطرية المعروفة مرتين، الأولى في مخيم جنين يوم الأربعاء الموافق 11/5/2022،مطلقاً رصاصة على رأسها، والثانية في المستشفي الفرنسي بمدينة القدس يوم الجمعة الموافق 13/5/2022، مطلقاً هذه المرة قنابل الصوت والمياه العادمة ومستخدمة الهراوات في ضرب من حضروا لرفع جثمانها الطاهر على أـكتافهم.

وفيما لم تكن شيرين المرأة الفلسطينية الأولى التي يطلق عليها الجيش الإسرائيلي النار بهدف القتل، ويقيناً لن تكون الأخيرة التي ستقتل في هذا الصراع الطويل بين الفلسطينيين والإستعمار الصهيوني لفلسطين، إلا أن قتل شيرين يختلف عن سابقاته من حالات القتلوذلك من حيث طبيعة القتل ومكانه وتوقيته، الأمر الذي يجعل من قتل شرين علامة فارقة في التأسيس لبداية مرحلة مختلفة عن سابقاتها من مراحل، لا سيما وأن شرين وعلى الرغم منقتلها مرتين، إلا أنها خرجت منتصرة على آلات القتل والدعاية والديبلوماسية الإسرائيلية والغايات المرجوة منها معبدة بإنتصارها هذا طريق الإنتصار أمام الشعب الفلسطيني على الإستعمار وشركائه من الغرب الإستعماري وفي القلب منه الولايات المتحدة الأمريكية.

أما من حيث طبيعة الإغتيال فقد جاء مرتبطاً بطبيعة شرين، إذ أصبحت وهي صاحبة القلب والعقل الفلسطينيان وقبلهما صاحبة البصيرة الفلسطينية والمهنية العالية كواحدة من أصدق من ينقلون الحقيقة عن واقع الشعب الفلسطيني، والأهم عن بطش وإرهاب الجيش الإسرائيلي ومستوطنيه، ولا نبالغ هنا بالقول أن شرين تشبه في صدق روايتها المذيع الأمريكي في محطة (CBS) إبان الحرب في فيتنام (ولتر كرونكايت) الذي كان يوصف في أمريكا (بالرجل الأصدق) نتيجة لتقاريره الصحفية الصادقة عن الحرب الفيتنامية الأمريكية،حيث كان ينقل الحقيقة مردداً في كل تقرير له أن أمريكا لا تصنع النصر في قيتنام إنما ترتكب الجرائم، الأمر الذي كان له أثره في بناء رأي عام أمريكي ضاغط لإنهاء الحرب لصالح الثوار في فيتنام في بداية سبعينات القرن الماضي.

تجدر الإشارة هنا أن شرين قد حفرت ورسخت مصداقيتها هذه خلال عملها لربع قرن تقريباً كأحد مراسلي قناة الجزيرة القطرية ذات الممكنات الهائلة، حيث يسجل هنا لكل من الجزيرة وطاقمها العامل في فلسطين مساهمتهم في تمكين شرين من توظيف أسلحة الجزيرة الفتاكة من (كاميرا وصورة وكلمة)، هذه الأسلحة التي توازي وربما تتفوق في أهميتها على باقي أنواع الأسلحة التقليدية المعروفة، لصالح الفلسطينيين في صراعهمالطويل والمرير والمعقد ضد الإستعمار والإحتلال والأبارتهايد الإسرائيلي، الذي لطالما شكل له الغرب الإستعماري الحليف والشريك والحامي والمانع، الأمر الذي جعل من شرين بحق أيقونة الصحافة والإعلام فلسطينيا والأهم أنه جعلها واحدة من صناع الرأي الفلسطيني، وواحدة ممن تمكنوا من كشف اللثام عن الوجه الحقيقي للإستعمار والإحتلال وشركائه حول العالم، الأمر الذي جعل من إعتبار إسرائيل قناة الجزيرة وطاقمها العامل في فلسطين وعلى رأسهم شرين جهة معادية لإسرائيل، وهذا ما يفسر إستهداف مقرها في غزة خلال حرب مايو/ايار الماضي والإعتداء أكثر من مرة على أفراد طاقمها خاصة من النساء.

أما من حيث التوقيت، فقد جاء إغتيال شرين متزامناً مع اللحظة التي بدأ فيها الجيش حملة واسعة على ما يطلق عليه (الإرهاب) ضمن حملة عسكرية واسعة أطلق عليها إسم (كاسر الأمواج).

واللافت هنا أن هذه الحملة تتم في لحظة تشهد فيها الرواية الإسرائيلية تراجعاً وهبوطاًملموسين، إن على صعيد الرأي العام اليهودي، داخل وخارج إسرائيل، لا سيما في أوساط الجالية اليهودية الأمريكية، أو على صعيد الرأي العام العالمي خاصة بعد تواتر التقاريرالصادرة عن مؤسسات حقوقية دولية والتي تعتبر إسرائيل دولة أبارتهايد، الأمر الذي جعل من تقارير شرين الصادقة عبر شاشة الجزيرة واحدة من العقبات الكأداء أمام محاولاتماكنة الإعلام الإسرائيلية الضخمة في إستعادة ثقة المواطنين في إسرائيل بمؤسساتهم الأمنية، والأهم في إستعادة ثقة الراي العام العالمي ودحض توصيف إسرائيل بدولة بالأبارتهايد، من خلال إبراز وإظهار أنها أي إسرائيل إنما تحارب الإرهاب الفلسطينيواللاسامية.

وتاسيساً على ذلك ربما يكون صاحب القرار في إسرائيل قد توصل الى تقدير مفاده أن نجاح الخطة الإعلامية الإسرائيلية تستدعي إسكات صوت شرين وصوت الجزيرة وغيرها من الشاشات محدودة العدد في العالم العربي.

ويعتبر سماح الرقابة العسكرية الإسرائيلية للمراسل العسكري لموقع (Walla) الإلكتروني(أمير بوحبوط) بنشر مقالة في شهر أبريل الماضي حملت عنوان (من داخل جهاز الإستخبارات الذي يصفي الإرهابين) أحد المؤشرات القوية على صحة إستنتاجنا الموضح في الفقرة السابقة، حيث كشف الكاتب في هذا المقال أن الجيش قد طور في العقد الأخير قسما يتخذ من مبنى وزارة الدفاع الإسرائيلية في تل أبيب مقراً له، مهمته الأساسية تطوير إستخبارات من مصادر معلومات علنية كمحطات التلفزة والراديو والصحف ووسائل التواصل الإجتماعي لإنضاج ملفات (إرهابيين) طبقاً لتوصيف بوحبوط بما في ذلك ملفات شخصيات بارزة في مجال صناعة الرأي العام في العالم العربي والفلسطيني وذلك لتوظيف هذه الملفات من قبل وحدات الجيش المسؤولة عن تنفيذ عمليات القتل الممنهج (Targeted Killing).

أما من حيث المكان فقد جمعت شرين في رحيلها بين مكانين يحتلان المساحة الأبرز في المشهد الفلسطيني، ويتمثل المكان الأول في جنين ومخيمها الذي يتصدر سلوكاً وخطاباً حالة التحول والتغيير التي يشهدها المجتمع الفلسطيني في اللحظة الراهنة خاصة وأنه قد خرج من هذه المنطقة على مدى الشهرين الماضيين أفراد من خارج تغطية أجهزة الرادار الإسرائيلية، نفذوا عمليات ضد أهداف إسرائيلية حظيت بتاييد غالبية الشعب الفلسطيني، مما جعل من هؤلاء الأفراد نماذج قدوة لغيرهم من ابناء جيلهم الذي تشير معظم إستطلاعات الرأي الفلسطينية وغير الفلسطينية أنه لم يعد يؤمن أن إسرائيل ستسمح في المدى المنظور بإقامة دولة فلسطينية مستقلة وذات سيادة على حدود العام 1967، وعاصمتها القدس الشرقية.

حيث يبدو جلياً هنا أن الجيش قد أراد بتعمد إغتيال شرين في جنين إحداث وقيعة بين مسلحي المخيم ومؤسسات الإعلام خاصة مع قناة الجزيرة واسعة الإنتشار والتأثير، الأمر الذي من جهة يساهم في تحييد الجزيرة، ويساهم من جهة أخرى في حرف مسارات التحول الجارية في المجتمع الفلسطيني ولم تصل بعد إلى مآلها النهائي.

وتمثل القدس المكان الثاني التي تعتبر مركز الصراع برمته، حيث نجحت شرين وهي جثمان محمول على الأكتاف في إسقاط علم إسرائيل ورفع علم فلسطين بدلا عنه، الأمر الذي لا يخلو من دلالة ويجعل من شرين نموذج قدوة للفلسطينيين.

مركز الناطور للدراسات والأبحاث  Facebook

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى