شوؤن عربية

الشرق الأوسط.. «طعم» روسيا لتعزيز قوتها

إيكونوميست – ترجمات – 25/3/2017

بدت قبعة الفراء السوداء غريبة على أمير الحرب الليبي، إلا أن الفراء زي تقليدي في فصل الشتاء بموسكو، والتي أصبحت محطة أساسية لقادة الشرق الأوسط مثل خليفة حفتر، الذي زارها مرتين العام الماضي. خلال هذا الشهر زارها أيضًا منافسه فايز السراج، رئيس الحكومة الليبية المدعومة من الأمم المتحدة في طرابلس. كما سبق ووقف كل من العاهل الأردني الملك عبد الله، ورجب طيب أردوغان، وبنيامين نتانياهو، في الكرملين أمام الجماهير مع فلاديمير بوتين هذا العام.

هذه الزيارات تعتبر علامة على نشاط روسيا المتنامي في الشرق الأوسط. أندري كورتونوف عضو مجلس الشؤون الدولية الروسي -مركز أبحاث- قال: “إن السياسة أوسع من سوريا وحدها”. فمصالح روسيا في المنطقة تشمل الأمن ومبيعات الأسلحة والنفط، ولكن الأهم من ذلك، أن الشرق الأوسط يوفر منبرا لتعزيز وضع روسيا كقوة عالمية. كما قال فيودور لوكيانوف عضو مجلس السياسات الخارجية والدفاعية -جهاز استشاري حكومي: “من لديهم مواقف قوية هناك سيكون لهم مواقف قوية في العالم”.

العمل كوسيط بالسلطة في سوريا ساعد روسيا على تنمية العلاقات، وتسعى جاهدة للحفاظ على الاتصالات بين الخصوم السنة-الشيعة والعربية-الإسرائيلية. في الوقت الذي كان فيه بوتين يقاتل إلى جانب إيران في سوريا، تمسك أيضًا باتفاقية توريد النفط مع المملكة العربية السعودية. كما وطد العلاقة مع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، وأصلح العلاقات مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، بعد إسقاط طائرة روسية فوق سوريا. كما حافظ على الصلات الودية مع نتنياهو، متمسكًا بدور أكثر

نشاطا في التوسط في الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي. يقول مارك كاتز من جامعة جورج ماسون: “إنهم يخرجون للتحدث مع الجميع بطريقة لا يفعلها الأميركيون”.

حتى أن روسيا حققت تقدما طفيفا مع الحلفاء الأمريكيين التقليديين. مؤخرًا، قالت ميليشيا وحدات حماية الشعب الكردية -مجموعة تدعمها الولايات المتحدة في سوريا- إن روسيا أنشأت قاعدة للمساعدة في تدريب مقاتليها. جدير بالذكر أن روسيا اجتذبت استثمارات قطرية في العام الماضي في شركة نفط مملوكة للدولة اسمها “روزنيفت”، كما تعهدت الإمارات العربية المتحدة بشراء مجموعة من مقاتلات سوخوي. دبلوماسي غربي يقول: “سواء أعجبنا هذا أم لا، الآن لا يمكننا أن نفعل شيئًا في الشرق الأوسط من دون روسيا”.

الحكومات الغربية قلقة بشكل خاص من ليبيا، حيث تساعد روسيا حفتار، رجل علماني قوي من النوع الذي يفضله بوتين. مسؤولون أمريكيون قالوا إن القوات الخاصة الروسية رُصدت بالقرب من سيدي براني في مصر، بالقرب من الحدود الليبية؛ فيما نفى المسؤولون الروس ذلك، مع اعتراف المقاولين العسكريين الروس أنهم يعملون في أراضي حفتر. كما وقعت “روزنيفت” مذكرة تعاون مع المؤسسة الوطنية الليبية للنفط.

من جانبها، تصر روسيا أن تعاملها مع حفتر يتعلق بالسلام فقط في نهاية المطاف. أندري باكلانوف، نائب مدير جمعية الدبلوماسيين الروس، قال إن قوات حفتر لديها “إمكانات كبيرة” للتأثير على الأحداث. ومع ذلك لا يزال العديد من المسؤولين الغربيين حذرين.

تنبع قدرة روسيا على التجوال في المنطقة -إلى حد كبير- من تضاؤل النفوذ الأمريكي. وقد ثبت أن حكام الشرق الأوسط منفتحون على تنويع استثماراتهم. فيقول

دانييل كيرتزر، السفير الأمريكي السابق لدى كل من إسرائيل ومصر: “هذه منطقة تعرف كيف تلعب القوى الكبرى على بعضها البعض”.

إلا أن الأهداف الروسية محدودة، كما يقول فيتالي ناومكين من معهد الدراسات الشرقية بالأكاديمية الروسية للعلوم، إن روسيا “ليست لديها الرغبة ولا الموارد” لتصبح المهيمن الجديد في المنطقة. كما يقول سفير روسي سابق: “نحن واقعيون، يمكننا مقارنة الأرقام”. فالاقتصاد الروسي يبلغ عُشر الأمريكي. وعلى النقيض من العصر السوفيتي، فإن روسيا اليوم لا تشجع على نظام بديل للحكم. وبدلا من ذلك، فإنها تبشر بالاستقرار.

يقول لوكيانوف: “إن الموقف الروسي هو الحفاظ على ما هو موجود، وهو السبيل الوحيد لتجنب الفوضى”، حتى لو كان القادة الحاليون “من آكلي لحوم البشر، أو قتلة أو مستبدين”.

تمسك موسكو بدعم الاستقرار ينبع جزئيا من التهديد الإرهابي الذي يضغط على روسيا نفسها. دميتري ترينين، مدير مركز كارنيجي -مركز بحثي بموسكو- يقول: “ترى روسيا أن الشرق الأوسط أقرب إلى حد ما”.

تبعد سوتشي، المهرب المفضل للنخبة الروسية، عن حلب حوالي 850 كيلومتر (530 ميلا)، وهي نفس المسافة تقريبا بين باريس وبرلين. كما يقول المسؤولون إن حوالي 9 آلاف مقاتل غادروا روسيا والجمهوريات السوفيتية السابقة للانضمام إلى الدولة الإسلامية.

الأمر يتعلق أيضا بوقف ما تسميه روسيا “سياسة تغيير النظام” في الغرب. عندما بدأ الاستبداد في الهبوط خلال الربيع العربي، أعادت روسيا اهتمامها بالمنطقة بعد هدوء طويل منذ عهد ما بعد الاتحاد السوفيتي.

بالنسبة لبوتين، فإن قرار التدخل في دعم نظام بشار الأسد في 2015 كان يهدف جزئيًا إلى “وقف انتشار فيروس الربيع العربي”، كما يقول ترينين، وكذلك “العودة إلى معادلة العلاقات مع الأميركيين” بعد عزل الغرب لروسيا عن الأزمة في أوكرانيا.

ساعدت حملة القصف الوحشي على تحقيق ذلك، لكن ظهرت التحديات مع تعميق مشاركة روسيا. على الرغم من النجاحات التي تحققت في ساحة المعركة في سوريا، “لا يوجد مخرج في الأفق” كما يقول إلكسندر شوميلين من المعهد الروسي للدراسات الأمريكية والكندية. كما تزايد القلق الإسرائيل بقلق إزاء الوجود الإيراني الطويل الأمد في سوريا.

ولا تزال المفاوضات حول مستقبل سوريا السياسي تتعثر في انتظار مشروع قانون ضخم لإعادة الإعمار وقت انتهاء الأعمال العدائية. إن تأمين السلام، كما تعلمت أمريكا، غالبا ما يكون أصعب من الفوز بالحرب.

التقرير

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى