السودانيون يستعدون لجولة ثالثة حرب وشيكة أخرى على الذهب الأسود - مركز الناطور للدراسات والأبحاث
Take a fresh look at your lifestyle.

السودانيون يستعدون لجولة ثالثة حرب وشيكة أخرى على الذهب الأسود

0 183

 

ترجمة : مركز الناطور للدراسات والابحاث

إعداد : ألون لوين ويوفال بستان

مركز الدراسات المركزة –30 أبريل -نيسان) 2012.

منذ حظي جنوب السودان بالاستقلال لم يذق الاستقرار يوما واحدا، الحروب بين القبائل تحولت إلى مسألة يومية، والمعركة الكبرى مع الشمال حول عائدات النفط تحولت إلى نقطة حاسمة للغاية بالنسبة للوجود الجنوبي، 98% من مدخولات دولة الجنوب مصدرها النفط ومعنى ذلك أن النفط هو سبب الوجود الرئيسي للجنوب وليس سبب الوجود الوحيد.

الآن يبدو أن الدولتان تعتزمان خوض جولة ثالثة للحرب بعد حربين أهليتين، في هذه المرة الصراع قد يستمر سنوات وقد يسفر عن عشرات الآلاف من القتلى.

الأمل الوحيد للجنوب هو وضع بنية نفطية شرقية عبر أراضي كينيا.

حوالي 2.5 مليون شخص قتلوا حتى الآن في الحربين الأهليتين في السودان، الثانية انتهت عام 2005 وكجزء من شروط وقف إطلاق النار الأخيرة تقرر إجراء استفتاء على مستقبل جنوب السودان.

في يناير 2011 جرى الاستفتاء فعلا وبعد نصف عام من ذلك تحول جنوب السودان إلى دولة مستقلة.

وكما وصفنا في دراسة في نوفمبر 2009 فإن الدالات النابعة عن حصول دولة جنوب السودان على الاستقلال من منظور السودان هي مأساوية سواء من ناحية اقتصادية أو من ناحية إستراتيجية.

من ناحية اقتصادية حقيقة أن معظم النفط السوداني موجود في الجنوب يهدد استمرار النمو الاقتصادي للشمال، حيث أن 90% من مدخولاته هي من النفط، من ناحية إستراتيجية حقيقة أن السودان يخضع لعقوبات غربية وأنه يبيع النفط بشكل حصري إلى الصين حول الصين إلى حليف قريب وملتزم يوفر المظلة الدبلوماسية القوية في مجلس الأمن على خلفية الفظائع التي ارتكبتها الخرطوم في دارفور وكذلك الوصول إلى التكنولوجيا وإلى المنتجات الصينية الحيوية.

القطاع النفطي السوداني مقسم بطريقة حيث أن معظم حقول النفط موجودة في الجنوب لكن بنية النقل وتكرير النفط وتصديره تعتمد على بورسودان التي تقع في الشمال.

وهكذا اعتقد السودانيون في الشمال أن بإمكانهم الحفاظ على جزء كبير من العائدات النفطية هذا على ضوء تبعية الجنوب للبنية الشمالية، لكن وكما عرضنا في تلك الدراسة في عام 2009 فإن لدى جنوب السودان بديل –وضع خط أنابيب باتجاه شرق كينيا المسيحية ومن هناك يصدر عن طريق البحر الأحمر إلى العالم.

وفي مارس 2012 قرر جنوب السودان أن يتفحص بعمق هذا الخيار واستمر على هذا النحو.

المعركة على عائدات النفط

في يناير صادر الشمال سفنا تحمل النفط مصدره الجنوب والسبب الذي قدمه الشمال أن الجنوب لم يسدد جميع التزاماته المالية بالنسبة لاستخدام النفط وتصدير النفط إلى الخارج.

الجنوب من جانبه اتهم الشمال بالاستيلاء على نفطه وأوقف الإنتاج النفطي (1).

في نهاية نفس الشهر أفرج الشمال عن السفن لكن في الجنوب قرروا وقف ضخ النفط إلى أن يتم حل هذه الإشكالية وكان هذا القرار صعبا للغاية بالنسبة للجنوب.

وبينما استمر الشمال في تصدير النفط الذي استخرجه من حقول تقع في أراضيه وتمتع بجزء من العائدات النفطية فإن الجنوب فقد دفعة واحدة 98% من العائدات القومية، كما أن الاحتياطيات من النقد الأجنبي يمكن أن تكفي فقط إلى بداية شهر حزيران 2012 حسب التقديرات.

الخطط التي طرحت في الجنوب كانت تقوم على أساس مد خط أنابيب على طول نهر النيل باتجاه الجنوب ومن هناك نقل النفط على سيارات نفط إلى كينيا وجيبوتي(2)

الأمر يتعلق بنقل معقد للغاية لذلك تم الحديث عن حل مؤقت يسمح لدولة الجنوب بالتمتع بهامش معين إلى حين إيجاد حل دائم –خط أنابيب يمر من داخل أراضي كينيا ومن هناك يرسل النفط إلى جميع أنحاء العالم بدون حاجة إلى دفع عائدات إلى الشمال والاعتماد على أمزجة النظام.

بالنسبة للمشترين الأمر يتعلق بمشروع بنية تحتية يحتاج إلى أموال طائلة وإلى عمالة وبالطبع إلى أرباح دائمة من العائدات ولسنوات طويلة يمكن أن تنعش الاقتصاد بالنسبة لبقية العالم هذا هو الحل للاستقرار، النقص في 350 ألف برميل لمدة ثلاثة أشهر  -الجنوب يمكنه أن ينتج ما يقرب عن 400 ألف برميل –في السوق العالمية يلاحظ إلى حد معين ويسهم في رفع أسعار الذهب الأسود.

بيد أن جنوب السودان غير قادر على إقامة بنية مثل هذه بمفرده، وسرعان ما أدركوا هناك أن الدولة الوحيدة التي تستطيع إقامة مثل هذه البنية وهي صاحبة المصلحة هي الصين بالطبع الزبون الأكبر للنفط السوداني كما هو معروف.

التوجه إلى بكين

بالنسبة للصينيين استقلال جنوب السودان كان حدثا ينطوي على إشكاليات هذا بحسب التعبير البسيط والمبسط، وكلما كان يتعين عليها التعامل فقط مع النظام في الخرطوم كلما اضطرت لاستثمار أموال ضخمة وطائلة في تطوير حقول النفط في السودان.

حقيقة أن السودان تعرض للحصار في العالم أوجد تبعية عميقة للسودانيين للصين لذا استعد الصينيون للبقاء فترة طويلة في السودان.

الانقسام بين السودان في الشمال والجنوب خلق وضعا مختلفا حيث أن ثلاثة أرباع القطاع النفطي أصبح في حوزة الجنوبيين.

في البداية لم يلاحظ التغيير بالنسبة للصينيين لكن الآن وبعد وقف إنتاج النفط في الجنوب الصين هي التي تشعر بالنقص أكثر من أية دولة أخرى.

في منتصف أبريل سافر رئيس دولة الجنوب سلفاكير إلى بكين من أجل الالتقاء مع الزعامة الصينية. كان كير يأمل بالحصول على الأموال والمساعدات لإقامة البنية التحتية لنقل النفط عن طريق كينيا بيد أنه  استقبل من قبل الصينيين بفتور، الصينيون أبدوا تخوفهم من أن يؤدي تقديم هذا الدعم إلى الجنوب إلى إثارة حفيظة حليفهم القديم عمرو البشير في الشمال وأثروا رفض طلب الجنوب.

التقدير الصيني هو أن الجنوب سيضطر في نهاية الأمر للعودة إلى ضخ النفط في الأنابيب الموجودة عن طريق بور سودان بسبب النقص في السيولة النقدية.

قبل ذلك طالب الجنوب بممارسة ضغط آخر على الشمال، فبالإضافة إلى وقف تدفق النفط من الجنوب  دخل جنود من جنوب السودان في 26 مارس إلى داخل المناطق الشمالية وهي مناطق حقول النفط في هجليج وهي الحقول النفطية الأكبر في السودان الموجودة في إقليم كردفان على حدود التماس بين السودان وجنوب السودان، هذا الحقل في جانبه الشمالي ينتج 120 ألف برميل في اليوم.

وفي اليوم الثاني قام سلاح الجو السوداني المجهز بطائرات ميج-29 وسوخوي-25 المتطورة نسبيا بمهاجمة المنطقة وهاجم المنطقة الجنوبية ردا على هذا الهجوم.

وخلال شهر أبريل استمرت الحرب بين الجانبين حيث أن الجنوب سيطر على حقل النفط وأوقف تدفق النفط.

في 20 أبريل تقرر في الجنوب الانسحاب من الحقل بسبب الضغط الدولي، أما في الشمال فقد أظهروا ذلك كمن استرجعوا الحقل بأنفسهم وبالقوة.

قرار الجنوب بالسيطرة على الحقل كان جزءا من المفاوضات على تقسيم عائدات النفط، الجنوب كان في نقطة لا تسمح له بالاستمرار في تصدير النفط بسبب الخوف من مصادرة نفطه من قبل الشمال، بيد أن وقف النفط أصبح الجنوب أكثر ضررا لذا نشأت الضرورة بتوجيه ضربة إلى الشمال في الخاصرة الرخوة والحساسة وكان بالطبع حقل النفط في هجليج.

الموقف الأمريكي موقف إشكالي فالانسحاب من هجليج لا يعني انتهاء الحرب وإنما انتهاء مرحلة جس النبض بين الطرفين.

ووفقا لأحد التقديرات فإن جنوب السودان نجح في التوغل إلى مسافة 70 كلم إلى داخل أراضي مناطق الشمال خلال المعارك، وهو ما يثبت أن لدى الجنوب قدرة قتالية أفضل مما قدر لها حتى الآن.

في الشمال يوجد في الوقت الحالي حوالي نصف مليون جنوبي حصلوا على إنذارات وطالب بمغادرة الشمال، -12 ألف منهم ممن يقيمون بالقرب على الحدود عليهم أن يغادروا خلال أسبوع.

الموقف الأمريكي خلال المعارك كان ينطوي على إشكالية هذا في التعبير المبسط، الأمريكان تجاهلوا أحداث مصادرة النفط من قبل الشمال وتعاطوا فقط مع عملية تطور الأحداث في هجليج كاستهلال للحرب، وبذلك فسروا عملية الجنوب بالعدوان الذي لا لزوم له.

الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون أمر في محادثات تلفونية مع سلفاكير بالانسحاب من هجليج على الفور وقبل أن يقرر الجنوب الانسحاب، وقد رد عليه زعيم دولة جنوب السودان قائلا أنه ليس جنديا تابعا للأمم المتحدة.

جنوب السودان تجد نفسها بدون دعم من جانب الدولتين الأقوى في المنطقة، فهي تحتاج إلى مساعدات مكثفة من الخبرة والأموال من أجل مد خط أنابيب للنفط باتجاه كينيا والفوز بالاستقلال السياسي والاقتصادي.

دولة الجنوب تحتاج بصفة خاصة إلى السلاح استعدادا لجولة القتال القادمة مع الشمال والتي قد تندلع خلال أسابيع معدودة.

الإحباط في جنوب السودان هو إحباط كبير، الدولة تكبد مواطنيها خسائر بالملايين في حرب مع الشمال وفظائع تعتبر الفظائع الأكثر وحشية التي تحدث في العالم منذ الحرب العالمية الثانية ومحاولتها التحرر والتخلص من تأثير الشمال يواجه استفزازات كبيرة.

فإلى جانب مصادرة السفن هناك شهادات تدل على مد أنابيب نفط بديلة من قبل الشمال تستخدم لسرقة النفط من الجنوب.

الجنوب يواجه صراعا مع عدد كبير من المجموعات الأثنية لعدة أسباب من بينها الصراع على لمناطق الرعي وسلب قطعان البقر وغيرها صراعات بعضها بدعم من قبل الشمال.

وفي مواجهة كل هذا يجد الجنوب نفسه في مواجهة انتقادات دولية، الشمال الذي يدار من قبل عمرو البشير الذي يعتبر مهندس القتل في دارفور وهو مطلوب لمحكمة الجنايات الدولية يظهر كضحية في الجولة القتالية الأخيرة، الآن قواعد اللعبة بالنسبة للطرفين بدأت تتضح .

بالنسبة للشمال فعليه أن يستمر في استفزازه للجنوب من أجل خلق واقع يسمح بشن حرب شاملة بين الطرفين، بالنسبة للخرطوم حرب تنتهي ببقاء حقول النفط داخل أراضيها أي السيطرة على المنطقة الشمالية لجنوب السودان، وهو ما سيشكل نهاية ناجحة بالنسبة لها.

بالنسبة للجنوب الهدف هو كما ذكرنا تحويل كل عملية إنتاج النفط نحو من الشرق ووقف التبعية للشمال.

في هذه الأثناء في الجنوب سيضطرون إلى مواصلة ضخ النفط شمالا من أجل العودة للحصول على عائدات من بيع النفط لكن التبعية الجنوبية للشمال إلى جانب خطط سيطرة الشمال على نفط الجنوب تضمن أن الحرب بين السودانيين ستستأنف وستفضي إلى فظائع لا تقل ضراوة عن الفظائع التي وقعت في دارفور.

في الجولة الثالثة بين الجنوب والشمال ومن أجل خوضها يتدفق السلاح المتطور على الجانبين.

المراجع:

1. Aaron Maasho, “Sudan says to release ships seized from South Sudan”, Reuters, 28/01/2012

2. Hereward Holland, “S.Sudan plans underwater pipe for oil exports”, Retuers, 07/03/2012

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.