السلام في الشرق الأوسط… العملية المنسيّة - مركز الناطور للدراسات والأبحاث
Take a fresh look at your lifestyle.

السلام في الشرق الأوسط… العملية المنسيّة

0 199

Aaron David Miller -The National Interest

الجريدة * قسم الترجمة * 29/6/2012

بات الإسرائيليون والفلسطينيون يعملون بمفردهم، وإذا ظلوا يتصرفون بدون حسيب أو رقيب في منطقة الشرق الأوسط التي تعمها الفوضى، نعرف جيداً ما ستؤول إليه الأمور.

في قديم الزمان، ظهرت في الأفق البعيد جداً عملية اسمها “عملية السلام بين العرب وإسرائيل”، لم تعرف تلك العملية يوماً من السعادة ولكنها كانت موجودة وبقيت على قيد الحياة. حققت عملية السلام المزعومة بعض الإنجازات اللافتة (معاهدتا السلام بين إسرائيل ومصر من جهة وبين إسرائيل والأردن من جهة أخرى) ولكنها شهدت إخفاقات كثيرة أيضاً، لا شك أن حجم الإخفاقات يفوق حجم النجاحات، لكن انتشرت (في معظم الأوقات على الأقل) آمال واعدة وبرز احتمال بتحقيق النجاح وكانت العملية صادقة وتستحق المحاولة. خلال معظم فترات تلك الحقبة (بين السبعينيات والألفية الجديدة)، بدا وكأن الوضع لا يزال تحت السيطرة، بمعنى أن القادة اتخذوا قرارات معينة في منطقةٍ يمكن أن يرسموا معالمها ويسيطروا عليها. ربما كانت عملية السلام تتأثر بالأحداث الإقليمية، ولكنها كانت تبدو معزولة عنها في الوقت نفسه. نجحت عملية السلام بين مصر وإسرائيل في مواجهة الاضطرابات التي ولّدتها الثورة الإيرانية والغزو السوفياتي لأفغانستان. لكن ها قد تبخر ذلك كله الآن، فلايزال الصراع الإسرائيلي الفلسطيني أشبه بنزاع قبلي على الأراضي، وهو يتأثر بالأحداث الهائلة التي تتصدر عناوين الأخبار وترسم المعطيات السياسية في المنطقة: تُعتبر أوضاع مصر والمسألة النووية الإيرانية والحرب الأهلية في سورية مصادر قلق بالنسبة إلى اللاعبين الإقليميين وهي تدفعهم لتحضير المخططات والتحرك في بعض المناسبات. إن الظاهرة التي سماها الصحافي الإسرائيلي ميرون بنفنستي “حرب الرعاة” بين الإسرائيليين والفلسطينيين تبدو مفقودة أو حتى منسية اليوم. من خلال مراقبة أوضاع المنطقة طوال أربعة عقود، لم أشهد يوماً فترةً أكثر إرباكاً من الفترة الراهنة التي تتسم بتعدد الأزمات التي تتطور في الوقت نفسه. ولم أشهد سابقاً أي مرحلة من عملية السلام بين العرب والإسرائيليين حيث بدا المستقبل أكثر تأثراً بالأحداث الإقليمية. يمكن أن تنتج التحولات والشكوك (أو حتى التغيير عن طريق العنف) إنجازات عدة، وأن تبدل حسابات العرب والإسرائيليين على حد سواء (للتأكد من ذلك، يكفي أن نراجع أحداث حرب عام 1973، أو حرب الخليج بين عامي 1990 و1991، أو الانتفاضة الأولى). ما يثير الاهتمام (ويسبب الإحباط أيضاً) بشأن الاضطرابات الراهنة هو أنها ستؤخر عملية التفاوض بدل تسريعها. في ظل عملية متعسرة أصلاً بسبب عجز أو عدم رغبة الإسرائيليين والفلسطينيين في دفع ثمن أي اتفاق مرتقب وبسبب غياب الحاجة إلى حل عاجل، من المتوقع أن تطول مدة الوقائع الإقليمية القائمة لأسباب عدة.

مصر

بما أن مصر هي أكبر وأهم بلد عربي، سيؤثر موقفها في الملف الإسرائيلي الفلسطيني على مواقف بقية دول العالم العربي، فمن المتوقع أيضاً أن تصبح الثورة المصرية أشبه بفيلم طويل جداً سيجعل مصر منشغلة بشؤونها الداخلية خلال الفترة المقبلة، علماً أن تلك الثورة تحولت فعلياً إلى منافسة على السلطة بين الجيش (أو الحرس القديم) والإسلاميين بدل أن تكون حدثاً انتقالياً. على صعيد آخر، ستبقى أصداء القضية الفلسطينية مسموعة ولكنها ستشجع هذه المرة على تصعيد الصراع بدل التوصل إلى تسوية. كذلك، ستزيد انتقادات الرأي العام (يزداد دوره أهمية في هذه المرحلة) ضد إسرائيل والولايات المتحدة، وستنظر الساحة السياسية المصرية إلى معاهدة السلام مع إسرائيل بطريقة لم تعهدها في السابق. لا شك أن الجيش سيحرص على احترام نص معاهدة السلام لكن روحية ذلك النص ستزداد برودةً.  على صعيد آخر، ستصبح بعض المسائل أكثر تعقيداً مثل الأمن في سيناء، وحركة “حماس”، وغزة، والمستوطنات الإسرائيلية، وعمليات البناء في القدس. من المستبعد أن يتعامل الإسرائيليون بمرونة أكبر وأن  يقدموا التنازلات للفلسطينيين في حال تدهورت العلاقات مع مصر. من المعروف أن مصر هي أهم جهة تمنح الشرعية إلى سياسة السلام مع إسرائيل (إنه المثال الناجح الوحيد عن إمكانية استعادة الأراضي مقابل عقد معاهدة سلام، بغض النظر عن أهمية تلك المعاهدة من وجهة نظر الفريقين). كلما زادت الاضطرابات على الجبهة المصرية، سيصعب إحراز أي تقدم في أماكن أخرى.

إيران

أنا مقتنع منذ فترة بأن بنيامين نتنياهو لن يتخذ قرارات حاسمة في ملف السلام الإسرائيلي الفلسطيني طالما لم يتضح مسار الملف النووي الإيراني، فهو لم يقتنع يوماً بأن إحراز التقدم مع الفلسطينيين قد يُضعف إيران في المنطقة، بل إن العكس صحيح، تُعتبر إيران المسلحة نووياً أكبر تهديد استراتيجي على إسرائيل. من المستبعد أن تتضح معالم الملف النووي، وبالتالي لن يتم اتخاذ أي قرار حاسم في الملف النووي الإيراني في أي وقت قريب. نتيجةً لذلك، لن تكون إسرائيل مستعدة للتصرف بمرونة أكبر في المسائل المحورية مثل القدس وترسيم الحدود. بغض النظر عن فرص التقدم في الملف الإسرائيلي الفلسطيني، لا بد من التفكير أيضاً باحتمال أن تلجأ إسرائيل أو الولايات المتحدة إلى الخيار العسكري ضد إيران في السنة المقبلة. قد يؤدي هذا الصراع الذي لا يتعلق بالعلاقات العربية الإسرائيلية إلى إحراز تقدم معين (كما حصل خلال حرب الخليج الأولى ومؤتمر مدريد للسلام). لكن يصعب أن نتخيل أن الاعتداء على إيران لن يجعل المنطقة تغلي لفترة معينة، ما ينسف أي أمل في إحراز التقدم في عملية السلام.

غياب القادة الحقيقيين

خلال التسعينيات (إنه العقد الأخير الذي شهد محاولات فعلية لإنجاح عملية السلام)، لعب القادة العرب دوراً حاسماً في هذا المجال. ربما كان مبارك والأسد والملك حسين وعرفات والملك حسن المغربي حكاماً استبداديين، ولكنهم كانوا يتمتعون أيضاً بمصداقية وشرعية كافية لعقد الصفقات مع إسرائيل والولايات المتحدة أو محاولة ذلك على الأقل. لقد انتهى هذا الوضع الآن. لا وجود لأي قادة أقوياء اليوم. حتى إنّ العالم العربي حُرم من القادة النافذين الفاسدين أيضاً. قد يستمر هذا الوضع لفترة طويلة. اليوم، لا وجود لأي قائد يستطيع التغطية على التنازلات الموجعة التي قد يضطر الفلسطينيون إلى تقديمها، أو يستطيع أن يضغط لإقرارها، أو أن يتواصل مع الإسرائيليين لإقناعهم بتقديم حصتهم من التنازلات. كذلك، لا تملك الولايات المتحدة شركاء عرب يمكن أن تعد معهم المخططات والاستراتيجيات. كان للربيع العربي ونتائجه تأثير واحد في أنماط القيادة قد يكون إيجابياً، فبعد أن خرجت “حماس” من سورية وصارت أكثر اعتماداً على العرب في الخليج ومصر، تعاني اليوم الضعف، وباتت أقل ثقة باستراتيجيتها الرافضة. صحيح أننا لا نستطيع الجزم أن ثمة ضرورة ملحة لتسوية الخلافات بين غزة الخاضعة لسيطرة “حماس” والقيادة الخارجية، خصوصاً عباس و”فتح”، ولكن قد يكون من الأفضل أن نبقي هذا الاحتمال في البال. قد يكون لسقوط الحكام المستبدين عموماً تأثير إيجابي في العرب، وسياساتهم، وظهور مؤسسات أكثر شفافية وشمولية، إلا أنه لن يعود بالفائدة على مسيرة السلام العربية-الإسرائيلية، لأن عصر السعي لتحقيق السلام في إسرائيل والعالم العربي على حد سواء قد بلغ، على ما يبدو، نهايته في الوقت الراهن. خلاصة القول إن الشرق الأوسط يزداد تعقيداً وتقلباً، لا العكس. ولا شك أن القرارات الكبيرة في السياسة، كما في الحياة، تتطلب مقداراً محدداً من الضمانات، والتطمينات، واحتمالات الربح. لكن تقلبات المنطقة صعّبت على الإسرائيليين والفلسطينيين اتخاذ قرارات حاسمة. علاوة على ذلك، ما من أحد سيستلم الدفة، ما من منظم كبير (الولايات المتحدة؟) ليحاول جمع كل الأطراف. إذن، بات الإسرائيليون والفلسطينيون يعملون بمفردهم. وإذا ظلوا يتصرفون بدون حسيب أو رقيب في منطقة الشرق الأوسط التي تعمها الفوضى، نعرف جيداً إلى ما ستؤول إليه الأمور.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.