السفير ملحم مسعود يكتب مع ... سلوى الشرفي ( 7 ) - مركز الناطور للدراسات والأبحاث
Take a fresh look at your lifestyle.

السفير ملحم مسعود يكتب مع … سلوى الشرفي ( 7 )

0 113

السفير ملحم مسعود – اليونان 5.4.2021

وما زلنا في يوم المراة العالمي … الفرصة والصدفةوحدها

جعلتني اتابع هذا الحراك النسوي الطويل كما حدث معي بعد لقاء نوال السعداوي السريع في القاهرة , ولكن بعد سنوات من لقائي مع السعداوي كان اللقاء هذه المرة  مع الناشطة و الباحثة والأستاذة الجامعية التونسية  الدكتورة سلوى الشرفيولمستُ في شخصيتها شئ من الإعتزاز بجنسها … وصلابتها في عدم التخلي عن مبادئها من أجل تحقيقها … وما تميزت به من ثقةولمسة جمال أغريقية لا تخطئها العين …  وكأنها هدية من الآلهة … كما يقولون .

( دون ان ننسى نحن أبناء فلسطين تونس وأهلها … هذا البلد العربي الحبيب الذي إستضاف الحركة الوطنية المعاصرة في أصعب وأدق مراحلها )

يُنظر إلى تونس على أنها في طليعة الدول الداعمة للمرأة في العالم العربي والسبًاقة من حيث النصوص والتشريعات الضامنة لحقوقها . ي جع العديد من التونسيين والعرب وآخرين الفضل في المكانة التي تحظى بها المرأة التونسية الآن إلى الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة , حيث كان فهمه للحرية نابعا من اعترافه بأهمية المرأة وتحريرها أولا وقبل كل شيء  .

وقيل ايضا … أن المراة التونسية اكثر إمراة عربية تنال حقوقها … بفضل بورقيبة بما له ( وماعليه ) . لكن نضالات النساء كانت سابقة في التوقيت والرؤية، عندما نادت ” حبيبة المنشاريفي 1924 بإلغاء الحجاب ومنع تعدد الزوجات , فيما لم ترى عدد من الحركات النسوية نورًا في عهد بورقيبةفتم السطو عليها بُعيد نشأتها سنة 1955 إثر خطاب إحدى رائدات الحراك النسوي التونسي بشيرة بن مراد (1913-1993) التي أسست الاتحاد النسائي الإسلامي سنة 1936 مع مجموعة من النساء الرائدات مثل توحيدة بالشيخ أول طبيبة في العالمين المغاربي والعربي    وأسماء بلخوجة الرباعيأولى المساهمات في الحركة الوطنية الدستورية التونسية...

وبهذا تكون النساء التونسيات في عهده و بعدما نالت البلاد استقلالها في آذار/ مارس من العام 1956 قد إستطاعت ( إنتزاع ) جملة من الحقوق والامتيازات المدنية .  

ولا ينكر البعض أن للرئيس الأسبق الحبيب بورقيبة (1903-2000) دور ملموس في الدفاع عن هذه الحقوق ( ربما لحسابات سياسية) التي تضمنتها سلسلة من التشريعات القانونية الرامية إلى تحقيق المساواة بين النساء والرجال، وهي التشريعات التي تعرف بـ «مجلة الأحوال الشخصية» (صدرت في آب/ أغسطس 1956)  واهمها صدور العديد من التشريعات التي عدت ثورة حقيقية في عالم المرأة الشرقية، مثل قانون منع تعدُّد الزوجات، ورفع سن زواج الذكور إلى عشرين سنة، والإناث إلى 17 سنة، ومنع إكراه الفتاة على الزواج من قبل وليّ أمرها، وقانون يسمح للمواطن بالتبني , وأقر بورقيبة قانوناً يسمح للمرأة بالإجهاض , ومنع الزواج العرفي وفرض الصيغة الرسمية للزواج وتجريم المخالف , وكذلك إقرار المساواة الكاملة بين الزّوجين في كل ما يتعلق بأسباب الطلاق وإجراءاته وآثاره , كما يمنع الطلاق إلى من خلال القضاء ، كما حصلت المراة التونسية لاحقا بنضالها عام 1959 على حق العمل السياسي تصويتا وترشيحا .

    وفي عام 1981 أصدر بورقيبة قانونًا يمنع النساء من ارتداء الحجاب باعتباره “مظهرا من مظاهر التمييز والطائفية، وينافي روح العصر”  وكان بورقيبة يظهر على شاشات التليفزيون في احتفالات شعبية مختلفة وهو ينزع أغطية الرأس عن بعض النساء قائلا … نحٍي … نحٍي …

إنظري إلى الدنيا من غير حجاب”.

كل هذا صحيح ولكن بمراجعة التاريخ الموثق والمكتوب  يؤكد رغم الإنجازات التي تحققت للمرأة في عهد بورقيبة الذي يقدم على أساس أنه أبو المرأة والحداثة التونسية فإن الوقائع التاريخية تبينكما ذكرنا سابقا بما لا يدع مجالًا للشك أن هذه الإنجازات لم تكن إلاً استجابة لنضال ومطالب أجيال من الحركات النسوية والنقابية ... أما طمس بورقيبة ونظامه لمآثر ومنجزات التيار الإصلاحي التنويري في تونس (الثعالبي والحداد)، في مقابل الترويج للتيار التقليدي المحافظ (محمد الطاهر بن عاشور) وإظهاره للعامة، كان هدفه الأساسي الترويج لصراع الحداثة مع الرجعية لكن التمحيص التاريخي أوضح أن بورقيبة لم يكن سوى مقلد سطا على فكر جيل زمانه، وما مجلة الأحوال الشخصية ( المذكورة أعلاه) إلا إقرار بإنجاز الطاهر الحداد وسابقيته في الدفاع عن المرأة، واستغلال الأول للطفرة الفكرية والإصلاحية التي ولدت في تونس زمن الاستعمار الفرنسي .

تقول لينا بن مهني : وهي ناشطة نسوية تونسية بارزة، إن «التونسيات كن منذ بداية العشرينيات عنصرًا مؤثرًا في الحركة الوطنية المناهضة للاستعمار الفرنسي وأنه بفضل المفكرين المؤسسين للفكر المتحرر في تونس كالطاهر الحداد (1899-1935) مؤلف الكتاب الرائد «امرأتنا في الشريعة والمجتمع» ( صدر العام 1930) نجحت المرأة في فرض حقوقها ... اليوم ومهما كانت العوائقستبقى التونسيات سبًاقات في العالم العربي، لأنهن دائمًا يطلبن حقوقًا أكثر ويطمحن إلى مزيد من المساواة والعدل , وما قانون القضاء على العنف المسلط ضد النساء إلا دليل جديد على انتصار نسويات تونس ».

كما هو معروف أصبحت النساء التونسيات الان يعملن في مجالات مختلفة , تتوزع بين عوالم السياسة والمال والأعمال والنشاط السياسي والجمعيات، في إشارة إلى مجال المبادرة الواسع والمفتوح أمام المرأة التونسية، خصوصاً أن تونس تعد من أول الدول العربية التي أقرت مبدأ تحرير المرأة , وتساوي الفرص بينها وبين الرجل . وأكدت قدرتهن على القيام بأدوار قيادية على كافة الصعد، وبأنهن يمتلكن مزايا ومؤهلات وصلاحيات وثقافة علمية ومجتمعية تمكنهن من النهوض بمجتمعاتهن تماماً كالرجال .

عودة إلى العنوان …

كانت الفرصة والصدفة … حين شاركَت سلوى الشرفي مع وفد تونسي في ندوة شبه عالمية حول ( الشمال والجنوب ) وكُنت أمثل فلسطين والتي إستمرت قرابة  3 أيام في روما … وربما كانت الندوة  الأولى والأخيرة حول هذا الموضوع , رغم أنها فكرة واعدة .

كانت هناك الفرصة والصدفة للتعرف على  الناشطة سلوى الشرفي … وخرجتُ بإنطباعات سريعة خلال هذه الفترة  القصيرة أن هذه المراة المثقفة لديها من المبادئ التي تعمل من أجل تحقيقها … ورؤيتها المبكرة على مستقبل التطورات في هذا البلد والمنطقة … ليس اكثرمن ذاك.

لم تسمح لنا الظروف بعد هذه الندوة التواصل , ولم تكن الإمكانيات العصرية ووسائل التواصل الإجتماعي متوفرة كما هو الحال في هذه الأيام … لكن تابعتُ بإستمرار نشاطاتها وكتاباتها  ومقابلاتها , اذكر هنا بعض منها مما تسعفني به الذاكرة (في إيلاف … الإلكترونية ) ربما كانت في مطلع عام 2008  , ومقابلتها مع صحيفة القدس العربي بعد سنوات . تابعت وقرات ونقًبت… عن نشاطاتها كما سبق وفعلت عن نشاطات نوال السعداوي التي لم أكن اعرف شيئا عنها … الأمرالذي ساعود إليه بعد قليل …

في ظل ظهور الحركات الإسلامية في  ( تونس) وغيرها  ودخولها المعترك السياسي في أواسط الثمانينيات، بعد أن كان عملها يقتصر على الدعوة , على الأقل ظاهريا. وقد بدأ حراكها السياسي بالتركيز على المرأة والتشكيك في شرعية حقوقها المكتسبة منذ سنة 1956، اعتمادا على تأويل موغل في ظاهرية النصوص، وعلى أحكام الفقهاء المتشددين المنافية للتغيرات الطارئة على مجتمعنا بحكم الزمن

كانت سلوى الشرفي حاضرة …  وفاعلة وعلى سبيل المثال تابعت بإستغراب شديد ( ربما كان ذلك قبل عام ) كيف تحال على القضاء السيدة سلوى الشرفي , الأستاذة الجامعية عندما عرضت في كتاباتها بعض الاستنتاجات التي توصّلت إليها ضمن البحث الأكاديمي الذي كانت بصدد القيام به في صلب اختصاصها حول التعامل السياسي مع الأحداث التاريخيةالأمر الذي اثار ردود فعل في المجتمع التونسي … وهذا بعض ما أذكر ومما توفر لي في وسائل النشر وهذا بعضها :

حذر إعلاميون وحقوقيون من استخدام القضاء لـ ”محاكمة الأفكار” وضرب حرية التعبير في البلاد. وسارعت نقابة الصحفيين للتضامن مع الشرفي داعية لعدم المس من حرية التعبير في البلاد... كما أطلقت حوالي 500 شخصية سياسية وحقوقية حملة تضامن مع الشرفي، عبروا فيها عن استنكارهم لـ ”محاكمات الرأي التي خلنا أنها ولّت دون رجعة. وما عودتها إلا دليل على عودة الدكتاتورية وخنق حرية الرأي والتعبير المكفولة دستوريا. ورفضنا القاطع لتدخل السلطات الثلاث في الأعمال العلمية والبحوث الأكاديمية. ومساندتنا المطلقة للأستاذة سلوى الشرفي في هذه المحنة”.
كما دوّن المحلل السياسي الحبيب بوعجيلة تحت عنوان ” سلوى الشرفي منتجة أفكار لا مرتكبة جرائم إحالة الأستاذة سلوى الشرفي على فرقة مقاومة “الإجرام ” بحجة تفكيرها هي فضيحة حضارية لكل التونسيين ولكل منتجي الأفكار التي يتم تحويلها الى جرائم”والكل ينادي :

” لا لمحاكمة الأفكار “

وربما قال لها بعضهم … ما قاله شاعر تونس الكبير : إذا الشعب يوما أراد الحياة … فلا بد أن يستجيب القدر، كما كتبت الباحثة رجاء بن سلامة ” كلّ التّضامن مع سلوى الشرفي . ما كتبته ليس ثلبا بل نقدا ضروريّا.

ودوّنت يمينة ثابت، رئيسة جمعية مساندة الأقليات كل الاحترام والتضامن مع الدكتورة سلوى الشرفي ... نحن نعيش في زمن مضحك.

وفي عريضة مساندة للسيدة سلوى الشرفي ومن أجل حماية حرية التعبير …  عبًر الموقعين عليها إستنكارهم الشديد لمحاكمات الرأي التي خلنا أنها ولّت دون رجعة. وما عودتها إلا دليل على عودة الدكتاتوريةوخنق حرية الرأي والتعبير المكفولة دستوريا رفضنا القاطع لتدخل السلطات الثلاث في الأعمال العلمية والبحوث الأكاديمية و مساندتنا المطلقة للأستاذة سلوى الشرفي في هذه المحنة، معربين لها عن وقوفنا المبدئي إلى جانبها وإلى جانب الحريات …

أمام حقيقة أن ( المتغير )  في الساحة النسوية اصبح من ( الثابت ) في كل مكان ونرى كيف أن الحركات الأصولية كلها بغض النظر عن منشئها ودينها … معادية للحداثة وللديمقراطية تعريفا , بل إنها الإفتقار إليهما , فالآخر عندها مرفوض تماما ومبدئيا … وحين تتشابك الهويتان الدينية والإثنية في إحداها , يتكامل العداء  للآخر حتى يصير أقرب إلى العنصري

هكذا كانت نوال السعداوي ( رحمها الله ) … وسلوى الشرفي امد الله بعمرها  إمرأتان والتهم واحدة :

التكفير

عندما حاولن إماطة اللثام عن العقلية الذكورية المتخلفة التي تتحكم في المرأة وتقمعها …. منذ ولادتها وحتى وفاتها … هذا القليل في كتاباتنا ,  في حق المرأة طوال الأيام السابقة خلال مقالاتنا في هذا الموقع … وربما كانت مجرد عناوين ومختصر مفيد … بمناسبة يوم المراة العالمي , ليكون مقدمة لكتابة بعض  تاريخ الحركة النسوية الفلسطينية …  وتاريخها  النضالي الوطني الفلسطيني وهو متجذر في القضية الفلسطينية …

وللحديث بقية

ملحم مسعود

.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.