السفير ملحم مسعود يكتب - مع إدوارد سعيد ... في قبرص 2 - مركز الناطور للدراسات والأبحاث
Take a fresh look at your lifestyle.

السفير ملحم مسعود يكتب – مع إدوارد سعيد … في قبرص 2

0 150

السفير ملحم مسعود – اليونان 2.3.2021

اليوم الأول

في يوم من ايام شهر اغسطس الحارة في قبرص عام 1976  إتصل بي احد القيادات الفلسطينية البارزة  رحمه الله , هاتفيا  من بيروت ليقول لي : معي صديق عزيز يصل قبرص غدا … أرجو إستقباله و التعرف عليه  إسمه: إدوارد سعيد وصلت الرسالة ( التعرف عليه )

عدت في مساء ذلك اليوم وإتصلت بأخونا وقلت له رجاءا من هو صديقكم العزيز وطبيعة مهمته في قبرص ؟؟؟ واعطاني صورة سريعة ومختصرة … كانت كافية , لكن غير كاملة  عن هذا لصديق العزيز إدوارد وسعيد .

صار عندي شعور وشئ من الفضول أن الزائر القادم من أمريكا … ( ام الدنيا  … ) لديه إهتماما خاص  لسبب أو لآخر , لزيارة الجزيرة لذا جاء ليقترب جغرافيا وسياسيا عن أسرار واسباب الصراع على قبرص …

وقرر المجئ إلى قبرص طالما هو في المنطقة , ليرى ويسمع على الأرض ما يمكن لبعض ما يجري ,  وقررت في داخلي ان لا اكون بخيلا معه , إذا كان ذلك … والمساعدة لتأمين الفرص  … وتكون لي فرصة أيضا ان أفهم من الزائر  ما يمكن عن أمريكا و طبيعة عمل المؤسسات الأمريكية التي تحكم سياسات هذا البلد .

وقلت إِنّ غَداً لنَاظِرِهِ قَرِيبُ.

كنت في إستقبال هذه الشخصية الفلسطينية في مطار  ” لارنكا ” الذي كان قبل الغزو التركي مجرد مدرجا مهجورا لا أهمية له , كان يستخدم لأغراض عسكرية   في حقبة الإستعمار البريطاني ( غزته ) الأعشاب واصابه التصدع   , والنسيان … يقع على أرض (سبخة ) تقريبا  تحيطها مستنقعات  مالحة خلال الشتاء لا تلبث أن تجف مع بدأ الربيع , يكون لها مظهرا ثلجيا جذابا  ناصع البياض … إنه الملح , الذي يتم تجميعه للإستهلاك المحلي والتصدير ..  وتم إعداد هذا المهبط وتأهيله على وجه السرعة لإستقبال الطائرات ليكون مطار قبرص الدولي … بديلا لمطار نيقوسيا الدولي الواقع على خطوط التماس بين الطرفين واصبح تحت إشراف الأمم المتحدة حتى يقضي الله أمرا كان مفعولا  .

كانت (مبانيه ) إن صح التعبير بمثابة ( برًاكة ) بالكاد فيها مكتب الجوازات وآخر لشؤون الجمارك او ما شابه ذلك . هبطت  الطائرة بسلامة الله وكنت اتابع المشهد وخروج المسافرين بإنتظار إطلالة الصديق العزيز … دون زحام أو ضجيج في حركة المطار وكنت ارصد وجوه القادمين عائلات واطفال ومستقبلين بأعداد قليلة إلى أن خرج شاب دون الاربعين من عمره  … توقف وألقى بنظراته وكانه يبحث عن شخص أو شئء ما في هذه الجزيرة تقدمت نحوه وقلت له … إدوارد … إبتسم وقال لي ملحم ... ورأيت البساطة والكياسة والدماثة في وجهه وتصرفاته من أول وهلة … والفطنة والذكاء .

لحظات لن أنساها ولم يدر بخلدي ان صداقة شخصية سوف تربطنا منذ ذلك التاريخ مع الرجل الذي سوف سيصبح بعد سنوات قليلة   بكتابه ” الإستشراق ” من نجوم الأدب العالمي وأحد عمالقة الفكر في القرن العشرينوشعرت بالتفاعلات الكيميائية نحو الزائر قد بدأت تتفاعل  كما وصفها العالٍم الألماني جن غوتيه … في نظريته المعروفة عام 1809 .   

من هنا بدأت حكاية ” الصدفة ” مع إدوارد سعيد , التي أشرت إليها في مقالي السابق ( مع إدوارد سعيد … ) لتصبح الحكاية  أكثر إنسانية من مجرد صدفة التي صنعت صداقتنا وزمانها ومكانها   .

توجهنا إلى السيارة  وبدأت تتبلور إنطباعاته الاولى على هذا البلد وبنوع من الإندهاش قال لي : آه السير هنا  على اليسار … وقلت له هذا من رواسب الإستعمار البريطاني  , وقال لي رواسب قلت له نعم رواسب , وإذا به يقول معنى ذلك ان هناك رواسب أخرى كثيرة !!! وقلت له أنت في قبرص وسترى عجباً  في الجزيرة …

بلد منقسم إلى دولة ونصف , من إرث الإستعمار ... شعبان في دولة واحدة تحرك كل منه تجاذبات خارجية … شعرت بحجم الدشة التي ألمت به من هذا التشخيص عن الحالة القبرصية.

بعد دقائق من مغادرة المطار , كان أمامنا  مشهد المستنقعات الملحية التي تحيط المطار  … والمدهش أن ( قشط ) طبقة الملح السميكة المتجمعة على سطح الارض ونقلها وتجميعها  يتم بواسطة ( الحمير …) مشهد يستحق التوقف والتامل وهو الوافد من امريكا بلاد الآليات والتفوق التكنولوجي أمام إمكانيات قبرص المتواضعة وحميرها … ( بالمناسبة لم يعد هذا المشهد موجود الآن … ليس لإنقراض الحمير  لكن هذه حكاية اخرى ليس مكانها هنا ) ونظر نحوي إدوارد قائلا بدأت أفهم معنى رواسب الإستعمار البريطاني في هذا البلد

كانت كلمات تستطيع أن تفهمها  كما تشاء ... تجاذبنا أطراف الحديث وفهمت ان زيارته كانت مجرد الرغبة في رؤية هذا البلد عن قرب الذي كان  ضحية التاريخ والجغرافيا ومدى أهمية قبرص   التي تتجاذب عليه اطراف عديدة , وتدور على أرضه صراعات صامته , وصدامات ونزاعات مرئية تنعكس على أمواج البحر المتوسط التي تحتضن هذا البلد موطن افروديتي إلهة الحب والجمال … عند الإغريق .  

وصلنا العاصمة نيقوسيا وتوجهنا للفندق وكان يقع  في مدخل  المدينة , وقلت له ربما ترغب بالراحة , قال لي بدفئ ومحبة أنه لا يريد أن يكون عبئا علي وبرنامج أعمالي !!! طمأنته أنني سأكون معه لعمل الممكن للإطلاع على أحوال البلد , ورؤية بعض الأصدقاء والتحدث معهم … إقترح علي تناول القهوة وما تيسر من الماكولات الخفيفة في الفندق , ثم إنطلقنا بإتجاه شارع ( ليدرا ) التاريخي والمركز التجاري القديم للعاصمة … لنصل إلى  نهايته حيث تركنا السيارة جانبا وبدأنا السير على الأقدام , في وسط الأزقة والخراب والحطام  على جانب الخط الأخضر الفاصل بين القسم الجنوبي للقبارصة اليونانيين , وعلى الجهة الاخرى القبارصة الأتراك .

هناك توقف إدوارد طويلا أمام المشهد الذي أعرفه جيدا واذكره تماما منذ سنوات مضت لدي وصولي إلى قبرص أول مرة في مهمة في نهاية الستينيات المهمة التي لم تنتهي أبدا مشهد الأعلام التي تخفق على حدود الخط الأخضر قائلا ماهذا ؟؟؟ وأضافذاك علم الأمم المتحدة مفهوم  … وهذا علم تركيا … وهذا علم … قلت له اليونان وصاح صحيح صحيح , لكن هناك أعلام  اخرى … فقلت له إنها أعلام لزوم ما لايلزم ,  حتى يكتمل مشهد ” الدولة ”  …  علم الدولة القبرصية المعترف بها دوليا منذ الإستقلال العسير بعد توافق قادة القبارصة الأتراك واليونانيين بمقتضى دستور وضعته كل من بريطانيا واليونان وتركيا في 16 من أعسطس عام 1960 … والآخر علم القبارصة الأتراك .  

وصلنا إلى نقطة العبور الرئيسية الفاصلة بين الطرفين وكنا في الجانب اليوناني حيث تشرف عليها قوات الأمم المتحدة من دول متعددة بينها كندا والدول الإسكنافية  وغيرها , توقفنا هناك كزوار اجانب وإلتقط إدوارد  الفرصة للحديث مع شخصية أممية كانت قريبة منا , كان كنديا يبدو انه كان في مركز مرموق وتجاذبا أطراف الحديث ودعانا رجل الأمم المتحدة لشرب القهوة في فندق ( ليدرا بالاس) القبرصي اليوناني والذي تتخذ منه القوات الدولية مقرا لها ... حتى الآن وبدت  علامات الرضى واضحة على إدوارد بعد هذا اللقاء الاول في قبرص , مع شخصية يمكن وصفها بالمحايدة  .

واصلنا السير بين الأزقة والبيوت المهجورة والمحلات والورش الصناعية  المهدمة , والأعشاب والأشواك وقال لي إدوارد أشعر بأنني على الحدود الفاصلة في القدس المحتلة قبل الإحتلال  … لنواصل السير في دروب نيقوسيا القديمة وظل إدوارد يقول لي أشعر انني اسير في بلادي

(دون ان أتشاور مع إدوارد قمت بالإتصال والتنسيق والتحضير مع  الصديق جورج … قبرصي مثقف له منصب رفيع في الدولة تخرج من الجامعات الأمريكية , وقلت له معي صديق فلسطيني أكاديمي وباحث جاء من أمريكا دون تفاصيل , دعوته لان نلتقي في المساء لتناول العشاء سويا , وحددت له المكان الذي إخترته بما  له من  حديقة واسعة ملئ  بالاشجار وسط  نسمات منعشة كنا في حاجة إليها بعد نهار مُتعب   في هذا اليوم الحار , وكنت قد تفاهمت مع صاحب المحل لترتيب ما يلزم  , وطلبت من جورج أيضا ضرورة الإتصال بصديق مشترك  آخر درس في موسكو وآخر درس في بريطانيا , وشرحت له أهمية اللقاء … وإذا هو يدعو قرابة عشرة من الأصدقاء والزملاء معه  في ذلك  المساء من الذين تلقوا تعليمهم في جامعات مختلفة قبرص لم تكن فيها جامعة في ذلك الوقت )

وبعد جولتنا  الطويلة عدنا للفندق قلت لإدوارد انا ذاهب لبعض الوقت واتركك للراحة  و سأعود لك بعد قليل  … بعد عودتي ولدي وصولي كان في إنتظاري في بهو الفندق …  قلت له سنلتقي الليلة بمجموعة من الأصدقاء وجميعهم يتحدثون الإنجليزية , ربما تكون فرصة اكثر في فهم قبرص وأهلها وعاداتهم , ومشاكلها من منظور آخر ربما يختلف عن مفهوم رجل الأمم المتحدة الذي تحدثت معه ... لكن على طريقنا سنتوقف لدي صديق 0 قبرصي … ) لشرب القهوة ثم نصطحبه معنا على العشاء ضمن المجموعة التي ستكون في إنتظارنا … أمام دهشت إدوارد في طريقة ترتيب البرنامج تلك الليلة… توقف بحذر وإنتباه لساالني عن الصديق الذي سنتوقف عنده قبل التوجه إلى الآخرين … قلت له هيا  ساشرح لك على الطريق …

كان هذا الصديق قبرصي تركي إسمه علي زوغلو , من الأقلية القبرصية التركية القليلة التي فضلت البقاء في الجانب اليوناني بعد عام 1974 وكنت حريصا طوال مهمتي السياسية في الجزيرة على مد جسور وبناء علاقة مدروسة ومحسوبة مع هذه الفئة القليلة لحسابات سياسية , وكانت هذه الأقلية القليلة على وفاق مع النسيج اليوناني , رغم ندوب السنوات السابقة …

وكان اهم الشخصيات  التي تعرفت عليها واقمت معه صداقة طويلة ضمن هذا المفهوم   ( د. إحسان علي ) المقيم في مدينة بافوس غرب الجزيرة , الذي إستفاد منه مكاريوس كمستشار خاص له وسنعود للحديث عنه خلال زيارتنا لهذه المدينة في اليوم التالي في مقالي القادم .  عندها أدرك إدوارد سعيد اهمية هذا اللقاء وإختياري (علي زوغلو ) على إنفراد ولو لبعض الوقت ,شعر انه الشخص المطلوب تماما … وبعد تعارف وحديث وحوار إصطحبناه معنا للقاء المجموعة التي كانت  في إنتظارنا … وإستكمال لزوم ما يلزم .

قضينا  سهرة قبرصية جميلة كان يذكرني بها إدوارد في كل مناسبة او إتصال هاتفي ويسال عن بعضهم بالإسم … كانت نخبة مختارة حقا ناقشت وحاورَت في البداية عن أحوال البلاد والعباد في فلسطين من وجهة نظر الزائر الكريم … وقدًموا وجهة النظر القبرصية بإعتدال  وتعقل شارك في النقاش صديقهم القبرصي التركي علي زوغلو , وشعر إدوارد انه أصبح ملما بالكثير عن هذا البلد التي ربما كان يبحث عنها وعن أسباب :

الصراع  … على قبرص.

في صباح اليوم التالي قلت له هيا يا عزيزي إحمل متاعك من الفندق … لم يعد في نيقوسيل المزيد من رؤيته سناخذ الطريق إلى مجموعة جبال طرودس حتى أعلى قمة جبل أوليمبيوس  على إرتفاع أكثر من 1952 متر فوق سطح البحر والتي تمتد عبر معظم جنوب غرب الجزيرة , وهناك من ينتظرنا في بيته الصيفي قبل مواصلة رحلتنا إلى محطتنا القادمة مدينة بافوس … لكن وفي طريقنا علينا أن نودع  نيقوسيا واجوائها الحارة بالتوقف قليلا في بعض معالمها الهامة ... قبل مواصلة رحلتنا .

وللحديث بقية

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.