#أقلام وأراء

السفير ملحم مسعود يكتب – ليبيا … والدور الأممي

بقلم السفير ملحم مسعود – 16.1.2022

من الصعب على المرء أن يكتب اليوم عما يجري في ليبيا … من تطورات ومستجدات متلاحقة فاضت بها وسائل الإعلام  , و الأصعب أن تكون الكتابة ”  مقالة ”  للنشر  في مثل موقعنا  يتابعها القُرًاء بإهتمام امام هذا الكم المتسارع و المتراكم عن إتصالات ولقاءات بلا نهاية … في البلد المنكوب  بالفوضى والمراحل الانتقالية وصراعات  الشرعيات… ( برلمان … مجلس الدولة الاستشاري…  وآخر  رئاسي  … وحكومة إنتقالية مؤقتة … ألخ … ممن يملكون القرار في ليبيا … لنعود إلى المربع الأول .  

وحول ما  أعلنه لاحقا رئيس المفوضية الوطنية العليا للإنتخابات الليبية ”  عماد السايح  ” قوله  حسب وكالة الأنباء الليبية  : 

 خلال مداخلة أمام مجلس النواب في طبرق … حول سبب عدم إجراء الإنتخابات في موعدها رغم جاهزية  المفوضية فنياً…. كان بسبب ( القوة القاهرة … ) التي حالت دون ذلك  كانت بمثابة عبارة أو تفسير يمكن  أن تكون   فضاء للتنكيت والسخرية لدى المواطنين دون التفريق بين تأجيل الانتخابات وإستمرار  الانسداد السياسي .  

 وسوف يتشاور مع النواب على موعد جديد للانتخابات وعزا في إفادته أمام الجلسة البرلمانية الخاصة ذلك إلى  ثلاثة أسباب : 

 أولها الأحكام القضائية المتضاربة في شأن بعض المرشحين، إذ كانت محاكم الاستئناف تخضع للضغوط وتلغي قرارات محاكم الدرجة الأولى، التي أبطلت ترشح بعض الشخصيات البارزة، مثل سيف الإسلام وخليفة حفتر والدبيبة، زيادة على كثرة عدد المرشحين  ( قرابة المئة ) إذ لم تكن الفترة الممنوحة للمفوضية تكفي للتأكُد من سلامة سجلاتهم من التزوير. 

والسبب الثاني تمثل بالتهديدات التي تلقتها المفوضية من الميليشيات في غرب ليبيا، ومنها التهديد باقتحام مقر المفوضية إن تمت الانتخابات بقائمة مرشحين لا تقبلها تلك الميليشيات، والتشكيك في نزاهة المفوضية، مع التزام مؤسسات الدولة  ( العاجزة ) الصمت أمام تلك التهديدات … بما فيها المجلس الرئاسي والحكومة والبرلمان. 

والسبب الثالث، المترتب على ما سبق، هو تشكيك المفوضية في قدرة وزارة الداخلية على تأمين العملية الانتخابية في تلك الظروف.

وبات من الأرجح الآن أن اهتمام النٌخب الليبية سيتركز في الفترة المقبلة على تعديل بعض القوانين، وخاصة قانوني الانتخابات الرئاسية والتشريعية , زيادة على معالجة المسار الدستوري، تمهيدا لتحديد ميقات جديد للاقتراع، مع أخذ المعطى الدولي في الحسبان. وفي هذا الصدد عقدت اللجنة البرلمانية المعنية بمتابعة العملية الانتخابية أخيرا اجتماعا في  ” طبرق ” مقر البرلمان  عرضت فيه على 115 نائبا نتائج أعمالها …  في رسالة واضحة، أنه لا انتخابات في القريب المنظور … متخذاً ذريعة حالة « القوة القاهرة … » التي جاءت في تقرير المفوضية الوطنية العليا للانتخابات ( أعلاه ) من دون تسمية ما هي تلك القوة القاهرة … وهم اكثر من يعرفوها واللافت أنها أوصت بمعاودة تشكيل الحكومة ووضع خريطة طريق جديدة، إضافة لتعديل الدستور وسقف زمني حتى آخر يونيو ، مع نهاية مهمة حكومة عبد الحميد الدبيبة، وهي نهاية تُهدد بدخول البلد في مرحلة فراغ سياسي، يسعى كل من مجلس النواب والبعثة الأممية لتفاديه بإجراء الانتخابات العامة في موعدها .

 معنى ذلك  ان المرحلة المقبلة، قد تشهد مزيدا من الانقسام إذا أصرّ مجلس النواب على تغيير الحكومة وتمسك الدبيبة بالاستفتاء على الدستور وقوانين الانتخابات “العادلة” … وتكثر الاسئلة هنا حول مصير حكومة الوحدة الوطنية المؤقتة برئاسة الدبيبة ؟؟؟ وهل ستغادر الحكومة مع رئيسها، أم سيبقى عناصر منها في التشكيل الحكومي، وبخاصة من يُديرون وزارات فنية ؟ وهل سيرضى الدبيبة بتقديم الاستقالة ؟

وآخر ما جاء ن تداعيات  عدم إجراء الإنتخابات , رغم التحضير لها طوال 9 شهور وإقبال المواطنين على التسجيل  حسب ما جاء في مقال ” رشيد خشانة ” …. الأرجح أن المجلس سيناقش موضوع سحب الثقة من الحكومة في ضوء بيان أصدره 15 عضوا من مجلس النواب، وطلبوا فيه من رئاسة المجلس تضمين جدول أعمال الجلسات المقبلة بندا يخص اختيار رئيس حكومة جديد. وأوضحوا أنهم يُفضلون حكومة تكنوقراط مصغرة ذات مهام محددة، «لتحل محل حكومة الفساد برئاسة عبد الحميد الدبيبة» على ما جاء في البيان الذي نشره مجلس النواب على موقعه.
إلا أن الأمم المتحدة لا تؤيد هذا الحل، وتؤكد أن المؤسسات الوطنية الليبية تُواجه أزمة في شرعيتها، «لا يمكن حلها إلا من خلال انتخابات تُفضي لانتخاب رئيس وحكومة بشكل ديمقراطي».

 كل هذا   يعيد الأوضاع إلى المربع الأول … وخطورة  ان  يلجأ الطرفان إلى الخيار العسكري مجددا لحسم صراعاتهما … لا سيما ان التحالفات الجارية الآن  تتطور وتتغير ما بين الشرق والغرب والجنوب  الليبي … واللقاءات التي تجري  في عواصم مختلفة لتضفي  على  المشهد الليبي مزيدا من  الضبابية والتعقيد أكثر من اي وقت مضى … مما لا يبشر بالخير … 

في عودة إلى ”  الدبيبي ” رجل الأعمال  والذي  ( طَاب … ) له المقام في رئاسة االحكومة  المؤقتة … جاء الرد في مقابلة للمستشارة  الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة  ” ستيفاني وليامز ”  للشرق الأوسط ( 26 من ديسمبر الماضي ) علماً بأنها عملت سابقاً مبعوثة للأمين العام للأمم المتحدة إلى ليبيا خلفاً للوزير اللبناني غسان سلامة .

عندما سئلت… وليامز إذا كان يحق لرئيس الحكومة عبد الحميد الدبيبة الترشح بعدما تعهد بعدم القيام بذلك ؟؟؟  فأجابت: 

«جميع من كانوا مترشحين لمناصب السلطة التنفيذية خلال عملية ملتقى الحوار السياسي الليبي تقدموا بتعهدات مكتوبة بعدم الترشح في هذه الانتخابات… ويجب على الجميع احترام السيادة الليبية واستقلالية القضاء”
كما يتردد السؤال أيضا عن مصير المجلس الرئاسي، الذي تم اختيار أعضائه بطريقة معقدة …

 من الصعب معاودة تركيبها من جديد. ويُعزى طرح هذه الأسئلة اليوم إلى أن خريطة الطريق التي وُضعت في حوارات (  تونس/جنيف ) لم تتوقع السيناريو الحالي، أي إرجاء الانتخابات… 

وبتعبير آخر ستبقى هذه الفرضيات رهينة قرار الجهة التي اختارت أعضاء الحكومة المؤقتة وسمت أعضاء مجلسها الرئاسي..

أي الأمم المتحدة
إلا أن الدبيبة، كما رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي، لن يُوافقا على التخلي عن منصبيهما …  بالرغم من أن الدبيبة أخل بالتعهدات التي قطعها على نفسه، لدى تسلم رئاسة الوزراء، بالامتناع عن الترشُح للانتخابات. كما تحدثت أوساط مالية ( عن فساد… من أجل إنتخابه للوصول لهذا المركز بعد ذلك … وربما كانت أهم  إنجازاته الت تحكى تنظيف شوارع طرابلس من القمامة )  ايضا الحديث  عن زيادة في نفقات الحكومة، في عهده بأكثر من 70 في المئة، قياسا على نفقات الحكومات السابقة. لكن أنصاره يؤكدون أن احتياط البلد من النقد الأجنبي ارتفع في كانون الأول/ديسمبر الماضي إلى حوالي 41 مليار دولار.

والآن أمام إستعداد ليبيا لمرحلة ما بعد 24 ديسمبر الذكرى السبعين لإستقلال البلاد …  وقد سادت ليبيا مشاعر متباينة غلب عليها الإحباط لتزامن الاحتفالات بهذه الذكرى مع الموعد الذي كان مقرراً لإجراء الانتخابات الرئاسية … 

  فيما تعهد  رئيس المجلس الرئاسي الليبي ” محمد المنفي ”  في كلمة له بهذه المناسبة  بالعمل على تجنيب البلاد «ويلات الحروب» وتعزيز الحوار بين الجميع للوصول إلى انتخابات «نزيهة وعادلة » من جانبها  دعت الأمم المتحدة الليبيين : 

«للعمل معاً لحل الانقسامات الحالية وتعزيز الاستعدادات الجارية لإجراء الاستحقاق الوطني ونقلت البعثة الأممية أن الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، أُحيط علماً بإعلان المفوضية الوطنية للانتخابات في ليبيا بشأن ضرورة تحديد مجلس النواب موعداً جديداً للجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية,  وقالت إنه دعا إلى ضرورة إجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية في ليبيا في «ظروف مواتية» بغية إنهاء الانتقال السياسي سلمياً ونقل السلطة إلى مؤسسات منتخبة ديمقراطيا .

IN وتعطي الأمم المتحدة أهمية بالغة لأهمية  هذه المرحلة , وهي  استعداد  ليبيا إلى  ما بعد «24 ديسمبر (كانون الأول)» وجاء عن  البعثة الأممية للدعم في ليبيا، إن الذكرى السنوية للاحتفال   بـ   (عيد الاستقلال) جاءت في لحظة مفصلية وليبيا تبذل جهوداً «لتحقيق انتقال سلمي من الصراع وعدم الاستقرار عبر انتخابات سلمية وحرة ونزيهة وذات مصداقية .

وهذا الإهتمام الدولي ليس بجديد  (  يشار إلى أن الانتخابات جزء من خطة تدعمها الأمم المتحدة لإنهاء عقد من الفوضى في ليبيا )  وسبق أن  عقدت  المؤتمرات والمشاورات والإتصالات ” للسيطرة ” على الأوضاع في ليبيا   … وليس من الصدفة أن  كان مؤتمر برلين الأول   حول ليبيا من الأهمية على سبيل المثال الذي انعقد بدعوة من المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل …  قد ضم حشد كبير من الدول المعنية بشكل مباشر أو غير مباشر مثل   الإمارات العربية المتحدة والجزائر والصين ومصر وفرنسا وألمانيا وإيطاليا وروسيا وتركيا والكونغو وبريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية … وممثلين عن الأمم المتحدة، بما في ذلك الأمين العام وممثله الخاص في ليبيا، والاتحاد الأفريقي والاتحاد الأوروبي وجامعة الدول العربية … ثم مؤتمر برلين 2 ولاحقا  مؤتمر جنيف … الخ .

كان مقالنا السابق  على الموقع في تاريح  26.12,2021   تحت عنوان ” الصراع على ليبيا ” الحالة التي وصفها و لخصها  المبعوث الأممي  السابق غسان سلامة إلى ليبيا  بقوله :

«جوهر الأزمة في ليبيا هو صراع على الثروة، يتخذ شكل الصراع على السلطة»

 

على أن هذا الصراع، خاصة في بُعده الليبي-الليبي، لا يخضع إلى ضوابط ولا يحتكم إلى قوانين، مما يستدعي أولا وقبل كل شيء تخليص القرار الليبي من الولاءات الخارجية، وتحصين البلد والمجتمع من الصراعات العنيفة، بعد سنوات من تصفية الحسابات القديمة العقيمة. وإذا كانت ليبيا خسرت نصف سكانها في حروب أهلية مطلع القرن الماضي، فليس جائزا اليوم أن يُقتل رُبع الليبيين أو عُشرهم، أو حتى ليبيٌ واحدٌ، في صراع أهلي مُتجدد، أيا كانت مُبرراته وعناوينه, وفي لمحة للسياق الذي جرت فيه التطورات المتلاحقة في ليبيا  وما آلت إليه الإمور من غياب الأفق السياسي …  

 

أخيرا وفي جعبتنا الكثير في هذا الملف من محاولات تُقرب رموز المتصارعين   من إسرئيل مقابل الإعتراف بها …   (  حصل الرهان على البرهان في السودان الشقيق )   ارسلوا  الوفود والشخصيات لكسب رضى وبركات الصهيونية إبتداءا بمعمر القذافي  … أدار هذا  الملف حينذاك إبنه سيف الإسلام الذي يسعى اليوم من أجل الزعامة  الضائعة  ( هآرتس: سيف الإسلام أدار علاقات نظام والده مع إسرائيل الإثنين، ١٥ نوفمبر / تشرين الثاني ٢٠٢١) واليوم إبن المشير حفتر يقوم بنفس الدور لوالده   المتعطش للسلطة لخوض غمار المعركة الانتخابية، بعدما فشل في تحقيق هدفه بالوسائل العسكرية.
… وأخيرا وليس آخراً رجل الأعمال رئيس الوزراء  ( الدبيبة ) …  دبًها … ليجرب حظه  وما زال  يحاول في يقرع أبواب عواصم عربية وغيرها … كما تناولتها وسائل الإعلام العربية  والأجنبية .

هذا بعض مما يجري في بلد عمر المختار بطل النضال الليبي ضد الإستعمار الإيطالي … وإدريس السنوسي موحد البلاد بعد أن كانت إتحادا لتصبح ليبيا … البلد الواحد الموحد . في الوقت الذي نرى اليوم بوضوح نعرات إقليمية حول تكليف أو شغل المناصب السيادية الستة  وهي  المفوضية العليا للانتخابات والمصرف المركزي وديوان المحاسبة وهيئة الرقابة الإدارية والهيئة الوطنية لمكافحة الفساد … لتتضمن شخصيات من طرابلس وبرقة وفزان أقرب من المحاصصة الجغرافية… والبقية  معروفة . ولا ننسى  امازيج ليبيا  والتهميش السياسي  وعدم الاهتمام بحقوقهم التاريخية والثقافية المهملة …  في وقت أكد فيه المبعوث الأميركي إلى ليبيا وسفيرها ”  ريتشارد نورلاند ”  دعم بلاده لمشاركة القادة الأمازيغ وجميع (  المجتمعات)  الليبية في الحوارات الوطنية الجارية حالياً في البلاد … وحاله يقول :

أَعْطِ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ.  .

مركز الناطور للدراسات والابحاث Facebook

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى