السفير ملحم مسعود يكتب - حروب المياه 7 مصر ... وسد "النهضة" - مركز الناطور للدراسات والأبحاث
Take a fresh look at your lifestyle.

السفير ملحم مسعود يكتب – حروب المياه 7 مصر … وسد “النهضة”

0 89

السفير ملحم مسعود يكتب – 21.5.2020

بعد سلسلة مقالات ( حروب المياه ) على موقعنا هذا والتي كانت بمثابة مقدمة عمًا ينتظرنا من تطورات النزاع المصري الأثيوبي وما قامت به من اعمال تشييد السد وقٌرب موعد البدا في ملء السد بالمياه ” المرحلة الأولى “ …  بعد بضعة أسابيع , والعالم كله مشغول في مواجهة ( الجائحة ) وإعطائها الأولوية المطلقة لتقليص الخسائر الناجمة عنهاوتداعياتها , بشريا وإجتماعيا وإقتصاديا.  

توقفت طويلا امام حدثا سياسيا هاما بالتصرف الدبلوماسي المصري حيث بعث وزير الخارجية سامح شكري برسالة إلى الأعضاء الدائمين , والمؤقتين في مجلس الأمن الدولي يشرح فيها آخر تطورات أزمة سد النهضة , مشيرا إلى الجهود التي بذلها الجانب المصري لإيجاد حلول ( سلمية … ) لها  , ومن خطورة إستمرار حالة الجمود الراهنة …

حاولت أن اقرأ  او أفهم ما بين كلمات المذكرة المصرية إلى مجلس الأمن … وأنا أتابع طوال الوقت الحراك المصري منأجل الوصول إلى حلول وسطية ترضي الجميع بلا جدوى بسبب التعنت  والعناد الإثيوبي في مواقفه , وربما إستغلوا ظروف الكورونا وإنشغال المنظمات الأممية للذهاب بعيدا … وتوصلت أخيرا إلى ما تحمله من معنى هذه المذكرة الدبلوماسية بالكلمات الآتية :

أعذًر من انذًر

 إن المياه تساوي الحياة بلا ريب , وقد إضطرت الحاجة إلى المياه في التاريخ البشري كله , ومن هنا لاحظ ارنولد توينبي في كتابه ” تارخ البشرية “ ان عدد الأنواع المنقرضة من الحياة اكثر إلى درجة مذهلة من عدد الأنواع التي بقيت , وعلل ذلك الإنقراض ب ( الحرمان من المياه ) صحيح أن هناك أسبابا أخرى للإنقراض , بيد أنه مهما تعددت الأسباب فإن فقدان الماء أحدها وأهمها . ومن خلال هذه ( الحاجة الملحة ) إلى الماء ,  خوطبت أقوام بدعوة التوحيد , المقترنة بنعمة الماء . فقد جرى على لسان نوح عليه السلام : 

” فقلت إستغفروا ربكم إنه كان غفارا و يرسل السماء عليكم مدرارا , ويمددكم باموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهارا “

وفي وصف حالنا اليوم , فما أكثر التحذيرات والإنذارات التي حاكتنا بها المنظمات والهيئات المعنية عن اخطار محدقة بسبب ” شح المياه ” كما أنذرت بان هذا الشح سيكون سببا في إندلاع حروب إقليمية وعالمية طاحنةوقد تطول … طويلا .

وإذا كان هذا جديدا , فقد إستبقنا بمثل هذه التنبيهات والتحذيرات عند ما عبًر عنه في زمانه الشاعر زهير إبن أبي سلمى , إذ دعى  إلى التأهب للدفاع عن قطرة الماء قائلا :

ومن لم يذد عن حوضه بسلاحه   يهدم ومن لا يظلم الناس يُظلم

   قراءة في في الحق التاريخي :

نحن هنا نعني حق الإستخدام المائي التاريخي...في خطوة غير مسبوقة خرقت سبعة بلدان في أعالي النيل معاهدة النهر 1929 بتجاهل مصر دولة المصب لتتفق فيما بينها على إقامة مشاريع نهرية تؤثر على ما عاشه الوادي المصري السوداني من تدفق لمياه نهر النيل طوال ملايين مضت من السنين …  وبدون الدخول في تفاصيل (القصور السياسي)  هناك من تجاهل ثوابت المعاهدة بتوقيع إتفاقية 1959 … و كان هناك من يستفيد من الخطأ ؟؟؟

قانونيا المعاهدة اقوى من الإتفاقية , لديمومة الأولى وديناميكية الأخيرة وقابليتها للتعديل والتغيير …

هناك من اخطا في إدخال سابقة ترقيم وتقنين حصص الإستهلاك في إتفاقية عام 1959 , ومقارنة بذلك يجدر بنا الإشارة إلى براعة المحامين والخبراء القانونيين الذين شاركوا في تصميم و صياغة معاهدة 1929 التي وضع  نقاطها وخطوطها السياسية العريضة رجل الدولة الداهية السير ونستون تشرشل الذي أثبت التاريخ دائما مدى صحة تقديره ونظرته المستقبلية في كل ما توقعه بلا إستثناء , كمعاهدة لحوض نهر النيل في نهاية العشرينيات من القرن الماضي حسب ما تصوره في كتابه ” حرب النهر ” الذي طور مسودته الأولى من نهاية القرن التاسع عشر , لينقحها عام 1911 عن النيل ,  مصورا النهر العظيم كشجرة ضخمة جذورها في وسط أفريقيا والحبشة  , وتاج الشجرة بالاغصان المورقة الخضراء والثمار في مصر .

ببساطة تمت صياغة بنود المعاهدة الملزمة قانونيا بضرورة الحفاظ على حياة النهر بضمان السيادة للقمة الخضراء للشجرة أي أمة وادي النيل ( مصر والسودان ) بإعتبار حوض النهر وحدة سياسية متماسكة . وقيل الكثير عن إتفاقية  1959  “ البائسةبالمقارنة مع إتفاقية 1929 الأكثر إلزاما وربطا قانونيا … هذا بعضمما جاء في كتاب (حروب المياه : الصراعات القادمة في الشرق الأوسط ) للصحفي المصري عادل درويشالصادر قبل 27 عاما . وتناول في معظمه حوض النيل ونظرا لأهميته  قدمته محطات تلفزيونية هامة مثل ال :سي .إن إن  كذلك ال : بي بي سي وتم ترجمته إلى العربية  بتعليمات من الرئيس الأسبق مبارك ونشرته ” دار المعارف ” عام 1966 .

التجاذبات … المصرية الإثيوبية تاريخيا :

جاء في تاريخ العلاقات المصرية وبلاد الحبشة قديما  أن أرسلت الملكة حتشبسوس  قبل 3500 سنة ( 1507-1485 ق.م ) إسطولا من 84 سفينة لإحتلال ما حول بلاد بونت ( القرن الأفريقي والحبشة ) لتأمين تدفق نهر النيل , ثم عقدت إتفاقيات  حماية وتجارة ( بعد تدريب السكان على تقنيات الزراعة ) لشراء كل منتجاتهم وإعتمدوا على مصر في تسويقها .

إن  كتابات الصحافة المصرية هذه الأيام تتحدث عن إستراتيجيات … مصرية تشمل خططا سياسية وهندسية ودبلوماسية … دون أن تعطي الصحافة إسقاط الخيار العسكري , وخصوصا ما يوحي به نبض الشارع المصري المتفاعل مع الحدث .

ونقرا ايضا عن مسالة السدود الإثيوبية على النيل الأزرق من المشروعات والقضايا التي تناولها منذ خمسينيات القرن الماضي الجانب المصري مع الجانب الإثيوبي , ففي عام 1953 قررت إثيوبيا وبشخص الإمبراطور هيلاسلاسي إنشاء سد لتوليد الكهرباء … إلا أن الرئيس جمال عبد الناصر الذي كان داعما وحليفا للإمبراطور وكانت بينهم علاقات طيبة … أرسل له ما معناه أن النيل هو مصر , وأنه بإسم مصر ورئيسها وجيشها العظيم نطالبكم بوقف أعمال البناء فورا . وهو ما حدث بالفعل وتخلت إثيوبيا عن هذا المشروع … ولا ضرر ولا ضرار.

وتكرر ذلك ايضا خلال حكم الرئيس السادات الذي نما إلى علمه أن الإثيوبيين يعتزمون إنشاء عدة سدود على النيل فكان تهديد السادات مباشرا في ذلك الشان :

إذا قامت إثيوبيا بعمل أي شئ يعوق وصول ” حقنا ” من المياه كاملا فلا سبيل إلا إستخدام القوة .

ويذكٍر نشطاء بحديث للمشير أبو غزالة هدد فيه دول “حوض النيل “ بحرب لا هوادة فيها إن نقصت حصة مصر من مياه النيل .

أما  في مرحلة الرئيس الأسبق مبارك … وبعد توتر العلاقات المصرية الإثيوبية عقب محاولة إغتياله في اديس ابابا … ووصلت إلى أدنى مستوياتها عام 1995 كذلك  عدم الإهتمام بملف العلاقات المصرية  الأفريقية والبناء على الإنجازات المصرية فيها , وخصوصا السياسات  والتوجهات والعلاقات التي ارساها بطرس بطرس غالي (امين عام الامم المتحدة لاحقا ) , كذلك عدم الإهتمام الكافي وراقبة النشاطات والسياسات الإسرائيلية قبل إستقلال وبعد إستقلال دول افريقية  … السياسات التي حاولت بها تطويق مصر جغرافيا وسياسيا في هذه الدول …الخ.  وفي مناخ التحولات التي شملت مصر بتنحية الرئيس مبارك وما بعده … وإستمرار توترات الوضع الداخلي بحكم الإخوان المسلمين , يمكن القول : في هذه الغفلة أمامالإنشغال والتوترات في الداخل المصري أوكلت اثيوبيا إلى شركة إيطالية مهمة تصميم وتنفيذ سد كبير على النهر الأزرق …ولم يمض عام بعد ذلك وكانت إثيوبيا وتنزانيا وكينيا وأوغندا ورواندىا قد وقعت إتفاقية ” عنتيبي ” لإعادة تقسيم مياه نهر ألنيل … متخطية دولتي المصب ,هما السودان ومصر . وكما هو معروف ان القانون الدولي معقد ومتناقض احيانا في ما يتعلق بالمياه … خاصة عابرة الحدود لكن مبدا ” حق الإستخدام التاريخي له الأولوية  في حل النزاعات .  

وللحديث بقية

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.