السفير ملحم مسعود يكتب – الدبلوماسية ... ما بين الرسالة والسفارة (4) - مركز الناطور للدراسات والأبحاث
Take a fresh look at your lifestyle.

السفير ملحم مسعود يكتب – الدبلوماسية … ما بين الرسالة والسفارة (4)

0 268

بقلم السفير ملحم مسعود – 23/12/2020

حاولت ” التنبيش ” في الكتب والدراسات والوثائق عن تاريخ واصول منشا الدبلوماسية وتطورها لتصل مرحلة إرسال السفراء المقيمين كما هي اليوم … وكانت مسيرة مشوقة فعلا في مراحلها وعصورها المختلفة … واهميتها على مر العهود والأزمنة .   جاء في مجلة ( المقتطف  فبراير 1903 ) كيف كان إرسال السفراء من بلد إلى آخر لغرض خاص قديم جدا , كان متبعا في عهد الأشوريين والمصريين واليونان والرومان . ولكن إرسال السفراء المقيمين كما هو جار الان حدث إبتدا من القرن الخامس عشر , لتكون مهمة السفير أن يعمل و يسعى من اجل مصلحة بلاده , ويُبلٍغ  حكومتها عن كل ما يجري في البلد الذي هو سفير فيها … وجرى العرف ان يكون هو واهل بيته ومن حوله والمتصلون به محترمون من قبل الدولة المضيفة , ولا تجري عليهم أحكام البلاد المحلية إلا برضاه … وقد جرى الملوك من عهد قديم على حسبان سفرائهم نوابا عنهم والإقتصاص ممن يعتدي عليهم كأنه إعتدى على الملوك أنفسهم الذين أرسلوهم … ومثال على ذلك خرًب الإسكندر المقدوني مدينة صور لأن أهلها أهانوا سفيره ... القضايا التي أصبحت اليوم تحكمها وتنظمها إتفاقيات وتفاهمات دولية .

عرف العرب ” السفارة السياسية ” قبل الإسلام وكان عمر بن الخطاب أشهر سفراء قريش إلى القبائل من حولهم  , فإذا وقعت حرب بينهم وبين غيرهم بعثوه سفيرا , وإذا  نافرهم منافر أو فاخرهم مفاخربعثوه منافرا أو مفاخرا … إلا ان سفارة قريش في ذلك الزمان كانت  للفر والكر والعصبية الجاهلية والمصالح القبلية …

وتطورت ” السفارة ” في الإسلام وأصبحت لأهداف أكثر إيمانية … فرحمة الله … التي هي الإسلام يجب أن تصل إلى العالمين , وبالتالي كان سفراء الإسلام ( دُعاة ) ليسوا مجرد حملة رسائل  …وهو ما يوضحه رسول الله صلى الله عليه وسلم في وصاياه  لأحد سفرائه وهوعياش بن أبي  ربيعة المخزومي الذي كفه بحمل رسالته إلى ملوك حمير … ( إذا جئت أرضهم فلا تدخلن ليلا حتى تصبح , ثم تطهر فاحسن ظهورك … ألخ )

ارسل النبي صلى الله عليه وسلم الرسائلوالسفراء إلى ملوك العالم وأمراء الدويلات من حوله … ويقال ان عدد السفراء فوق العادة في ذلك الزمان أكثر من 110 سفيرا ,إختارهم نبي الإسلام بنفسه , وكان يعرف صفات كل منهم وقدراته وشخصيته الذي يكافه في المهمة  التي تناسبه , وعلى سبيل المثال ارسلدحية بن خليفة الكلبيالذي عرف بجماله وحسن بهائه … كما وصفه النبي , والاهم ان دحية كان يتمتع برجاحة العقل وسرعة البديهة وهيبة شخصية وحضور طاغيةي إلى قيصر ملك الروم الذين هم اهل جمال وحسن .  

أما  سفراء النبي صلى الله عليه وسلم إلى ملوك العرب . الذين هم عربا اصلا , ومكانتهم بين العرب لها شهرتها ووعيهم بنفوس الملوك العرب كان زادهم في حوارات مفصلة طويلا . بحيث قدًم سفراء الرسول لهؤلاء الإسلام وبيًنوا فضائله وعلى راسها إعترافه بحقهم في المُلك والإمارة . وكان من أهم رُسل الرسول عمرو  بن العاص أشهر دهاة العرب وأكثرهم على الحوار والجدل في مهمات مختلفة … الذي يعتز بعروبته وله في عالم الدهاء والجدل مكانة  إلى ملكي عُمان العربيين اللذين جادلا عمرو ثم أسلما على يديه …

اما سفير الرسول إلى النجاشي كانت من الأهمية بمكان حيث كان ملك الحبشة وثيق الصلة بالإسلام , فقد هاجر المسلمون المضطهدون إليه فآواهم واطعهم ورفض تسليمهم لقريش وبالتالي لا بد من ان يكون السفير الموفد إليه فوق العادة … رجل يعرف طرفا من المسيحية التي يدين بها النجاشي ويمتلك ملكة الربط وبين الإسلام برباط الوحدانية … لذا إستقر خيار الرسول على عمرو بن امية الضمري سفيرا له لدي النجاشي .  

وهكذا كانت خيارات النبي صلى الله عليه وسلم مدروسة بحكمة , وكانت رسائله الهامة لا يحملها إلا عمرو بن العاص السياسي الداهية الذي كان يراه عمر بن الخطاب وهو يمشي فيقول متعجبا :

ما ينبغي لأبي عبدالله ان يمشي على الأرض إلا أميرا .

أما سفارة  ( الفكر)  كانوا يختارون عادة من بين المتكلمين … الذين تمرسوا في مجالس المناظرات وبانت مواهبهم جلية لأهل الأمر . وأهم ما يحتاجه السفير المناظر أن يتمكن من طرح حجته في الوقت المناسب وان يكون واثقا من نفسه لا تهزه حركات الخصم ومتحكما بحركة يديه , فكثرتها تدل على ضعفه , لذا وصف إبراهيم النظام بالمناظر البارع لأنه في المناظرة يبدو وكانه ثابت في الأرض  وان مقاطعة الخصم دليل نفاذ الصبر وقلة الحجة وعلى المناظر أن يتهيأ لأي موضوع في العقائد والفلسفيات , فهي الأكثر إثارة للجدل .

تاريخيا ومع شهرة وكثرة من بعثوا بمهام فكرية إلى بلدان أخرى , إلا أن ما كتب وتم توثيقه إقتصر على المهام الدبلوماسية , ومن الكتب التاريخية النادرة في هذا المجالكتاب ( رسل الملوك ومن يصلح للرسالة والسفارة ) لإبن الفراء من أعلام القرنين الرابع والخامس الهجريين حسب معلومات محقق الكتاب صلاح الدين المنجد . كما وردت أخبار ( السفارة ) في كتب التاريخ العام وكتب المنوعات مثل ( العقد الفريد ) لإبن عبد ربه … واعتقد ان ما حققه وكتبه المحقق المنجد عن الدبلوماسية في الإسلام والسفراء في الغرب وعند العرب من أهم ما أُلٍف وكتب من قبل المعاصرين , كما صدر له كتاب ( النظم الدبلوماسية في الإسلام ) في بيروت 1983 وبالمقارنة مع ما جاء في كتاب آخر لحسن فتح الله  ( مقومات السفراء في الإسلام ) صدر عام 1970 كان الأخيرمجرد إستعراض لصفات السفير …والجدير بالذكر ان المنجد لم ينسى فضل المؤرخ محمد كرد علي …  عليه في الحصول على نسخة من كتاب إبن الفراء والمخطوط بالأصل كان من مكتشفات أحمد زكي باشا بالقسطنطينية .

* في الصورة : الزعيم اليوناني التاريخي … كوستانتينوس كرامليس رئيس الحمهورية مع السفير ملحم مسعود في حديث ودي … وتبدو في الصورة زوجة السفير ملحم مسعود  المعروفة في المجتمع اليوناني بلقب  ( سيدة التلفزيون اليوناني ) إيفي ديميري ، والتي غطت اخبار حرب عام 1982 من لبنان مباشرة وكذلك اخبار لإنتفاضة الأولى ( إنتفاضة الحجارة ) مباشرة من الضفة الغربية، وكان لها دورا كبير في حشد ردود فعل والتعاطف الكبير مع الفلسطينيين.

***

وفي العودة قليلا لموضوعنا (الدبلوماسية ) وهنا بعض ما كتبه إبن الفراء نقلا عن وصية ( حكيم ) لأحد الملوك عن صفات ومؤهلات السفير :

إختر لرسالتك في هدنتك وصلحك ومهماتك ومناظراتك والنيابة عنك رجلا حصيفا بليغا , قليل الغفلة , منتهز الفرصة , ذا راي جزل وقول فصل , ولسان سليط وقلب حديد فطنا للطائف التدبير ومستقلا لما ترجو أو تحاول بالجزامة وإصابة الرأي … “

كذلك نسترجع ما قالوه بعض الحكماء في الموضوع  ذاته … لنقرأ ما جاء عن إفلاطون في صفات السفير :

” الجمالوالعقل “

فهيبة الجسم وإشراقة الوجه والحيلة والتدبير لها تاثيرها في مجالس الملوك والأباطرة , فقد تتوقف على حصافة السفير علاقات دولية خطيرة   مثل الجنوح إلى السلم أو إعلان الحرب … وفي هذا الأمر إقتبس إبن الفراء قولا من ” كليلة ودمنة ” لإبن المقفع   ( يعتبر عقل المرسل  براي رسوله ونفاذه , فمن كان شأنه اللين والمواساة انجح في رسالته , والرسول يلين القلب إذا رفق , ويخشن الصدر إذا خرق …

ومن وصايا الحكماء ايضا لملوكهم , وصايةارسطولتلميذه إسكندر المقدوني  في سفرائه إلى الساسانيين “:

 قلل الرسل يا إسكندر إلى الملوك فإن الآفات منهم كثيرة , وإذا أرسلت رسولا فإختبر ذكاءه وفهمه … وأحذر أن يكون سريعا أو كثير الكلام أو معجبا , أو مٍمن بحب شرب  النبيذ , وارسله أن قدرت جاهلا بخبرك , لم يقم في جوارك إلا يسيرا , وغير خابر بما يجري عليه تدبيرك وأؤمره ألايقاطع كلام من يحدثه فإنها خصلة لا تكون في اديب … الخ .

  اخيرا وليس آخرا هذا بعض ما قاله :   أردشير الاول … ” كم من دم سفكه الرسول بغير حلة , وكم من جيوش قد هلكت , عساكر قد إنتهكت ومال قد إنتهب وعهد قد نقض بخيانة الرسول

والشء بالشئ يذكر … ومن مٍنا ينسى لقاء صدام حسين بالسفيرة الأمريكية في بغداد، أبريل غلاسبي قبل أيام قليلة من إجتياح الكويت … اللقاء الذي طالما تحدث عنه السياسيون باعتباره لحظة مفصلية في تاريخ المنطقة

اشارت السفيرة  في مذكراتها حول ما قيل من انها قالت لصدامأن الحكومة الأميركية لا تتدخل في الخلافات الحدودية بين دولتين عربيتين، وربما اعتبره صدام ( والله أعلم ) كان ضوء أخضر اميركي لمهاجمة الكويت….و قالت جلاسبي :

هذه الصيغة من اختراع طارق عزيز، المعروف عنه أنه سيد الكلام بصفته وزير إعلام سابق ورئيس تحرير لصحيفة والمؤكد أنني لم اعطِ صدام أي فكرة من نوع اننا لن نتدخل في خلاف حدودي، بل إن ما قلته هو إنه “ينبغي ألا يتدخل لا في الكويت ولا في أي مكان آخر” و حسب ما جاء ايضا في مذكراتها..

أنها قالت لصدام إن القلق الأمريكي حيال نواياه مبرر، وشرحت بالقول في المذكرات طبعا :

أليس من المنطقي أن ينتابنا القلق عندما تقول أنت ووزير خارجيتك إن تصرفات الكويت توازي الاعتداء العسكري؟ ومن ثم تتوجه وحدات من الحرس الجمهوري العراقي إلى الحدود مع الكويت؟ نحن نسأل بروح الصداقة وليس المواجهة عن نواياكم” ...

وجاء ايضا في المذكرات  يجب أن اضيف أن طارق عزيز مسؤول إلى درجة كبيرة جداً بتقديم النصح لصدام بعد مغادرتي للبلاد، لأن السفيرين البريطاني والروسي كانا غادرا في اجازة، ولم يكن في بغداد أي من ديبلوماسيي الدول الكبرى، فمن الجدير بالاهتمام اننا كنا جميعاً خارج العراق عندما اجتاح الكويت”.

هذا بعض ما جاء في مذكرات ابريل غلاسبي … الذي كتبتها ( على مقاسها … بين الواقع و لمسة خيال روائي ) لاحقا في غياب كل الشهود الذين حضروا وشاركوا في هذا اللقاء … وباقي القصة معروف …

هذا مثال آخر لحجم وخطورة المهمة التي يتحملها … سفير … كما قال : اردشير الأول بن بابك بن  ساسان , مؤسس الإمبراطورية الساسانية عام 224 م والتي إستمرت حتى عام 651 م وهي آخر إمبراطورية فارسية حكمت بلاد فارس قبل الفتح الإسلامي   .

وللحديث بقية

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.