#أقلام وأراء

السفير ملحم مسعود – وفاة كارلوس بابولياس رئيس اليونان السابق عن عمر 92 عاما

آخر رموز العلاقات اليونانية الفلسطيية  في ...  " امجادها "  

بقلم السفير ملحم مسعود – 30/12/2021

في اليونان  وطوال الايام القليلة الماضية وبمجرد إنتشار نبأ وفاة ”  كارلوس بابولياس ”  رئيس اليونان السابق , عمًت انحاء  البلاد حالة حزن شاملة وأعلن الحداد الرسمي  كما نُكٍست اعلام الدولة … ونعته رئيسة الدولة  اليونانية  ورئيس الوزراء وكافة الأحزاب وفعاليات المجتمع  … كما إنهالت البرقيات والتصريحات من كل صوب وحَدب للتعزية من داخل اليونان وخارجها …  وذكر مناقب الفقيد معددة المواقف التي كان يتصف بها الراحل الكبير   …  وظُهر اليوم جرت له في العاصمة اثينا  موكب جنازي مهيب رسميا وشعبيا  ,  وسوف  يشُيٍع غدا  رئيس اليونان السابق ”  كارلوس بابولياس ”  حيث  يوارى الثرى إلى مثواه الأخير  في مسقط راسه في جزيرة صغيرة   ( سكانها لا يتجاوزن المائة )  تقع في بحيرة   لمدينة ”  يوانينا ”  في شمال غرب اليونان  إقليم  (إيبيرو) …

كان بابولياس المولود في 4 يونيو 1929 ( والده أحد الجنرالات … ) قد تولى رئاسة الجمهورية  على فترتين متتاليتين  ضمن إجماع شبه كامل من قبل البرلمان  في الفترة (  من  2005 إلى2015 ) . و قد درس في جامعات  اثينا وميلانو والمانيا حيث أعد رسالته للدكتوراه في القانون من جامعة  كولونيا وعمل هناك في القسم اليوناني لإذاعة   ” دويتشه ڤله ”  الموجًه إلى اليونان  ,  واهمية ذلك من تعبئة الراي العام اليوناني على موجات الاثير  ضد الدكتاتورية في بلده   … ( 1967 -1974 )   

كان بابولياس  رئيسا محبوبا  …  من الشعب اليوناني وموضع إحترام وتقدير  من الزعامات والقيادات الخارجية …    وداخليا موضع إحترام كل الاحزاب و القوى السياسية على إختلاف مشاربها السياسية , وكافة فعاليات المجتمع اليوناني لما له من تاريخ نضالي واسع  ودوره في مقاومة الإحتلال النازي في سن مبكرة    خلال الحرب العالمية الثانية  ولاحقا  نضاله ومناهضتة للدكتاتورية التي هيمنت على الحياة السياسية والإجتماعية في بلده  … كان  شخصية لها  نضالا طويلا يعكس إخلاصه لمُثل الحرية والعدالة وهو ما دافع عنه طوال حياته .. 

كان بابولياس وخلال  سنوات عمله كوزير للخارجية مهندس السياسات الخارجية للدولة اليونانية بإمتياز  واليد اليمنى لرئيس الوزراء الراحل ”  اندرياس باباندريو ”  في هذا المجال … وكانت معالم سياساته ومبادراته الدبلوماسية سٍمة هذه المرحلة حيث أقام بإنشاء وإرساء علاقات يونانية عربية متينة … كما  كان مهندس ترتيب لقاء  (  القذافي – ميتران  ) في جزيرة كريت اليونانية 1984  , وبذل الجهود اليونانية لإنجاح اللقاء الذي تمخض عن تسوية لحدود تشاد مع جنوب ليبيا ,  وتامين مصالح الطرفين ( رغم كل ما قيل عن  تصرفات  القذافي الغريبة وعنجيته  في هذا اللقاء … )  وهذا ليس بالجديد عن ملك ملوك افريقيا …

 والأمثال كثيرة ايضا  مثل  إعادة العلاقات الطبيعية اليونانية التركية , حيث نجح بابولياس في تحسين العلاقات بين البلدين بعد علاقات مريرة إستمرت منذ أوائل العشرينيات من القرن الماضي بسبب تبادل الأراضي والسكان المعروف …كذلك دَعم بابولياس طلب تركيا الدخول في المنظومة الأوروبية تحت شرطين : أولهما إحترام القانون الدولي و الثاني  إحترام قيم الإتحاد الأوروبي

بابولياس والعلاقات  اليونانية الفلسطينية   … لمحة تاريخية سريعة:

كان بابولياس احد  انشط الشخصيات اليونانية في مقاومة الحكم العسكري في بلاده , عندما كان يعمل في إذاعة” دويتشه ڤله ”  في ألمانيا ومن هناك فيما كان يتحرك ويتنقل في الساحة الأوروبية كانت أهمية هذه المحطات ” قبرص ” حيث كان  يجري إتصالات ولقاءات مع شخصيات ورموز يونانية ( تعمل بشكل سري )  تاتي  من الداخل … ونعني اليونان لقربها من قبرص للتنسيق و المتابعة , ولم تكن هذه المهمة من السهولة لولا ما توفر له من غطاء لهذا النشاط من دوائر وشخصيات قبرصية  … 

في هذه الظروف وصعوبة العمل تعرفت على ” بابولياس ” عن طريق صديقنا  الدكتور ” ليساريدس ” زعيم الحزب الإشتراكي القبرصي  الذي قدمني إليه  وبدات مع هذه  الشخصية اليونانية المتميزة  ما يمكن ان  نسميه علاقات  ” عمل ” فتحت هذه المعرفة   آفاقا واعدة بالنسبة لنا مع هذه الشخصية اليونانية في مجالات متعددة طوال سنوات  … 

ومن جانبه  لم يتنكر بابولياس  يوما  لمواقف فلسطينية من اجل اليونان وقبرص … وتعاون وعلاقات على كافة المستويات   لم تتوقف أبدا … حتى رحيل الصديق الكبير .   

عن هذه الظروف التي نتحدث عنها وما كان يجري على الأرض وبإختصار … لم يكن سرا ان العلاقات  بين النظام الدكتاتوري في أثينا والزعيم القبرصي المطران   ”  مكاريوس ”  لم تكن في احسن احوالها … وسبق ان جرت ضده  اكثر من محاولة إغتيال كان آخرها محاولة إسقاط  طائرة هليكوبتر  كان يستخدمها في تنقلاته ونجا بإعجوبة … ضمن محاولات متكررة  لإسقاط النظام  … كان آخرها إنقلاب 15 يوليو 1974 الذي قامت به الاجهزة اليونانية وعملائها في الجزيرة  … ونجح بالإفلات  بإعجوبة ايضا  … وما تمخض عن هذا  الإنقلاب من غزو تركي لشمال الجزيرة … ( ما زالت تداعياته مستمرة )  كل هذه الأحداث سرًعت بإسقاط الحكم العسكري في اليونان … وعودة الديموقراطية إلى مهدها … بلاد الديموقراطية … 

أحداث عاشها العبد الفقير إلى الله وهي أكثر بكثير مما يتسع له المقام .

وفي النهاية ما لبثتا  ان  نقطف ثمار … هذه العلاقات أو هكذا مفروض !!!  

هكذا قليل من كثير عن التعاون و العلاقات الفلسطينية  اليونانية والقبرصية…  كانت من  “صناعة  ”  كارلوس بابولياس  صديق فلسطين  رحمه الله .

قد ماتَ قومٌ وما ماتَت ْمكارِمُهم … وعاشَ قومٌ وهُم في الناسِ أمواتُ .

الصورة : السفير ملحم مسعود يسار في حديث ودي مع رئيس الوزراء اليوناني السابق اندرياس بابندريو وفي الوسط يبدو  الراحل الرئيس ” كارلوس بابولياس  وزير الخارجية حينذاك
( يوم كانت تتحدث الدبلوماسية الفلسطينية وزعامات تسمعها … ) 

مركز الناطور للدراسات والابحاث Facebook

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى