#أقلام وأراء

السفير ملحم مسعود: المونديال بين الثقافة والسياسة

السفير ملحم مسعود 11-11-2022م : المونديال بين الثقافة والسياسة

لا نعني هنا ” المونديال ” القطري الذي تنتظره جماهير الرياضة   …  لكن كل ” مونديال “قبلها وبعدها , والرياضة  التي أحببتها الجماهير اينما كانت … أما  المونديال القطري فهو حكايتنا … وحكاية كل يوم  منذ  قرار تنظيم كأس العالم  (قبل إثنى عشر عاما ) وتاثيره على سياسة قطر الخارجية في السنوات الأخيرة. حيث عززت الدوحة من تموقعها بين الدول الداعمة لمبادرات السلام والاستقرار حول العالم , واستثمرت بشكل جيد في توسيع شبكة الصداقات والمصالح دولياً، فضلا عن نجاحها في تصدر قائمة أكثر دول العالم أمنا وضمانا للتعايش… وليس غريبا ان يصرح قبل ايام  رئيس “فيفا” : كأس العالم في قطر سيكون الأفضل على الإطلاقكل هذه الأهداف حددت بوصلة  السياسة الخارجية القطرية من أجل تحقيق أفضل معايير البيئة المثالية لاحتضان أكثر الفعاليات رياضية  جماهيرية  في المعمورة. حيث من المتوقع أن تنتقل الدوحة بعد المونديال لمصاف الدول المندمجة في الاقتصاد العالمي المتقدم، وتعزز مكانتها وجاذبيتها عالمياً كوجهة سياحية واستثمارية واعدة في المستقبل . رغم كل مسلسل الانتقادات الطويل …حتى انت يابروتس ؟كان آخرها لرئيس لرئيس للاتحاد الدولي لكرة القدم السابق  سيت بلاتر الذي يعيش في عالمه … ادلى بدلوه قبل ساعات بتصريح  بائس اثار جدلا  واسعا … يقول فيه إن قرار منح قطر حق استضافة كأس العالم «كان خطأ». ومن المعروف  أن بلاتر كان يرأس اللجنة التنفيذية للاتحاد الدولي التي صوّتت لصالح قطر بغالبية 14 صوتا في مقابل 8، ورغم قوله إنه يتحمل المسؤولية , مدعيا أن رجحان التصويت لصالح الدوحة جاء من ميشال بلاتيني، رئيس  ( الاتحاد الأوروبي لكرة القدم).
السبب، حسب بلاتر، مجددا، في أن منح قطر حق تنظيم البطولة كان خطأ هو أنها «بلد صغير للغاية»، وأن «كرة القدم وكأس العالم أكبر منها».
احتاج بلاتر إلى عشر سنوات للوصول إلى هذا الاستنتاج الخطيرالذي قد توصّل إليه بعد خروجه من رئاسة الاتحاد الدولي لكرة القدم، والذي يعيش الآن في عالم النسيان ,  هو بلاتر الذي كان على رأس عمله، وانتهى التصويت حينها لصالح قطر، الدولة الصغيرة للغاية … وليس للولايات المتحدة . رغم أنها دولة عظمى، أم بلاتر الذي اتهم بعدها بالاحتيال المالي، وقد استفاق الآن كي يبيّض أوراقه على حساب قطر؟على هامش ندوة “الرياضة والسياسة والمجتمع”، التي نظمها المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات  في الدوحة مطلع هذا الشهر  قدّمَ رئيس قسم الأبحاث في المركز العربي حيدر سعيد ورقةً بعنوان “العلوم الاجتماعية … والظاهرة الرياضية”، تناول فيها تطور دراسة الرياضة في العلوم الاجتماعية الغربية، ولا سيما الأوروبية، منذ ستينيات القرن العشرين. وتعرّض للاتجاهات الرئيسة في هذا المجال، وتوقف عند إمكانية تسكين دراسة الرياضة بوصفها موضوعاً في حقل الدراسات الثقافية. ذلك أنّ الأخيرة إذا كانت قد تطورت بوصفها نقلًا لدراسة الثقافة من المجتمعات البدائية إلى المجتمعات الرأسمالية …  فإنّ الرياضة ستحتل مكاناً مهمّاً في هذه النقلة، بوصفها من أهم الملامح الثقافية للمجتمعات المعاصرة.أما في السياسة … إذا لم تغادر تصرفات وتصريحات المسؤولين الرياضية … كذلك تعليقات الجمهور العريض في مواقع التواصل …  كشفت لنا ما كان محبوسا في الصدور . عربيا …غالبا ما يحدث عندما تبدأ مباريات كأس العالم وسط  مثل هذه الأجواء المشحونة فلا يمكن إلا أن تزداد الأمور حدة، من هتافات وتعليقات ساخرة ولاذعة وما أكثرها  …   بحضور كبار القوم كما حدث في مونديال موسكو  ( 2018 ) في مباريات السعودية وروسيا … الاستهزاء والتعليق الساخر حين خرج   ( آل الشيخ )  بعد تلك المباراة ليقول إن لاعبي المنتخب :  سودوا وجهه    خمسة أهداف لروسيا … وصفر للسعودية  . (والباقي معروف …    ( هذ بعض مما كتبه حينذاك  الصحفي  … التونسي محمد  كريشان ) أما الملاعب العربية فحدٍث ولا حرج … ولا نستثني الملاعب الأوروبية وأمريكا اللاتينية وغيرها …  كان الله في العون   الحديث بعد كل هذا عن فصل السياسة عن الرياضة يبدو حتى الان  بلا معنى، بل إن ما تبديه سجالات الرياضة … هي السياسة بعينها … ما يجري يحتاج إلى وقفة تحليلية لاستخلاص العبر ….غير أن الاهتمام بكرة القدم وأحداثها المحلية والعالمية، وفي مقدمتها  “المونديال” لا يقتصر على الشعوب  … بل  و الحكومات أيضاً  . في كثير من الدول تبدي اهتماماً ملموساً بهذه اللعبة التي لا تضاهيها رياضة أخرى في شعبيتها لكرة القدم عشاقها في دول العالم كلها، تتفاوت الشعوب في مدى حبها لهذه الرياضة، وفي نسبة هؤلاء المحبين إلى إجمالي السكان. حدث ذلك تدريجياً منذ العقود الأولى في القرن العشرين عندما فرضت كرة القدم وجودها باعتبارها الرياضة الشعبية الأولى بلا منازع في العالم ولكن يظل ثمة فرق كبير بين اهتمام الشعوب والحكومات بكرة القدم …  الشعوب تهتم بها اهتمام الراغب المحب بل العاشق المستعد لأن يعطي وقتاً وجهداً ومالاً من أجل ما يحب. أما الحكومات فهي تعنى بالكرة إما إرضاء لشعوبها أو سعياً إلى خداع الشعوب واستغلال فوز يحققه الفريق الوطني لأغراض سياسية والأكيد أن بين  حكومة في أي بلد كثير من وزراء يعشقون الكرة. 
وبين محبي هذه اللعبة أيضاً رؤساء دول وحكومات، ولكن السلوك الشخصي شيء …  والاهتمام الحكومي شيء آخر . يثير ازدياد هذا الاهتمام الرسمي وتوسع نطاقه قضية العلاقة بين كرة القدم والسياسة، وهذه قضية تختلف فيها الاتجاهات بالرغم مع أن الاتحاد الدولي :” فيفا ” يحظر تدخل السياسة في إمور الكرة …
هناك من يرون في هذه العلاقة أمراً طبيعياً بل بديهياً، لأن الكرة هي الرياضة الجماعية الأكثر شعبية التي تتنافس فيها فرق وطنية يلعب كل منها باسم دولته. وتبدأ المباراة بعزف الموسيقى الوطنية لدولتي الفريقين المتنافسين اللذين يرفع كل منهما، والحال هكذا، العلم الوطني، كما أن هذا العلم يرفرف عادة في مدرجات المشاهدين فالعلاقة، إذاً ثابتة وفوق هذا الاجتهاد فهي ليست سياسة، ولا ينبغي أن تكون، ولا يجوز التعامل معها باعتبارها صورة مصغرة للدولة، ولا تعبيراً عن انتماء وطني أو كبرياء قومي. فلا يصح، من وجهة النظر هذه، اختزال الدولة في أقدام ورؤوس …  أحد عشر لاعباً في ملعب للكرة وفي مباراة … مدتها تسعون دقيقة
فالحكومات المأزومة مثلاً، أو التي تفتقد الشرعية أو المشروعية أو كلتيهما، تسعى إلى استغلال فوز الفريق الوطني لبلدها  ( فتسطو … )على هذا الفوز وتنسبه لنفسها أو لسياستها وتحوله إلى نصر وطني .ومن الأمثلة الكلاسيكية في هذا المجال سلوك الحكومات العسكرية في أميركا اللاتينية في ستينيات وثمانينيات القرن الماضي، خصوصاً في البرازيل والأرجنتين، حيث يوجد اثنان من أقوى وأهم المنتخبات الوطنية في مجتمعين من أكثر مجتمعات العالم عشقاً للكرة .. فكان “مونديال” 1970 فارقاً في تثبيت الحكم العسكري الذي استولى على السلطة في البرازيل عام 1964 .كما كان “مونديال” 1978 نقطة تحول باتجاه إضفاء شرعية على الحكم العسكري في الأرجنتين. وبلغ استغلال حكام هذا البلد -الذي يتيه شعبه عشقاً بالكرة- ذروة أخرى عندما سعوا إلى إقناع هذا الشعب بأن فوز منتخبه الوطني على بريطانيا في مونديال 1986 بهدفين يعتبر تعويضاً عن الهزيمة العسكرية في حرب الفولكلاند … . وليس في إمكان رافضي العلاقة بين الكرة والسياسة إنكار وجودها على هذا النحو، المرشح للازدياد ما بقي الحبور الشعبي بالنصر الكروي مغرياً لحكومات تبحث عن أي إنجاز لاستغلال هذا النصر  غير أنه في إمكانهم التصدي لنظرية العلاقة الوثيقة بين الكرة والسياسة.ومع اقتراب موعد المونديال يتزايد الجهد القطري …  لخفض نسب التوتر وتعزيز مؤشر السلام والاستقرار وان كان مؤقتا …  حتى تضمن نسبة نجاح كبير للمونديال ومن أجل ذلك من المرجح أن تضاعف الحكومة القطرية من مبادرات اقتراح حلول لخفض المخاطر ونزاعات الكراهية خلال الأيام القادمة  … ودائما

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى