شوؤن عربية

الحلقة السابعة عشرة من كتاب معركة الكرامة

للمؤلف: اللواء/ محمود الناطور (أبو الطيب)

أسباب عمليات الجيش الإسرائيلي في الكرامة(1).

في مقال صدر بصحيفة يدعوت أحرنوت بتاريخ: 24/3/1968 م أوضح رئيس هيئة الأركان الإسرائيلية أنه هناك تعاظم في العمليات الفدائية والتي بلغت 37 عملية في شهر واحد الشيء الذي أدى إلى تحسن قدرات الفدائيين وسقوط العديد من الجنود الإسرائيلين والمواطنين قرباناً للأعمال التي نفذها الفدائيين في المدة الأخيرة. ورغم ذلك يضيف رئيس الأركان لم يتم التوغل خلال العمليات المسلحة لأسباب خاصة منها.

 ــ وفق التوجهات الأساسية للحكومة تم اتخاذ قرار بحرية العملية لكن بعدم المس بالسلطات العربية.

 ــ  العمليات الوقائية للجيش الإسرائيلي على الحدود وخاصة الحدود الأردنية كانت جيدة وفي الفترة الأخيرة نجحت القوات الإسرائيلية وحرس الحدود في قتل عدد كبير من الفدائيين.

 ــ  العمليات الانتقامية للجيش الإسرائيلي مثل عملية جيش سلاح الجو في 15/2/ 1968 أوصلت رسائل للسلطات الأردنية والفدائيين في أرض الأردن مفادها أنهم في أرض غير آمنة وغير بعيدة عن سيطرة جيش الدفاع الإسرائيلي.

نتائج العملية

مراسل صحفية صاندي تلغراف في العاصمة الأردنية عمان قال: “إن حركة فتح تحولت بالتدريج لأحد الأطراف الأساسية في أزمة الشرق الأوسط وهي أصبحت تشبه أكثر فأكثر جبهة تحرير قومية داخل الأردن نفسه”، وقد حضر رئيس الحكومة الإسرائيلية ليفي اشكول للكنيست(2) ورفض كل الادعاءات حول عملية الجيش الإسرائيلي وحول أعداد الضحايا الذين سقطوا جراء تلك العمليات، ورغم ذلك تجنبنا فتح جبهة قتال مع الجيش الأردني ــ وأكد رئيس الحكومة أنه بالرغم من وجود دبابات وشاحنات عسكرية في أرض المعركة ووفق التصريحات التي أدلى بها فقد قال لقد قتل في العملية 170 من الفدائيين وتم اعتقال 164 شخصاً تم إحضارهم إلى إسرائيل ومن بينهم 80 اتهموا بالانتماء لمنظمة فتح ومن خلال التحقيقات التي اجريت مع أسرى اتضح أن معلوماتنا الاستخبارية كانت دقيقة، ففي منطقة الكرامة كان يتواجد حوالي 1000 من رجال فتح و10 مراكز تدريب للفدائيين، وقاعدة تدريب، وقيادة جبهة التحرير الفلسطينية، و4 قواعد لوحدات التسليح ووجد هناك ألفي قاعدة للقذائف”هاون” ومدفعية وبنادق وقذائف أر بي جي إضافة إلى مواد ناسفة وألغام من أنواع مختلفة، وكشف في المكان عن غرفة مخصصة تحت الأرض لصواريخ أرض أرض، وخلال التحقيق اتضح أن منظمة فتح خططت لموجة عمليات واسعة والتي كان من المقرر ابتدائها في نهاية هذا الشهر.

ورغم تلك العملية أضاف رئيس الحكومة أنه غير مقتنع أن العملية نجحت في حل مشاكل الإرهاب أما الآن فأصبح مطلوب من الحكومة الأردنية أن توقف مساعدتها المباشرة وغير المباشرة لمنظمة فتح ــ وإذا استمرت الحكومة الأردنية في هذا التوجه فإنها ستتحمل كامل المسؤولية لما ستقوم به إسرائيل في المستقبل. وفي مقابلة لرئيس الأركان الإسرائيلي الذي قال فيها أصبحت أكثر اقتناعاً من ذي قبل بأن العملية العسكرية يوم الخميس ضد الفدائيين كانت ضرورية.. فهذا الموضوع كان على جدول أعمال جلسة الحكومة والتي من خلالها قدم العديد من التقديرات من رئيس الأركان حاييم بارليف ورئيس شعبة الاستخبارات العامة العميد أهارون بارليف واعتمد الاثنين في تقديراتهم على النتائج التي كشف عنها خلال العملية وقدموا عرضاً للمقارنة بين المعلومات الاستخبارية وبين ما أُنجز على أرض الواقع.. وفي نفس الوقت فإن هناك كان اتجاه داخل إسرائيل يتسائل ” فهل كان من الضروري دفع ثمن غالي كما حدث في العملية العسكرية، وهل كان من الممكن تحقيق الأهداف بدون هذا الثمن؟”(2).

أجوبة هذه الأسئلة قدمها رئيس الحكومة عندما صرح أن الاكتشافات الكثيرة من الأسلحة والمواد المتفجرة والناسفة التي كشف عنها في قواعد فتح بالأردن تدل بأنه كان هناك نية قتل وتدمير لدى الفدائيين، وأصبحت هناك ضرورة لعمليات الانتقام من قبل سلاح الجو الإسرائيلي الذي نجح بإرباك وإفشال خطط عديدة وخطيرة لأعمال قتل كان يتوقع تنفيذها بواسطة رجال فتح من القواعد التي دمرت، ومن أيد في الحكومة العملية فقد صوت على نجاح الجيش الإسرائيلي في تحقيق تلك الإنجازات وقد اختلفت وتبددت المخاوف الكبيرة التي ظهرت، وهمس بها أطراف هامة في واشنطن وهي بان إسرائيل بعملياتها من الممكن أن تهدد أساس الحكم الملكي في الأردن وفيما يتعلق بهذا الأمر فقد أكد رئيس الأركان بأن العملية لم تكن موجهه ضد الأردن أو جيشها وإنما لقواعد فتح وفدائييها. وعلى مسلك عمليات الجيش الإسرائيلي ضد تجمعات فتح في الأردن وعلى التساهل في التعامل مع القوات الأردنية فقد روى بارليف بتوسع حول العملية من خلال تقييمه للعملية وما حدث في ساحة القتال وعلى العبر التي يجب استخلاصها من العملية.. ومن ناحية الإنجازات أكد أنها كانت ناجحة جداً وذلك من خلال ما تم اكتشافه من أسلحة ومعدات في قواعد الفدائيين وحتى الآن لم يتضح ما حجم المفقودين الذين أكد رئيس الأركان من بعده أنهم 3 مفقودين من الجنود. خلال الجلسة صرح رئيس شعبة الاستخبارات أن التقديرات الاستخبارية مساء العملية كانت دقيقة.

وفي أعقاب ذلك أعلن وزير الخارجية الإسرائيلي آفي ايفان من الخطوت السياسية التي تدور في مجلس الأمن حيث يتضح أنه دارت مناقشات وأسئلة حول ما إذا كان من المجدي أن يسافر ايفان، ليقف على رأس الوفد الإسرائيلي في الأمم المتحدة مقابل التنازل عن القيام بجولته الأوروبية المخطط لها مسبقاً.

ومن ناحية أخرى، فإن دولتين صديقتين لإسرائيل “الولايات المتحدة وبريطانيا”  واللتين قامتا بانتقاد إسرائيل لعملياتها ولكن ذلك لم يمنعانهما من تجنيد باقي الاعضاء في مجلس الأمن لإصدار  قرار لصالح إسرائيل وذلك بالرغم من جميع الانتقادات الدولية، وخاصة من قبل الجمعية العامة للأمم المتحدة ضد العدوان الإسرائيلي على الأراضي الأردنية وقُراها.

وعلق بعض قادة العدو على النتائج بما يلي:(4)

أ ـ قال حاييم بارليف رئيس الأركان الإسرائيلي في حديث له ان إسرائيل فقدت في هجومها الأخير على الأردن آليات عسكرية تعادل ثلاثة أضعاف ما فقدته في حرب حزيران.

ب ـ  قال عضو الكنيست الإسرائيلي (شلومو جروسك) لا يساورنا الشك حول عدد الضحايا بين جنودنا، وقال عضو الكنيست (توفيق طوبي) لقد برهنت العملية من جديد أن حرب الأيام الستة لم تحقق شيئاً ولم تحل النزاع العربي الإسرائيلي.

ج  ـ طالب عضو الكنيست (شموئيل تامير) بتشكيل لجنة برلمانية للتحقيق في نتائج الحملة على الأرض الأردنية، لأن عدد الضحايا أكثر نسبياً في القوات الإسرائيلية.

د ـ وصف قائد مجموعة القتال الإسرائيلية المقدم (أهارون بيلد) المعركة فيما بعد لجريدة دافار الإسرائيلية بقوله: “لقد شاهدت قصفاً شديداً عدة مرات في حياتي لكنني لم أر شيئاً كهذا من قبل، لقد أصيبت معظم دباباتي في العملية ما عدا اثنتين فقط”.


الكرامة في مجلس الأمن الدولي

منذ لحظة بدء الهجوم الإسرائيلي وضع الأردن عن طريق مندوبه الدكتور (محمد الفرا) مجلس الأمن بالصورة الكاملة للوضع طالباً من المجتمع الدولي أن يمارس مسؤولياته.

وقد عقد مجلس الأمن الدولي اجتماعاً طارئاً في الساعة السابعة والدقيقة الثامنة والعشرين من مساء يوم 22/3/1968 (حسب توقيت الأردن) بناء على طلب المملكة الأردنية الهاشمية لبحث الهجوم الإسرائيلية على الأردن.

وكان الدكتور الفرا أول المتحدثين في المجلس طالباً فرض عقوبات رادعة بحق إسرائيل، وقال إن هذا الهجوم قد أدان إسرائيل أمام العالم أجمع.

لقد تميزت اجتماعات مجلس الأمن بالسرعة في عقدها والحدة في مناقشاتها، ويسجل لها أنها أصدرت قراراً يدين إسرائيل لهجومها بزمن قياسي وبعد أربع جلسات فقط رغم تبني الولايات المتحدة لمشروع غربي، لكن المشروع الآسيوافريقي نجح في كسب الأصوات وصدر بأكمله تحت رقم (248).

وقد تمت الجلسات الأربع خلال أقل من 24 ساعة تحدث خلالها عدة من مندوبي الدول ناقشوا خلالها الهجوم الإسرائيلي.

قرار مجلس الأمن رقم 248 (24/3/1968)

إن مجلس الأمن:

 ــ  بعد أن استمع إلى البيانات التي ألقاها كل من مندوب الأردن وإسرائيل..

 ــ  وبعد أن لاحظت محتويات الرسائل التي قدمها كل من الممثل الدائم للأردن والممثل الدائم لإسرائيل في الوثائق: S/8484  S/8483، S/8478، S/847، S/8470، S/8486.

 ــ  وبعد أن لاحظ أيضاً المعلومات الإضافية التي قدمها كبير المراقبين الدوليين والمتضمنة في الوثيقتين: S/7930/Add;and Add 65 .

 ــ  وإذ يستذكر القرار رقم 236 (1967) الذي شجب مجلس الأمن بموجبه أي خرق لوقف إطلاق النار.

 ــ  وإذ يلاحظ أن العمل العسكري الذي قامت به القوات المسلحة الإسرائيلية على الأرض الأردنية كان كبيراً وخُطط بدقة.

 ــ وإذ يعتبر أن جميع حوادث العنف وخرق إطلاق النار يجب أن تمنع.

ــ يستذكر أيضاً القرار رقم 237 (1967) الذي تضمن دعوة حكومة إسرائيل

 ــ   تضم سلامة ورفاهية سكان المناطق التي جرت فيها عمليات عسكرية.

1 ــ  يأسف للقتل الذي حصل، كما يأسف للتخريب الذي لحق بالممتلكات.

2 ــ  ويدين العمل العسكري الذي شنته إسرائيل، والذي يشكل خرقا لميثاق الأمم المتحدة ولقرارات وقف إطلاق النار.

3 ــ  يأسف لجميع حوادث العنف وخرق إطلاق النار، ويعلن أنه لا يمكن التسامح حيال الأعمال العسكرية الانتقامية كهذا العمل، وإن مجلس الأمن سيجد نفسه مضطراً لأن يتخذ إجراءات أكثر فعالية، كما ينص عليها الميثاق ليضمن عدم تكرار مثل هذه الأعمال.

4 ــ  يدعو إسرائيل للامتناع عن القيام بأعمال أو نشاطات تنافي القرار رقم 237 (1967).

5 ــ يطلب من الامين العام ان يستمر في دراسة الموقف وان يقدم تقريراً لمجلس الأمن عندما يرى ذلك ضرورياً.


معركة الكرامة كما تعكسها الوثائق البريطانية

نلقي أضواء جديدة على هذه المعركة من خلال دراسة الوثائق البريطانية غير المنشورة المتعلقة بالمعركة التي سمح بالاطلاع عليها منذ سنة 1993م والمحفوظة في مركز السجل العام public recourd Office أو ما يعرف بدار الوثائق البريطانية في لندن.

 كان من الواضح أن تصاعد العمل الفدائي المنطلق من قواعد في غور الأردن قد دفع الكيان الإسرائيلي إلى القيام بهجوم واسع لتدميرها خصوصاً في منطقة (الكرامة)، غير أن صمود الفدائيين والجيش الأردني وما بذلوه من تضحيات، قد أدى إلى نتائج معاكسة تماماً لخطط الإسرائيليين، إذ وقعت خسائر كبيرة نسبياً في القوات الإسرائيلية.. وانكسرت اسطورتها بأنها تمتلك جيشاً لا يُقهر..

كما أدت إلى تصاعد شعبية العمل الفدائي ونفوذه خصوصاً في الأردن.. وجعلت الكيان الإسرائيلي في حالة من الحيرة؛ إذ أن هجماته تزيد العمل الفدائي قوة وشعبية.. كما أن سكوته يعطي هذا العمل فرصة للتوسع والتمدد.

ويحاول هذا الموضوع  دراسة معركة (الكرامة) كما تتجلى في الوثائق البريطانية غير المنشورة المحفوظة في مركز السجل العام البريطاني Public  Record Office (او ما يعرف بدار الوثائق البريطانية) والتي سمح بالاطلاع عليها منذ سنة 1998م..

ويلاحظ كثرة ما كتب عن هذه المعركة في المصادر العربية وغيرها.. غير اننا  نحاول أن نلقي أضواء جديدة من خلال دراسة تلك الوثائق، وهو بعد نراه مهماً في استكمال الصورة المتعلقة بتلك المعركة ونتائجها، ولذلك فإن محور الدراسة والمعلومات هنا هي الوثائق البريطانية..

ويتم اللجوء إلى المصادر الأخرى على سبيل التوضيح أو المقارنة.. واستكمالاً للبنية العامة للموضوع، وسنستفيد في هذ الموضوع تحديداً من التقارير والبرقيات والرسائل الصادرة عن سفراء بريطانيا في عمان وتل أبيب إلى الخارجية البريطانية.. بالإضافة إلى تقرير الملحقين العسكريين البريطانيين في البلدين.. فضلاً عن مراسلات أخرى من بيروت وواشنطن، وردود الخارجية البريطانية لسفرائها.

أولاً ــ الظـروف التي أدت إلى المعركــة:

أدت حرب الأيام الستة في شهر 6/ 1967م بين العرب والكيان الإسرائيلي إلى كارثة كبيرة، فقد منيت الجيوش العربية المصرية والأردنية والسورية بهزيمة ثقيلة.. واحتل الكيان الإسرائيلي بسرعة خاطفة الضفة الغربية التي كانت تحميها الأردن (5878 كم2) وقطاع غزة الواقع تحت الادارة المصرية (363 كم2)، وبذلك استكمل احتلال باقي فلسطين وفق حدودها التي وضعت في أثناء الاستعمار البريطاني، واحتلت شبه جزيرة سيناء المصرية (61198 كم2) والجولان السورية (1150 كم2) كما أدت الحرب إلى تشريد 330 الف فلسطيني انتقل معظمهم إلى الأردن(5).

لقد كانت حرب 1967م صدمة كبيرة للشعب الفلسطيني والشعوب العربية التي انتظرت بفارغ الصبر طوال 19 عاما منذ (1948) ما كانت تعد به الانظمة العربية من القضاء على الكيان الإسرائيلي، ولذلك اضعفت هذه الحرب الثقة بالانظمة وجيوشها، وسعى الفلسطينيون إلى أخذ زمام المبادة بأيديهم، وعدم انتظار تحقيق شعارات (الوحدة طريق التحرير) و (قومية المعركة) التي كانت سائدة من قبل، فضلاً عن انحسار الآمال تجاه جمال عبد الناصر لتحقيق الوحدة والتحرير، وتكرست بشكل أكبر الهوية الوطنية الفلسطينية، وتطلعت الأنظار إلى المنظمات الفدائية الفلسطينية بوصفها بديلاً أفضل.

قامت حركة التحرير الوطني الفلسطيني “فتح” بإعادة ترتيب صفوفها في الضفة الغربية وقطاع غزة، وأعلنت انطلاقتها الثانية في 28 /8/ 1967م في بيانها الخامس والسبعين(6) بتسع وسبعين عملية عسكرية، أدت إلى قتل وجرح 218 صهيونياً.. وقد أصبحت “فتح”  في تلك الفترة  العمود الفقري للمقاومة، في حين أخذت تتشكل منظمات فدائية أخرى شاركت بدرجات متفاوتة في عمليات المقاومة.

يظهر أن رؤية الفدائيين في الأشهر الأولى التي تلت الاحتلال الإسرائيلي للضفة والقطاع كانت مبنية على إمكانية إنشاء (القواعد الارتكازية) الثابتة والمتحركة في الأرض المحتلة، سعياً إلى ايجاد مناطق محررة تكون منطلقاً لإزالة الوجود الإسرائيلي، وهي رؤية حاولت أن تستفيد من تجربة الثورة الفلسطينية الكبرى 1936 ــ 1939 التي نجحت في السيطرة على الريف الفلسطيني والمناطق الجبلية فترة من الزمن..

وقد دفع الفدائيون بنحو ألف من عناصرهم إلى الضفة والقطاع ليقوموا ببناء التنظيم السري والقواعد الارتكازية وكان على رأسهم زعيم “فتح” المجاهد ياسر عرفات الذي تولى إعادة تنظيم المقاومة في الضفة الغربية بنفسه(7).. ولكن يبدو أن هذه المحاولة لم تنجح في إنشاء أي من القواعد الثابتة بالرغم من الجهود المضنية التي بذلها الفدائيون.. إذ أن الإجراءات العسكرية والأمنية الصهيونية العنيفة أدت إلى مطاردة مئات الفدائيين، واستشهد ما يزيد عن ستين فدائياً، واعتقل ألف آخرون، وقد أدى هذا إلى توجه الفدائيين إلى اقامة القواعد الثابتة في الضفة الشرقية لنهر الأردن..

واخذت القواعد السرية القليلة التي كانت موجودة شرقي غور الأردن تبرز إلى العلن في مطلع 1968م، في حين أخذ كثير من الفدائيين المطاردين في الضفة الغربية بالانتقال إلى الضفة الشرقية لنهر الأردن(8). وقد أدخل ذلك العلاقة بين الأردن والفدائيين في مرحلة جديدة.. كما لفت أنظار الكيان الإسرائيلي لضرب القواعد الفدائية في شرقي الأردن.. مما صعد من احتمالات المواجهة مع الجيش الأردني، والقيام بهجمات انتقامية ضد مدن الأردن وقراه، وضد بنيته التحتية والاقتصادية.

وقد لاحظ تقرير للمخابرات العسكرية البريطانية في الشرق الأدنى أنه منذ حرب 1967م حدثت زيادة كبيرة في نشاط الفدائيين وفي عدد منظماتهم، وأشار إلى أن معظم العمليات الفدائية كانت تتم قبل الحرب من قطاع غزة وسوريا، ويمر الفدائيون أحياناً من لبنان أو الأردن، ولكن كل العمليات ضد إسرائيل بعد الحرب تمت عبر الأردن، ونتيجة لذلك كانت معظم مظاهر انتقام الإسرائيليين موجهة ضد الأردن(9).

يؤكد تقرير السفير البريطاني في تل أبيب (R.M.Hadow) الذي بعثه إلى الخارجية البريطانية حول معركة (الكرامة) أن مجموعات “فتح” حصرت عملها ــ في الثلاثة أو الأربعة أشهر الأولى التي تلت حرب شهر 6/ 1967م ــ إلى حد كبير في الضفة الغربية..حيث سعى الفدائيون (وقد درج السفير في تقريره على استخدام لفظة إرهابيين أو مخربين في الإشارة إلى الفدائيين) لتطوير مقاومة فلسطينية تربك بشكل جاد الحكومة الإسرائيلية.. وقال أنهم لم ينجحوا في جهودهم، ورأى أن سبب ذلك يعود بشكل جزئي للاجراءات الإسرائيلية المضادة الفعالة.. أما السبب الأكبر فيعود ــ  حسب رأيه ــ إلى أن الفدائيين فشلوا في اجتذاب الدعم الشعبي الذي أملوا في تحقيقه.. وأضاف.. أنه مع نهاية عام 1967 (قبل الإرهابيين بالهزيمة في الضفة الغربية.. ورجعوا إلى شرق الأردن، حيث يقومون بأعمال تخريب ضد إسرائيل.. خصوصاً في منطقة بيسان، ثم وبشكل أقل في مناطق وادي عربة بين البحر الميت وإيلات)(10).

ولسنا بصدد مناقشة رأي (هادو) في أن الفدائيين فشلوا في اجتذاب الدعم الشعبي، وافتقار رأيه هذا إلى الموضوعية، ولكننا نلاحظ أن المصادر الغربية والبريطانية كلها تتفق على أن محور تركيز العمل الفدائي في الأشهر الأولى التي تلت حرب 1967م كان الضفة الغربية والقطاع.. وأن هذا المحور قد اتخذ من الأردن قاعدة ارتكاز علنية منذ مطلع 1968، وأن الأردن كانت ــ في كلتا الفترتين ــ مركز العبور الأساسي للداخل الفلسطيني..

بينما كان الكيان الإسرائيلي يطارد العمل الفدائي في الضفة الغربية والقطاع، فإنه كان ينظر بقلق إلى نمو قواعد الفدائيين وتجذرها في شرقي الأردن.. والى الدعم الشعبي الذي يلقاه.. بل إلى تغاضي عناصر من الجيش الأردني ودعمها للفدائيين، فضلاً عن دعم وحدات الجيش العراقي المتمركزة في الأردن..

وقد أشار “هادو” في تقريره إلى أنه قد تجمعت لدى الإسرائيليين معلومات عن “إنشاء قوة إرهابية كبيرة في شرق الأردن، وعن تواطؤ سري فعال معها من قبل الجيش الأردني.. على الأقل على مستوى الرتب الأدنى(11).

وقد أشارت برقيتان من السفارة البريطانية في تل أبيب إلى الخارجية البريطانية في 13 /10/ 1967م إلى سعادة الإسرائيليين بالقضاء على ما أسموه “عصابة فتح في القدس”.. حيث تم القبض على 24 فدائياً، والتحقيقات معهم تظهر أنهم تلقوا مساعدات من الجيش الأردني في أخذ معداتهم إلى نهر الأردن استعداداً لاجتيازه نحو الضفة الغربية..

وتضيف أن الإسرائيليين يزعمون ان الفدائيين الذين نفذوا عملية 11 /10/1967م استفادوا من غطاء ناري أردني في أثناء انسحابهم إلى شرق الأردن(12).

كما أشارت برقية أخرى في 3 /11/ 1967م إلى تمكن السلطات الإسرائيلية من القبض على قائد “فتح” فيصل الحسيني الذي كان قد تسلل قبل ثلاثة أسابيع إلى القدس”10″.. كما ذكرت إحدى الوثائق نقلاً عن راديو إسرائيل أن موشيه كشتي مدير وزارة الدفاع الإسرائيلية أعلن في 4 /12/ 1967 أنه منذ حرب الأيام الستة (شهر6/1967) قبضت قوات الأمن الإسرائيلية على 300 فدائي وقتلت 60 آخرين(13).

أضاف (هادو) في تقريره أن صفوف ما أسماه الإرهابيين استوعبت أعداداً كبيرة من الشباب الفلسطيني من البلاد العربية الذين تدربوا في سوريا ومصر والجزائر.. وممن تلقوا تعليماً عالياً، ودوافعهم ايديولوجية بشكل أكبر مما أسماه طراز المرتزقة القديم..

وقال إن الإسرائيليين يدّعون أن هؤلاء مسلحون تسليحاً جيداً.. ويلبسون ملابس التمويه الحربية.. ويظهرون بشكل علني في عمان وغيرها.. وأنهم لم يعودوا يستخدمون الأردن فقط ممراً للهجوم على إسرائيل أو ملجأ أو مكانا للراحة بعد العمليات.. فلقد نقلوا ثقل منظمتهم الرئيس إلى وادي الأردن.. وأنشئوا قواعد ومراكز للتدريب، كما يعتقد أن قيادتهم موجودة هناك.. وقال أن الجيش الأردني لم يقنع بتوفير تغطية نارية للفدائيين ليساعدهم على العودة بعد اكتمال مهامهم، وإنما ظهر أنه يقصف المستعمرات الحدودية وخصوصاً منطقة بيسان.

يحاول السفير البريطاني في عمان توضيح مسألة التعاون بين الفدائيين والجيش الأردني في تلك الفترة، فيؤكد أن دعم الجيش الأردني للفدائيين هو أقل بكثير من ذلك الذي تزودهم به وحدات الجيش العراقي الموجودة في الأردن..

ولكن الضباط الصغار عرفوا بتقديم المساعدة على شكل استخدام سيارات الإسعاف ووسائل المواصلات باتجاه طريق الشمال ــ الجنوب في وادي الأردن.. وعلى شكل مرافقة الفدائيين.. أما ما وراء هذا الطريق غرباً فإن الفدائيين يعملون بأنفسهم.. ويوفر الجيش الأردني أحياناً مواصلات وسيارات إسعاف لاستقبال الفدائيين العائدين.. كما يوفر عادة تغطية نارية للمجموعة المنسحبة..



(1) يديعوت احرنوت 24/3/1968.

(2) يديعوت احرنوت 26/3/1968.

(3) معاريف 25/3/1968.

(4) معركة الكرامة المصدر موقع ويكبيديا (http://ar.wikipedia.org ).

(5) بكر المجالي، الملف الوثائقي لمعارك الكرامة ص 54.

(6) حول حرب 1967 ونتائجها، انظر مثلاً: الكيلاني، هيثم: الاستراتيجيات العسكرية للحروب العربي الإسرائيلية، بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1991، ص219 – 315.

(7) انظر حول إعادة فتح ترتيب صفوفها بعد حرب يونيو 1967: خلف، صلاح: فلسطيني بلا هوية. ط2، عمان: دار الجليل، 1996م، ص89 – 93.

(8) انظر: مقال: تطور الفكر السياسي الفتحوي (20). في النشرة المركزية (لحركة فتح)، العدد الثاني لسنة 1999م، المنشور على موقع www.fatteh.net/puplic/news letter/310199/index.htm

(9) صايغ، يزيد: “التجربة العسكرية الفلسطينية المعاصرة”، في الموسوعة الفلسطينية. القسم الثاني: الدراسات الخاصة، ج5، بيروت: هيئة الموسوعة الفلسطينية، 1990م، ص368، و ص383.

(10) الموسوعة الفلسطينية، القسم الثاني، ج5، ص369، ص383.

(11) Arab Guerille edeyeen) Activity Against Israel.Prepared by intelligence Ctaff.Head Quarters (H.Q). British forces ،. NearEast Confidential، 1 Decmber 1968

(12) FCO 17/633.Report H. The Karama Raid.R.M.H.

hadow. Tal Aviv to Mr. Stewwart. F.o.، London Confidential 25 march 1968 p.2 (Hereafter referred to as Hadow Report on the Karama Raid )  FCO 17/633 ،Hadow Report on the Karama Raid. p.63

(13) FCO 17، 467، Telegram (Tel.) no.1115،British Embassy (B.E) Tel Aviv to F.O. 13 October

 1967، and FCO 17/467 Tel. no 1116. B.E.Tel Aviv to F.O. confidential،13 october 1967

FCO 17/467. Tel. B.E. Tel Aviv to F.C. 3 November 1967.



مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى