أقلام وأراء

الحبيب الأسود: لهذه الأسباب اتفاق صالح والمشري إلى الفشل أقرب

الحبيب الأسود: لهذه الأسباب اتفاق صالح والمشري إلى الفشل أقرب 2022/10/26

لا حديث هذه الأيام إلا عن الاتفاق الحاصل بين رئيس مجلس النواب الليبي عقيلة صالح ورئيس مجلس الدولة خالد المشري في الرباط بخصوص المناصب السيادية، التي لا تزال لم تشهد تغييرا فعليا رغم إعلان بوزنيقة الصادر في يناير 2021، والذي تمت بلورته بعد اجتماعات استمرت أشهرا عدة، باستثناء منصبي النائب العام ورئيس المحكمة العليا اللذين تم التوافق عليهما انطلاقا من استقلالية قطاع القضاء وقدرة العاملين فيه على حسم أوضاعهم، ومن أن إعلان بوزنيقة كان قد أعطى الأسرة القضائية الحق في اختيار من يشغلهما.

وعكس ما يعتقد البعض، المسألة معقدة، والاتفاق بين صالح والمشري لا يكفي لحلها، ولاسيما أن مجلسي النواب والدولة أصبحا على هامش الأحداث، وهما فقط جزء من ديكورات المسرح الليبي الذي يشغله ممثلون ومخرج من خارج الإطار المعلن، وكل المعطيات تشير إلى ذلك نظرا إلى أن اللحظة الحالية باتت تفرض حسابات الصراع الدولي لا على تقاسم النفوذ في ليبيا والمنطقة فحسب، وإنما على السيطرة عليه كليا من قبل هذا الطرف أو ذاك.

ومن ينظر إلى طبيعة التوافقات المعلنة أو الخفية بين صالح والمشري يلاحظ على الأقل أمرين:

الأول، من الصعب الإطاحة بمحافظ مصرف ليبيا المركزي الصديق الكبير الذي لا يزال في موقعه منذ 11 عاما، والذي ورغم كل محاولات عزله، استطاع أن يصمد بقوة ليكون بذلك الرجل الأكثر تأثيرا ليس في الوضع المالي والاقتصادي، وإنما كذلك في المشهد السياسي، حتى أنه يبدو قادرا على ترجيح كفة هذا الفريق على ذاك، كما يفعل من خلال مساندته الكاملة لرئيس الحكومة المنتهية ولايتها عبدالحميد الدبيبة، وعلى تشكيل ملامح السياسات العامة في البلاد عبر سلسلة تحالفاته الإقليمية والدولية.

لم يخضع الكبير لجهود توحيد مصرف ليبيا المركزي، ولا لمحاولات توحيد الصرف والتصدي لعصابات المضاربين في السوق الموازية ممن يتحكمون اليوم في الاقتصاد الليبي، وإنما عصف بها في مناسبات عدة بقوة من يستند على واشنطن ولندن وأنقرة والدوحة، ومن نجح في تكوين جماعات ضغط واسعة التأثير داخليا وخارجيا ليكون فوق السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية، وبالتالي فإن أي توافقات محلية لم ولن تنجح في عزله من منصبه، ولاسيما أن مصرف ليبيا المركزي هو اليوم شأن دولي يتجاوز الفاعلين الداخليين، وهو مرتبط بمواقف القوى المؤثرة في مجلس الأمن والإدارة الأميركية والاتحاد الأوروبي، كما أن تغيير المشرفين عليه يحتاج إلى تفاهمات القوى الكبرى وليس إلى مناورات عقيلة والمشري.

ربما نجح الكبير في الاستفادة من الأحداث التي صادفته قبل الوصول إلى منصبه الحالي، ففي عام 2000 تعرض صحبة عدد من القيادات المصرفية إلى تهم التقصير في حفظ وصيانة المال العام، وتحقيق المنفعة للغير وممارسة الوساطة، والكسب غير المشروع، على خلفية نهب ما يزيد على 600 مليون دينار كانت مخصصة لمدينة بنغازي، وكانت القضية قد نظر فيها أمام مختلف المحاكم المختصة، وانتهت ببراءة جميع المتهمين من قيادات ومديري المصارف.

في سبتمبر 2014 قرر مجلس النواب الليبي المنعقد في مدينة طبرق إقالة الكبير من منصبه وإحالة ملفه على مكتب النائب العام وتكليف نائبه علي الحبري بالحلول محلّه، لكن يبدو أن القرار كان أرخص من الحبر الذي كتب به، حيث لم يتم الاعتراف به لا داخليا ولا خارجيا، وبالتالي لم يتم تنفيذه، وهو ما أعطى للرجل حصانة غير معلنة، وجعل القوى التي تدعمه تنظر إليه كشخصية عاقلة وجدّية في مواجهة محيط من المسؤولين الفاشلين والسياسيين المهووسين بالسلطة. وفي سبتمبر من العام 2017، فشل مجلس النواب مرة أخرى في عزل الكبير بعد تجاوزه عهدته القانونية المحددة بخمسة أعوام، واستبداله بمحمد عبدالسلام الشكري الذي تم انتخابه محافظا للمصرف المركزي بأغلبية الأعضاء.

ذهبت حكومات وجاءت أخرى، واشتعلت حروب أهلية وانطفأت صراعات، وانتشر الإرهاب وبسط داعش سيطرته على جزء مهم من البلاد، وتغولت ميليشيات، وتم استيراد المرتزقة، وبرزت حيتان كبرى وقطط سمان، وتحولت مقدرات الدولة إلى غنيمة للصوص والمضاربين والحكام المتخصصين في نهب المال العام، ومات من مات وعاش من عاش، والصدّيق الكبير في منصبه، ومن حوله سور يرد عنه كل محاولة للمساس بموقعه، لذلك ضرب بقرارات القضاء عرض الحائط، وداس على تشريعات البرلمان، وتجاهل بالكثير من التعنت الاتهامات الموجهة إليه والانتقادات التي تحاصره، وحتى التقارير النهائية الخاصة بالمراجعة المالية الدولية لم يتم نشر تفاصيلها لكي لا يتم إحراجه.

واليوم يعتبر الكبير الحليف الأبرز للدبيبة، وأهم عرابي الحكومة المنتهية ولايتها، وبالتالي فهو الحاكم الفعلي في طرابلس، وهو الذي يحدد ملامح العلاقات الخارجية لسلطات الأمر الواقع، كما أنه المقرب من تيار الإسلام السياسي والمدعوم من قبل أمراء الحرب، ويعتبر الرقم الصعب الذي يتحكم في إشارات المرور نحو مختلف الاتجاهات، ويتجاوز بمنصبه الحالي وظيفة محافظ المصرف المركزي إلى المكلف من المجتمع الدولي بالوصاية عليه وعلى ثروة البلاد ومقدراتها بالكامل وعلى استثماراتها وأرصدتها وتعهداتها المالية والاقتصادية.

الأمر الثاني، فيما لن يستطيع صالح المساس من الصديق الكبير، فإن المشري لديه هدف واضح وهو الإطاحة بفرحات بن قدارة رجل الاقتصاد الذي جيء به في يوليو المنقضي إلى رئاسة المؤسسة الوطنية للنفط في سياق صفقة غير مسبوقة بين المهندس الدبيبة وقائد الجيش الوطني الجنرال خليفة حفتر، تم بمقتضاها عزل الرئيس السابق للمؤسسة مصطفى صنع الله الذي فقد زخم الدعم الذي كان يحظى به، وذلك على الأقل بسبب عجزه عن التحكم في مسارات الإنتاج والتصدير من الحقول والموانئ الخاضعة لنفوذ قوات الجيش، ولاسيما في ظل التحولات التي عرفتها سوق الطاقة بعد اندلاع الحرب الروسية في أوكرانيا.

ومن الطبيعي أن يرفض المشري وفريقه السياسي تعيين بن قدارة القادم من شرق البلاد والذي يحسبه البعض على قيادة الجيش، رغم أن للرجل تجربة واسعة في المجال الاقتصادي، ولديه سمعة جيدة في الأوساط الدولية، وكان محافظا للمصرف المركزي الليبي، من عام 2006 حتى أحداث فبراير في 2011، وهو رجل من فئة التكنوقراط وبلا انتماء سياسي أو أيديولوجي، ويقوم بعمله في إطار واقع تفرضه التوازنات التي تهيمن على المشهد العام داخليا وخارجيا، ويحاول ألا يدخل في أي مواجهات مع أي طرف كان عكس سلفه صنع الله الذي لم يترك لنفسه صديقا يلجأ إليه وقت الحاجة.

كما أن المشري يخطط منذ سنوات للإطاحة برئيس المفوضية المستقلة للانتخابات خالد السايح، وقد شن عليه حملات واسعة متهما إياه بالتزوير والانحياز إلى طرف دون آخر وشكك في نزاهته وهدد بمقاطعة أي انتخابات يشرف عليها أو يديرها، وحرّض عليه عددا من العواصم الدولية، وقد اشترط أن يشمل أي اتفاق مع مجلس النواب الإطاحة بالسايح، وهو ما تم التطرق إليه في اجتماعات الفريقين بالمغرب ومصر وتركيا وغيرها، ولكن كل تلك المحاولات لم تحقق أهدافها، ولاسيما أن وضعية السايح تبدو قريبة من وضعية الكبير من حيث دعمه المباشر والدائم من قبل العواصم الغربية المؤثرة في الملف الليبي والتي منحته ثقتها ودافعت عنه واعتبرت أي محاولة للإطاحة به مؤامرة ضد الاستحقاق الانتخابي.

واليوم، يطالب المشري برأسي قدارة والسايح اللذين لا يملك صالح التحكم في مصيرهما، مقابل رأس الكبير الذي ليس لمجلس النواب أو الدولة أن يطيح به، وقد يكون حل المجلسين أيسر في صفقة مع المجلس الرئاسي من المساس به، وهو ما يعني أن ما تم الحديث عنه من وجود اتفاق قد يفتح المجال أمام بصيص ضوء في آخر النفق، ليس له ما يدعمه على أرض الواقع، وخصوصا أن المجتمع الدولي أصبح يدرك أن مجلسي النواب والدولة فقدا شرعيتهما وأصبحا مجرد أثرين، فمجلس الدولة هو كيان وهمي يتكون من فلول المؤتمر الوطني العام المنتخب في العام 2012 التي تم تدويرها في الصخيرات في ديسمبر 2015 نتيجة الصراع والانقسام القائمين في البلاد، ومجلس النواب منتخب في 2014 وقد عرف تحولات كثيرة جعلت منه شكلا من أشكال الفولكلور في متحف السياسة المحلية حتى أنه لا تشريعاته ترى النور ولا قراراته تجد من يعترف بها رسميا.

لن يتحقق شيء من اتفاق صالح والمشري، فليبيا محكومة بسلطة الأمر الواقع وبالهيمنة الخارجية المطلقة، وليس بقرارات مجلسي النواب والدولة اللذين يمكن في أي لحظة إعادتهما إلى دائرة الاشتباك بدل التوافق للحفاظ على كنه المسرحية المتواصلة إلى حين الإيذان رسميا بإسدال الستار من قبل الفاعلين الأساسيين على ركح الأحداث.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى