أقلام وأراء

قيس سعيد والتفهمّ الغربي لموقفه لا لمشروعه

الحبيب الأسود

الحبيب الأسود ١٦-٤-٢٠٢٢م

لا يكاد يمر أسبوع دون أن تستقبل تونس وفدا أجنبيا قادما من إحدى العواصم ذات العلاقات التقليدية الراسخة مع البلاد وعلى رأسها واشنطن وباريس وبروكسل التي تعتبر العاصمة الفعلية للاتحاد الأوروبي، وهو ما يشير إلى الأهمية التي توليها تلك العواصم للأوضاع التونسية انطلاقا من رمزية البلد العربي الأفريقي الصغير من حيث الجغرافيا، والكبير من حيث التاريخ والثقافة والتأثير الجيوسياسي في محيطيه الإقليمي والعالمي.

ويبدو أن زيارات الوفود الغربية تحمل رغبة استطلاعية لمعرفة طبيعة مجريات الأحداث، ولاسيما منذ الخامس والعشرين من يوليو الماضي، تاريخ إعلان الرئيس قيس سعيد عن تدابيره الاستثنائية بالاعتماد على المادة 80 من دستور 2014 لمواجهة ما يمكن تسميته بالخطر الداهم، وما تلا ذلك من محطات، لعل أبرزها إصدار المرسوم 117 في الثاني والعشرين من سبتمبر والذي بات الرئيس بموجبه يحتكم على جميع السلطات ضمن ما اعتبره البعض مرحلة انتقالية جديدة لقيت دعما ومساندة من الأطراف المناوئة للإسلام السياسي المتمثل بالأساس في حركة النهضة الإخوانية، والرافضة لاستمرار المنظومة السياسية التي أفرزتها تحولات ما بعد يناير 2011، والقادمة في أغلبها من أرصفة المهجر أو من حلقات المقاهي في شوارع العاصمة، وهي منظومة أثبتت فشلها وجشعها وعجزها عن إدارة شؤون البلاد وتغليبها للمصالح الشخصية والفئوية والحزبية والأيديولوجية على المصلحة العليا للدولة.

لم يكن خافيا على العواصم الأجنبية أن منظومة الحكم التي هيمنت على مراكز القرار منذ 2011 لم تكن قادرة على تجاوز الأزمات التي صنعتها بنفسها، ولاسيما تلك المتعلقة بالمالية العامة والاقتصاد وبوضعية المجتمع المحتقن نتيجة تراجع أداء مؤسسات الدولة الخاضعة لمحاولات الاختراق من قبل التيارات العقائدية، وهو ما أدى إلى مواجهة طاحنة بين أنصار الخراب بنيّة إعادة البناء وفق رؤية الوافدين على الدولة، وبين المحافظين المدافعين عن الأسس العميقة للدولة الوطنية كما بناها بورقيبة منذ الاستقلال عن فرنسا في مارس 1956 وحافظ عليها بن علي باجتهادات قابلة للنقاش حتى العام 2011، عندما تحولت البلاد فجأة إلى مخبر إقليمي لمخطط التغيير السلمي الذي تم الإعداد له من قبل أطراف أجنبية كانت تسعى لبلورة وجه جديد لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا يتمثل في الدفع بها نحو تجارب الديمقراطيات الغربية، على أن يجد الإسلاميون بمختلف أطيافهم المتطرفة والمعتدلة طريقا إلى سدة الحكم في بلدانهم الأصلية بدل الاستمرار في إزعاج الدول والمجتمعات الأخرى.

فشل الإسلام السياسي في المنطقة، وخاصة في مصر عقب ثورة الثلاثين من يونيو التي أنهت سلطة المرشد وعصفت بأحلام 80 عاما في مسيرة جماعة الإخوان، وفي سوريا عندما فشل الإسلاميون والواقفون وراءهم في الإطاحة بالنظام رغم تجند العشرات من الدول وتجنيد الآلاف من المسلحين القادمين من مختلف الدول وصرف عشرات المليارات من الدولارات، وفي السودان بعد إنهاء حكم البشير، وفي المغرب والجزائر والأردن والكويت بحكم صناديق الاقتراع. وفي الأثناء، بقيت تونس وحدها النموذج الذي يبعث الأمل في نفوس الأحزاب والحركات والجماعات الدينية، لكن حركة النهضة تفوقت في إثبات فشلها، وخاصة بعد أن حاولت تجاوز صراعاتها الداخلية على الزعامة بتصعيد راشد الغنوشي إلى دور سياسي في مستوى الدولة يمهد لتخليه عن دوره في الحزب، ومن هناك تم الدفع به إلى الترشح للانتخابات التشريعية ثم إلى رئاسة البرلمان، بل وكانت هناك خطة لإيصاله إلى رئاسة البلاد ولو مؤقتا.

نجح الحزب الدستوري الحر بقيادة زعيمته عبير موسي في إسقاط ورقة التوت الأخيرة عن دور الإخوان السياسي في دعم التطرف والتطبيع مع الفساد ومحاولاتهم السيطرة على مفاصل الدولة من خلال البرلمان، وأعطت بذلك قيس سعيد فرصة المبادرة بالدفاع عن سيادة الدولة والرئاسة، فكان عليه أن يستفيد من شعبيته الجارفة لينقذ تونس من حالة البؤس التي تردت إليها، ووجد تفهّما واسعا من الداخل ومن الخارج، فالدولة كانت على حافّة الانهيار نتيجة الكارثة الصحية والأزمة المالية والأوضاع الاجتماعية الصعبة، كما وصلت منظومة الحكم بجناحها التنفيذي في القصبة والتشريعي في باردو إلى مرحلة غير مسبوقة من الصراعات والضياع والابتذال المنشورة على وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي، وكاد الأمر ينقلب إلى حالة انفلات عام في الشارع وإلى فوضى عارمة أو ثورة فقراء تأتي على الأخضر واليابس، وهو ما نبهت إليه سفارات الدول الأجنبية عواصمها، وقد أدركت عواصم كواشنطن وباريس وبرلين تلك المخاوف، ووجهت إشارات إيجابية إلى الرئيس سعيد تفيد بأنها ستتفهم أي قرار سيتخذه للخروج بتونس من عنق الزجاجة.

أبدت الدول الأجنبية إلى حد الآن الكثير من المرونة في التعامل مع التطورات في تونس، وتعاملت مع قرارات الرئيس سعيد على أنها أمر واقع لا يمكن التصدي له أو التعدي عليه، وحتى بعض المواقف القادمة من واشنطن بالأساس يمكن وضعها في سياق الصراع السياسي داخل الكونغرس وضغوط اللوبيات الإخوانية المدعومة من قطر وتركيا، وهي لا تثير الكثير من القلق كما يعتقد البعض، والولايات المتحدة غير مستعدة للتفريط في علاقات عريقة مع تونس تعود بدايتها إلى أول اتفاق للصداقة بينهما أبرم يوم السادس والعشرين من مارس 1799، ولاسيما أن هناك صراعا دوليا حقيقيا يدور حول النفوذ بالمنطقة، ولا يجوز المغامرة باختبار موقع تونس بعد أن كانت لعقود عدة تدور في الفلك الأميركي.

لقد اعتادت الوفود الغربية خلال الأشهر والأسابيع الماضية على أن تحل بتونس وتجري لقاءات مع الطرف الحكومي ومع المعارضة والناشطين السياسيين والاجتماعيين والإعلاميين وصانعي القرار ومبلوري الرأي العام، وعلى أن تصدر بيانات قد تحمل إشارات حادة في بعض الأحيان، ولكنها ما إن تعود إلى بلدانها حتى تتجه للاهتمام بملفات أخرى، وتترك المجال لوفود جديدة، وكل ذلك يصب في مصلحة الرئيس سعيد الذي استطاع امتصاص أي محاولات جدية للتدخل في الشؤون الداخلية لبلاده عبر الرسائل المعلنة والموجهة مباشرة إلى من يهمه الأمر، وما أعطاه قدرة على المواجهة أنه يحظى بشعبية واسعة تتجاوز على الأقل شعبية من كانوا في الحكم قبل أن يطيح بهم في يوليو الماضي، وأن العواصم الغربية تبدي الكثير من المشاعر الدافئة المتوارثة نحو تونس بحيث لا تقبل أن تراها ساحة للصراعات الدموية أو المواجهات الأهلية، كما أن الرهان على الإسلام السياسي في المنطقة قد انتهى إلى فشل ذريع ولم يعد له مكان جدي في المخططات الاستراتيجية للدول التي كانت تعتقد أنه الحل.

ومع ذلك على الرئيس التونسي أن يكون مرنا في قيادة المرحلة القادمة، فالمواقف الأجنبية مرتبطة بالأساس بالموقف الشعبي الداخلي الذي يجب التعامل معه بواقعية شديدة وبالكثير من الحذر، فتونس كانت مخبرا للتجارب بعد 2011 ولن تبقى كذلك في المرحلة القادمة، والمطلوب حاليا ليس مشروع الفرد، ولكن ترسيخ مفهوم الدولة الوطنية الحديثة في إطارها الديمقراطي وضمن نظام سياسي يتفق عليه التونسيون ولا يكون نشازا في السياق العالمي المعتمد.

لا شك في أن المجتمع الدولي تفهّم، ولا يزال يتفهم، موقف الرئيس سعيد، ولكن نقطة الخلاف تدور حول مشروعه السياسي وهو ما يعتمد عليه معارضوه خلال اجتماعاتهم مع الوفود الغربية، حيث يبدون خشيتهم من النظام الذي “يبشّر” به أنصار الرئيس، والذي لا يوجد له نظير يتجسد على أرض الواقع في عالم اليوم.

 

مركز الناطور للدراسات والأبحاث  Facebook

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى