#شوؤن عربية

الحبيب الأسود – صانعو القرار أمام أربع سيناريوهات للمرحلة القادمة في ليبيا

الحبيب الأسود ١٤-٤-٢٠٢٢م

فرضت تطورات الأزمة السياسية في ليبيا سيناريوهات جديدة تقدم الأطراف الداعمة لها الحلّ الأفضل من وجهة نظرها، والذي تروّج له على أنه سيقود البلاد نحو الاستقرار الأمني والسياسي ويخرجها من تداعيات سنوات طويلة من الاقتتال، لكن أغلب هذه السيناريوهات إن لم يكن كلها يواجه عواقب وخططا مضادة من شأنها أن تنهيه وتؤلّب الرأي العام ضده.

أيّ مستقبل للأوضاع في ليبيا في ظل استمرار الأزمة السياسية وظهور نذر العودة إلى مربع الفوضى والانقسام؟ وما هي أهم السيناريوهات المطروحة حاليا أمام صانعي القرار الدولي لمواجهة الراهن المتردي؟ وكيف يمكن للبلد الثري في شمال أفريقيا والممتد على مسافة ألفي كلم من الضفة الجنوبية للمتوسط أن يخرج من النفق المظلم لاسيما بعد أن أدت الحرب في أوكرانيا إلى تشكّل رؤية غربية وخاصة أميركية للملف الليبي ضمن إطار الصراع على النفوذ على الجغرافيا السيادية ومنابع الطاقة مع روسيا؟

ومن هذا المنطلق برزت أربع سيناريوهات جديدة للأزمة الليبية أولها هو التوافق بين مجلسي النواب والدولة على موضوع الدستور وموعد الاستفتاء عليه في سياق الخارطة الانتخابية المعلنة من قبل البرلمان في فبراير الماضي وبعد الدخول العملي في تنفيذ التعديل الدستوري الثاني عشر، وقبول رئيس الحكومة المؤقتة المنتهية ولايتها عبدالحميد الدبيبة تسليم مقاليد السلطة إلى رئيس الحكومة المنبثقة عن مجلس النواب والحائزة على ثقته فتحي باشاغا في أجل لا يتجاوز يونيو القادم موعد انتهاء الفترة الانتقالية الحالية المعلنة من قبل ملتقى الحوار السياسي في أواخر 2020 والمحددة بـ16 شهرا، على أن تتعهد الحكومة الجديدة بتحقيق الأهداف المعلنة من تشكيلها.

وإن كان هذا السيناريو الأكثر واقعية وأقرب إلى التنفيذ العملي على الأرض، إلا أن الأطراف الداخلية والخارجية التي ترى مصلحتها في تأبيد الصراع، ومن بينها الميليشيات الخارجة عن القانون والإخوان والدبيبة وحكومته ولصوص المال العام وأصحاب الوظائف العليا غير القابلين لمغادرتها والأسر المستفيدة من الفساد ومن منظومة الصفقات والاعتمادات، ستعمل على إفشال هذا السيناريو بمحاولة فرض بقاء الحكومة الحالية رغم الملفات الثقيلة التي تلاحقها في علاقة بالفساد وإهدار المال العام والمواجهة المعلنة بينها وبين مجلس النواب وقيادة الجيش، وكذلك رغم تولي الحكومة الجديدة مقاليد الحكم في إقليمي برقة وفزان.

ويرى مراقبون أن حكومة الدبيبة التي جاءت بها البعثة الأممية في ظروف أحاطت بها مؤشرات الرشاوى والمحسوبية والتلاعب بأصوات أعضاء ملتقى الحوار بيعا وشراء، تحولت إلى حجر عثرة في طريق السلام في ليبيا، وانقلبت إلى معول لهدم كل ما يتصل بتطلعات الشعب الليبي إلى الأمن والاستقرار، ولذلك سعت انطلاقا من خطط يعدّها خبراء متخصصون في البحث عن كل ما يمكن أن يعرقل مشروع إعادة توحيد مؤسسات الدولة وما يكرّس حالة الشقاق بين أبناء الوطن الواحد، وما يهدف إلى استفزاز بعض القوى الفاعلة ومنها قيادة الجيش.

رئيس مؤقت للدولة

السيناريو الثاني هو ما تم تسريب معلومات عنه قبل أيام، ويتمثل في وجود خطة غربية لتعيين رئيس مؤقت للبلاد لمدة عامين، أي بالتخلي عن المجالس الرئاسية التي عرفتها ليبيا منذ إعلان اتفاق الصخيرات في ديسمبر 2015 سواء من خلال فريق فائز السراج أو فريق محمد المنفي الحالي الذي يتكون كذلك من مساعديه عبدالله اللافي وموسى الكوني.

وحسب ما تم تسريبه، فإن هناك خطة لتنصيب القاضي البارز في مدينة مصراتة المستشار إبراهيم دغدنة رئيسا مؤقتا للبلاد، وقد تم عقد اجتماعات سرية بينه وبين مسؤولين أميركيين في تونس وقبرص، وذلك تمهيدا للمرحلة القادمة ولاسيما أن خارطة الطريق المعتمدة حاليا والتي أقرها ملتقى الحوار السياسي المنعقد بجنيف في ديسمبر 2020 ينتهي أجلها في يونيو القادم، كما أن أيّ حديث عن إمكانية تنظيم انتخابات رئاسية بات مستبعدا خلال الأشهر القادمة.

ووفق التسريبات ذاتها، فإن الخطة تقضي أولا بالدفع بالقاضي دغدنة إلى رئاسة المجلس الأعلى للقضاء لينتقل من هناك إلى رئاسة الدولة مؤقتا كما يتم تعطيل بقية المجالس (النواب – الدولة)، وتشكيل حكومة جديدة لقيادة مرحلة انتقالية أخرى بالاعتماد على المراسيم الدستورية ومن دون الخضوع لمزايدات المجالس التشريعية ومساوماتها.

ودغدنة، وهو عضو سابق بالمجلس الأعلى للقضاء ومندوب ليبيا السابق لدى جامعة الدول العربية عمل مستشارا بمحكمة الاستثمار العربية التابعة لجامعة الدول العربية في الفترة من 2010 إلى 2015، ويعتبر من الشخصيات القريبة من واشنطن وعليه نسبة مهمة من التوافق بين العواصم الغربية، ويحظى حاليا بحراسات خاصة أمام منزله بمدينة مصراتة وحتى أثناء تنقلاته.

لكن هذه الخطة تحتاج إلى توافقات داخلية بين القوى الفاعلة في مدينة مصراتة وعلى مستوى ليبيا، وقد حاول المفتي المعزول من قبل البرلمان والمعتمد من قبل الحكومة الصادق الغرياني أن يلمّح لهذا السيناريو بقوله إن البعثة الأممية تلوّح حالياً بتسليم الحكم إلى المحكمة العليا لتتم إجراء الانتخابات، وأضاف أنهم ”يريدون أن يدخلوا البلد في مرحلة انتقالية جديدة، لأنهم لا يعيشون إلا على المراحل الانتقالية، وهذا المقترح لتمكين المحكمة العليا هو باب من أبواب التمديد والخداع التي عودتنا عليها هذه الهيئات الدولية، إلا أنه في هذه المرة بإدخال المحكمة العليا يستنسخون لنا التجربة المصرية لينصّبوا علينا حاكماً عسكريا”، مردفا ”ولذلك فإني أدعو كافة القوات الفاعلة والقوات الحيوية في الميادين والساحات أن ترفض هذا بشدة جملة وتفصيلا“.

وقد صرّح الغرياني بتلك الكلمات في حضور الدبيبة بمناسبة حفل استقبال شهر رمضان، وهو ما يرجح أن يكون الدبيبة هو من نقل إليه تلك المعطيات التي يعتبر من المطلعين عليها عن قرب، للعديد من الأسباب منها أن أطرافا غربية طرحت عليه الخطة بالفعل، وكذلك باعتبار المستشار المقترح جاره في ذات الشارع في مصراتة.

عودة الملكية

أما السيناريو الثالث، فهو العمل على تكريس فكرة العودة إلى ما قبل 70 عاما من خلال إقناع الليبيين باستعادة النظام الملكي، وهو ما تم الكشف عنه مؤخرا من قبل اللورد عامر سارفراز، عضو مجلس اللوردات في بريطانيا الذي أبرز من مقال نشرته جريدة “أوراسيا ريفيو”، أنه حضر أسبوعين إطلاق الورقة البحثية الأساسية من قبل منتدى كامبريدج للشرق الأوسط وشمال أفريقيا، حول مشروع “الخطة ب لليبيا ديمقراطية؟ تقدم استعادة دستور عام 1951 والنظام الملكي الدستوري” كبصيص أمل لليبيا ديمقراطية.

وقبل ذلك، كان شلومو جيسن، الرئيس والمؤسس المشارك لمنتدى كامبردج للشرق الأوسط وشمال أفريقيا بلندن، رأى في مقال نشره موقع “ناشونال إنترست” الأميركي أن النظام الملكي الدستوري سيكون المنقذ لليبيا من الفوضى التي تعيشها حاليا، مشيرا إلى أن الملك المحتمل لا خلاف عليه، وأضاف أن الدستور الليبي لعام 1951 قدم حريات سياسية واجتماعية واسعة لشعبه، وكان النظام البرلماني قائما على حق الاقتراع العام للبالغين، في وقت لم تسمح فيه سويسرا، تلك المنارة الليبرالية في قلب أوروبا، للنساء بالتصويت في الانتخابات الفيدرالية.

ويبدو من خلال ما يتردد في الغرب أن واشنطن ولندن بالذات، أدركتا أنه من الصعب التوصل إلى حل سياسي شامل في ظل التجاذبات الاجتماعية والمناطقية والقبلية والصراع على السلطة والثروة وفشل الأحزاب السياسية، وعجز النخب عن تقديم بدائل جامعة لليبيين، وهو ما يطرح ضرورة البحث عن رمزية تاريخية يتم استحضارها من لحظات التأسيس لتمثل غطاء لشرعية الدولة بما يساعد على تجاوز حالة الفوضى بضمان تحقيق ديمقراطية دستورية ترضي مختلف الأطراف.

السيناريو الرابع، دعا إليه 21 من المترشحين للانتخابات الرئاسية الليبية، ويتمثل في إعلان حالة الطوارئ، بعد منح كل من مجلسي النواب والأعلى للدولة مهلة 30 يوما من أجل التوافق على اختيار حكومة انتخابات مصغرة لإدارة شؤون البلاد خلال ستة أشهر.

ووجه أصحاب المقترح بيانا إلى رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي، أشاروا فيه إلى أنه في حال أخفق المجلسان ”في الوصول إلى التوافق المنشود. يتم إعلان حالة الطوارئ بما لا يخل بمراعاة ضمان الحق في التعبير وحرية التنقل وممارسة الحريات العامة أو ما في حكمها لمدة ستة أشهر، أو إلى حين الانتهاء من الاستحقاق الانتخابي بشقيه التشريعي والرئاسي – أيّ الأجلين أقرب“.

كما دعوا المجلس الرئاسي إلى اعتبار مجلسي النواب والدولة ”في إجازة تشريعية تمتد إلى حين انتخاب مجلس النواب الجديد. مع اختيار حكومة انتخابات مصغرة إلى حين الانتهاء من الاستحقاق الانتخابي بشقيه التشريعي والرئاسي على أن يتولى المجلس الرئاسي السلطات كافة خلال حالة الطوارئ مع عدم المساس باستقلال السلطة القضائية“، مشددين على ضرورة التدخل لمعالجة الانسداد السياسي الراهن الذي بات يهدد وحدة البلاد.

ودعا الموقعون على البيان رئيس وأعضاء المجلس الرئاسي “للاضطلاع بمسؤولياتهم المنصوص عليها في الإعلان الدستوري والاتفاق السياسي الموقع في الصخيرات والاتفاق السياسي الليبي. والتعامل مع حالة الانسداد السياسي باللجوء إلى مقتضيات حالة الضرورة لمعالجة الأوضاع التي تهدد الأمن الوطني ووحدة البلاد والاستقرار”، مشيرين إلى أن ”تقرير الجمعية العمومية للمحكمة العليا بوقف عمل الدائرة الدستورية، وهي الجهة الوحيدة التي أوكل إليها المشرع مهمة الفصل في مشروعية القوانين والفصل بين السلطات، وهو ما يؤكد توفر حالة الضرورة.

 

مركز الناطور للدراسات والأبحاث  Facebook

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى