أقلام وأراء

الحبيب الأسود: حتى لا يغيب درس ويليامز عن ذهن باتيلي

الحبيب الأسود 10-11-2022م: حتى لا يغيب درس ويليامز عن ذهن باتيلي

سيكون على المبعوث الأممي الجديد إلى ليبيا عبدالله باتيلي أن يجيد السير فوق حبال الأزمة المتفاقمة منذ 11 عاما، والتي تمتد بين الداخل والخارج، وبين الشرق والغرب، وبين القوى المتصارعة على الوصول إلى الحكم أو على البقاء فيه، وهي التي تحرّك خيوط اللعبة في وضعية تكاد تكون مأساة في صورة ملهاة أو ملهاة في صورة مأساة.

قد تكون ستيفاني ويليامز الدبلوماسية الأميركية المخضرمة التي أدارت الملف الليبي وهي مساعدة للمبعوث الأممي، ثم قائمة بأعماله، فمستشارة للأمين العام للأمم المتحدة مكلفة بالملف، من أكثر الشخصيات العالمية التي اطّلعت على تفاصيل ما يدور في المشهد السياسي داخل ليبيا وأبعاده الاقتصادية والاجتماعية والثقافية وحتى النفسية، وعلى التداخلات الإقليمية والدولية المؤثرة فيه، وقد تكون اطّلعت على الكثير من التفاصيل والجزئيات التي لم تتعرض إليها في مقابلاتها ومقالاتها الصحافية، ولكن الثابت أنها كانت في كل مناسبة تفضح بعض صفات الفرقاء السياسيين وتصرفاتهم ونواياهم ممن لا يهتمون لأحوال البلاد والشعب، ولسيادة الدولة وموقعها في الإقليم والعالم، ولا يفكرون إلا في مصالحهم وفي ما يحصلون عليه من مكاسب خاصة.

عندما تحدثت ويليامز عن ديناصورات السياسة في ليبيا كانت تقصد مجلس الدولة المكون من فلول المؤتمر الوطني العام المنتخب في يوليو 2012 والتي أعيد تدويرها وفق اتفاق الصخيرات المبرم في ديسمبر 2015، وهو ما يعني أن أعضاء هذا المجلس منتخبون منذ أكثر من عشر سنوات، ولا يزالون جاثمين على صدور الليبيين، ونفس الشيء بالنسبة إلى مجلس النواب الذي تم انتخابه في يونيو 2014 وأصيب بالترهل السياسي والتشريعي وعرف الانقسام والتشتت، ولا يزال بعد أكثر من ثماني سنوات متشبثا بشرعيته الوهمية التي جرى العبث بها على أكثر من صعيد، ولم يتم أخذها في الاعتبار إلا في سياقات التقسيم الجهوي والمناطقي وتأجيل الحل إلى حين حسم تقاسم النفوذ من القوى الكبرى المتنافسة.

يتعامل عقيلة صالح مع الوضع العام كشيخ قبيلة يحب الثرثرة في مجالسه بين القبة وطبرق، وهو وإن كانت الصدفة قد قادته إلى منصبه إلا أنه يعاني من تضخم الأنا بما يدفعه نحو أمل الوصول إلى كرسي الرئاسة، وقد ترشح لذلك في ملتقى الحوار السياسي ثم في الاستحقاق الرئاسي الذي كان مقررا للرابع والعشرين من ديسمبر 2021، وهو واضح في تمسكه بأحد الخيارين، فإما الوصول إلى رئاسة البلاد أو التمسك برئاسة البرلمان إلى أن يقضي الله أمرا كان مفعولا.

ومن جانبه، يتقدم خالد المشري إلى واجهة الأحداث كفاعل أساسي بمرجعيته الإخوانية التي يدافع عنها كزعيم عقائدي، وبمرجعيته الجهوية التي يستفيد منها في تكريس دوره ودعم مواقفه، حيث أنه يبدو كأبرز وجه سياسي يتحدر من الزاوية، ثالث مدن غرب البلاد بعد طرابلس ومصراتة، وإلى جانب ذلك، يبدو كواحد من صقور فبراير الذين يرون أن الصراع على السلطة مستمر إلى حين الإقصاء الفعلي لمن يُنعتون برموز الثورة المضادة أي الذين يختلفون سياسيا وفكريا مع الإخوان ومجمّع ألوان طيف الإسلام السياسي، وهو في الأثناء ممسك بمطرقة رئيس مجلس الدولة الاستشاري، ومطمئن على نصيبه من الغنيمة.

وقد أشارت ويليامز في مقال لها نشره معهد “بروكينغز” الأميركي للدراسات، إلى “تدني شعبية أعضاء مجلسي النواب والدولة وتدني الاحترام لهما من قبل معظم الليبيين، ولذلك فهم لا يريدون انتخابات، خاصًة أنه من غير المحتمل إعادة انتخابهم”، وقالت إن “أعضاء المجلسين لا يرغبون في إنتاج انتخابات من شأنها أن تحرمهم على الأرجح من مقاعدهم والحصول على رواتب مجزية ومزايا وثمار المحسوبية”، واستشهدت في ذلك بما أكده لها أحد أعضاء مجلس النواب من أنه يرغب وبجدية كاملة في أن يستمر المجلس لمدة 20 عامَا، أي يبقى حتى العام 2034، وذلك على غرار ما حدث سابقًا في لبنان خلال الحرب الأهلية.

ولعل باتيلي اطّلع على ما بيّنته ويليامز في مقالها من أن تعثّر التقدم المحرز في جنيف سببه انحدار النخبة الحاكمة في ليبيا مرة أخرى إلى المشاحنات حول مطالبهم الضحلة للسيطرة على مؤسسات الدولة بعد عام 2011، وتأكيدها على أنه من الصعب الاعتماد على الطبقة الحاكمة الليبية ما بعد 2011 لتفكيك شبكة الجماعات المسلحة، ووصفها حكام ليبيا الحاليين بـ”الشبكة الأمنية والسياسية والاقتصادية من المراوغين والانتهازيين” الذين يعطون الأولوية لعقد صفقات خاصة تضمن انتقالهم في السلطة فوق مصلحة البلد، حيث أن “الفاعلين السياسيين الليبيين يميلون إلى تبادل إطلاق النار خلال النهار ويتواطؤون بالليل مع الاستمرار في تجميع مغانم كبيرة على حساب مواطنيهم المستبعدين، ولاسيما في المناطق النائية الجنوبية الشاسعة”.

هذه النعوت التي أطلقتها الدبلوماسية الأميركية والموظفة الأممية السابقة على النخب السياسية الليبية هي غيض من فيض مواقفها مما عرفته وتابعته وشاهدته عن قرب وسجّلته في ذاكرتها وفي مذكراتها، وكذلك من مواقف الدبلوماسيين الغربيين الذين تعاملوا مع الفاعلين السياسيين في ليبيا وعاشوا على وقع الكوميديا السوداء التي لا تزال فصولها متواصلة إلى اليوم وقد تستمر طويلا طالما أن النفط يجد طريقه إلى التصدير والأموال تعود بسرعة إلى الخزينة ليتم توزيعها على أباطرة الفساد ممن يتخذون من السياسة سبيلا إلى غاياتهم ويتحالفون على ذلك مع أمراء الحرب وقادة الميليشيات الذين تحولوا إلى صانعين للحكام في طرابلس.

وفي ظل هذا الوضع، لا أحد يتحدث عن الديمقراطية في ليبيا إلا كخيار يخضع لشروط المستفيدين منها، والمجتمع الدولي لا يختلف في ذلك عن ورثة السلطة بعد 2011، ولعل ما قالته ويليامز يفضح ما كان يدور وراء الستار، حيث لمّحت إلى أن السبب الرئيس لإلغاء انتخابات ديسمبر 2021 هو ترشح سيف الإسلام القذافي، ووجود مخاوف حقيقية من أن يفوز بكرسي الرئاسة بما يعيد إلى البلاد شبح والده، أي أن الخيار الديمقراطي في ليبيا لا بد أن يرتبط بتسليم السلطة إلى من يضمن مصالح القوى الداخلية المرتبطة بتحالف الأطماع الدولية دون غيرها، أما مبدأ الاختيار الشعبي فلا تجوز ترجمته إلا وفق حسابات القائمين على تكريس مسخرة وهْم المسار الديمقراطي.

ومن الطبيعي أن ينتبه باتيلي إلى هذه المسألة، لاسيما وأنه قادم من عمق القارة السمراء، وهو في جانب كبير من مهمته يعبّر عن موقف الاتحاد الأفريقي الذي يطمح إلى إرساء حل سياسي ليبي على أساس المصالحة الوطنية الشاملة وطيّ صفحة الماضي، وعدم إقصاء أيّ طرف سياسي سابق أو لاحق من حقه في المنافسة على إدارة الشأن العام لبلاده.

كما أن المبعوث الأممي، يمكن أن يفهم الكثير مما وصفت به ويليامز رئيس حكومة الأمر الواقع في طرابلس من سوء النية، وهي التي كان لها دور واضح في المجيء به إلى منصبه، وفي التغطية على مظاهر الفساد في ملتقى الحوار سواء في تونس أو في جنيف وإخفاء تفاصيل التقرير الذي أعده خبراء مستقلون لكي لا يؤثر على المسار السياسي الذي قادته الأمم المتحدة بمنتهى الفشل.

يجد باتيلي اليوم نفسه أمام أمراء الطوائف في ليبيا، ولكل منهم سلطته وسطوته ومصلحته وجماعته وقوته التي يتحصن بها، وإذا كانت البلاد قد عرفت أكبر ظاهرة للفساد وحركة لهدر المال العام خلال السنوات الماضية، فلأن هناك من يتفقون ضمنيا على تقاسم الغنيمة حتى وإن بدوا متصارعين سياسيا أو عقائديا أو منقسمين اجتماعيا أو جغرافيا، وهم مستعدون لإبقاء الوضع على ما هو عليه لسنوات أخرى، ولاسيما أن المجتمع الدولي لا يستعجل الحل وليس على استعداد للتدخل المباشر لحل الميليشيات وجمع السلاح وملاحقة المجرمين والقتلة وتتبع الفاسدين ونهّابي ثروة الليبيين.

لقد أعطت ويليامز نبذة مهمة عن المشهد السياسي العام في ليبيا، ويمكن لباتيلي أن يستفيد منها في مهمته التي أعتقد أنها ستكون صعبة، وأنها ستضطره للسير على حبال توازنات مفقودة في الواقع، وللتعامل مع شخصيات آخر ما يمكن أن يهمها هو مصلحة ليبيا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى