أقلام وأراء

الحبيب الأسود – الدبيبة في جلباب الغرياني

الحبيب الأسود ٥-٤-٢٠٢٢

لم يترك المهندس عبدالحميد الدبيبة جدارا إلا واتكأ عليه في مسارات معركته الطاحنة من أجل البقاء في مكتبه بديوان الحكومة في طريق السكة، فالمسألة بالنسبة إليه مصيرية وهي قضية حياة أو موت، وحتى الجدال حولها غير مقبول، ولديه قناعة راسخة بأن جاء ليستمر في الحكم مدة طويلة، ويوم تقدم بملفه إلى ملتقى الحوار السياسي بتونس ثم جنيف، وفتح جسور تواصل مع الأعضاء بخلفية المصالح المتبادلة، كان ومن يقفون وراءه وإلى جانبه، قد استسهلوا الوصول إلى الحكم، واتجهوا للتخطيط العملي للسيطرة على الحكم ومفاتيح الثروة، ولاسيما أنه يمثل طبقة أثرياء القروض المصرفية في العهد السابق والاعتمادات والمضاربة وصفقات الحرب منذ العام 2011، وأصحاب الاستثمارات الواسعة في الخارج ممن يهدفون إلى تثبيت مراكزهم المالية والاقتصادية من خلال الهيمنة على مساحات النفوذ في واحدة من أثرى دول العالم بالنفط والغاز والمعادن.

استقبل المهندس الدبيبة شهر رمضان، من دار الإفتاء، ليعطي طموحاته السياسية وصراعه على السلطة طابعا دينيا سلفيا على منهج الإخوان، وبما يتماشى مع التوجهات الفكرية والعقائدية للإخواني السروري المقرب من تنظيم القاعدة الصادق الغرياني عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، والقادم من تركيا حيث يقيم أغلب الوقت ومنها يدير ابنه سهيل شبكة “التناصح” وهي إحدى منصات التشدد والدفاع عن الإرهاب. وقد كان لها دور بارز في سفك دماء الليبيين، وتم تصنيفها ضمن الكيانات الإرهابية من قبل التحالف الرباعي (السعودية والإمارات والبحرين ومصر) ومجلس النواب الليبي، ولا يزال الغرياني يظهر من خلال شاشة قناتها التلفزيونية في مواعيد أسبوعية ليبث المزيد من السموم في الترويج لثقافة التكفير والتفجير ليس في بلاده فقط وإنما في المنطقة ككل.

خلال ذلك اللقاء، أكد الدبيبة على ما كان سابقوه يتجنبونه، وهو صفة الغرياني كمفتٍ للديار الليبية باعتراف سلطات طرابلس دون غيرها، إذ أن مجلس النواب كان قد عزله من المنصب في نوفمبر 2014، لفتاواه التحريضية على سفك دماء الليبيين، ولكون الرجل لم يتوان عن تطويع الدين وسيلة لتحقيق أطماع تنظيم الإخوان في ليبيا، وإذا كان من شروط الإفتاء أن يكون القائم عليه يحظى بثقة واحترام مواطنيه، فإن الغرياني مرفوض من قبل الأغلبية الساحقة من الليبيين، وهو متهم بالتورط في التحريض على القتل والتهجير والتعذيب ونهب الأملاك العامة والخاصة بمنطق الغنيمة منذ العام 2011، وكان من مشرعني الهجوم على مدن وقرى وقبائل ليبية سواء بدعوى بقائها على الولاء للنظام السابق كما حدث مع بني وليد وسرت وورشفانة وبراك الشاطئ، أو بسبب رفضها للإخوان والميليشيات ومساندتها للجيش الوطني.

ويبدو أن الدبيبة بات يتبنى مواقف الغرياني ضمن سياقات المواجهة مع منافسه رئيس حكومة الاستقرار المنبثقة عن البرلمان والحلة على ثقة فتحي باشاغا، وهي مواقف كانت ولا تزال تعبر عن الحسابات السياسية الانتهازية لجماعة الإخوان وعن النزعة العنفية التكفيرية المتشددة للجماعة المقاتلة التي كانت منذ أوائل تسعينات القرن الماضي جناح تنظيم القاعدة في ليبيا، كما أنها ترى أن لا حل في ليبيا إلا باستمرار الحرب إلى حين القضاء على كل صاحب رأي مختلف ثم بتشكيل سلطة حاكمة على غرار النموذج الطالباني في أفغانستان.

وقد كان الدبيبة يتقرّب أكثر من الغرياني عندما اعتبره شيخه وأستاذه والعالم الجليل الذي يقتدي به، وزاد على ذلك بأنه شيخ المالكية في العالم، وهو أمر يبدو أقرب إلى المجاملات التي لا أساس لها من المنطق أو الحقيقة، ولكنه في ذات الوقت، يكشف عن مستويات الخطر الذي بات الدبيبة يمثله على بلاده وشعبه، فركونه إلى التطرف، وتمسكه بذيل جلباب أحد غلاة التشدد، وإسباغه شرعية سياسية على المفتي المثير للجدل والمعزول من قبل البرلمان المنتخب والمنبوذ من أغلب دول المنطقة، يؤكد أنه تحول إلى رئيس حكومة الانقسام لا الوحدة الوطنية، وأنه مستعد للتحالف مع الجماعات الإرهابية مقابل البقاء في السلطة، وأن لقاءاته السابقة مع بعض فلول مجالس شورى بنغازي ودرنة وإجدابيا وغيرها في مقاهي طرابلس لم تكن صدفة كما يعتقد البعض، وإنما تم التخطيط لها جيدا من قبل مساعديه في سياق التحالف الذي قام منذ عشر سنوات بين أباطرة الإرهاب ودواعش المال العام.

لقد وجه الغرياني انتقادات واضحة إلى مصر بحضور الدبيبة في سياق معارضته لأي حال سياسي يمكن أن يقرّب المسافات بين الليبيين ويؤدي إلى المصالحة الوطنية، وهو (أي الغرياني) معروف بعدائه الصريح لدول الاعتدال في المنطقة، ولا يكاد يعترف بأي نظام عربي ما عدا النظام القطري، والحقيقة أن عودته للنشاط الملحوظ في طرابلس بدأت منذ أشهر ليتصرف في دار الإفتاء وفق توجهاته المنبوذة من أغلب الليبيين، وهو يأتي في إطار انقلاب الدبيبة عن وعوده السابقة للداخل والخارج  بالتصدي للإرهاب، ونكوصه عن شعاراته الليبرالية التي كان يرفعها، واختياره التحالف مع الميليشيات والجماعات الإرهابية وأمراء الحرب ممن ولغوا في دماء الليبيين وخاصة من خلال منظومة فجر ليبيا التي كان الغرياني قائدها الروحي.

قد يقول البعض إن الدبيبة غير معروف عنه التطرف ولا الميول العنفية والتكفيرية ولا الارتباط بشخصية الغرياني من قريب أو بعيد، وأن تحركاته ومواقفه الأخيرة كانت بدافع البحث عن مساندة دار الإفتاء، وهذا كلام قريب من الحقيقة، لكنه يحمل في طياته الكثير من المخاطر، فمحاولة استعمال الدين إلى حد التظاهر بركوب صهوة التطرف يحمل نذر الاستعداد من قبل فريقه للعودة بالبلاد إلى مربع الفوضى والعنف والقتال.

أغلق الدبيبة باب الحوار مع مجلس النواب وقيادة الجيش وحكومة الاستقرار، ودخل في مواجهة معلنة مع أبناء شعبه بعد أن اختار أن يحتمي بجلباب من قال إنه شيخه وأستاذه، ويبدو أن مستشاريه المقربين ورطوه عندما أقنعوه بأن عليه السير في ركاب الغرياني لضمان ولاء الميليشيات المقربة منه في سوق الجمعة وتاجوراء والزاوية وغيرها، ولكنهم فتحوا عليه أبواب جهنم دون أن يدري، حيث تم تصنيفه في خانة داعمي التطرف في ليبيا، وفي صفّ المتآمرين على دول الاعتدال العربي، وتحول إلى عنصر تقسيم للبلاد وتمزيق للنسيج الاجتماعي، وإلى فاقد لروح المسؤولية السياسية والاجتماعية وللقدرة على أن يخطو أي خطوة مستقبلية في طريق المصالحة الوطنية وطي صفحة الماضي، وهو ما يمكن أن يستفيد منه باشاغا بصفته رئيسا للحكومة الشرعية، ومحل ثقة للبرلمان وأغلب الليبيين، وداعية للمصالحة وتوحيد ما تبقى من مؤسسات الدولة.

 

مركز الناطور للدراسات والأبحاث  Facebook

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى