أقلام وأراء

الحبيب الأسود – أيّ ملامح للحكومة الموريتانية الجديدة بعد غضب الرئيس

الحبيب الأسود ٢-٤-٢٠٢٢

بعد أن عبّر في العديد من المناسبات عن غضبه من أداء وزراء حكومته، اتجه الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني إلى إحداث تغييرات جذرية في التشكيل الوزاري أطاح من خلالها بعدد من الأسماء التي لم تنجح في القيام بمهامها على الوجه الأفضل، والتي سبق وأن وجّه إليها اتهامات مباشرة بالفشل.

ويرغب الرئيس الغزواني بتجيير قدرات الحكومة الجديدة لمواجهة التحديات التي تحاصر بلاده على كافة الصعد، ولاسيما بعد أن تحدث مؤخرا عن الأوضاع الصعبة التي تمر بها موريتانيا حيث “يواجه الشعب الموت جوعا والدولة فقيرة، وبعض الأماكن لا يجد سكانها مياهاً للشرب، كما أنهم يعيشون في الظلام، لأنهم دون كهرباء، وحتى في المدن التي توجد فيها خدمة الكهرباء فإنها تتقطع” وفق قوله.

ويرى محللون محليون أن ولد الغزواني يشعر بحجم الضغوط الاجتماعية والاقتصادية في ظل الأزمات المتلاحقة داخليا وخارجيا، ويدرك أن المرحلة القادمة قد تعرف صعوبات أشد وتحديات أكبر نتيجة الأوضاع الدولية التي تنذر بأزمة اقتصادية عابرة للحدود والقارات، مشيرين إلى أن الرئيس يبدو منذ توليه الحكم قبل ثلاث سنوات غير راض عن أداء وزرائه الذين يفترض أنهم يتولون مهامهم الرسمية تحت إدارته المباشرة.

 وكان ولد الغزواني بيّن أن حديثه “ليس سياسياً، ولا علاقة له بالانتخابات”، قبل أن يوضّح أنه كان بودّه أن تكون موريتانيا دولة غنية، لكن للأسف ذلك ليس هو الحقيقة، مع أن هناك آفاقاً لتغيير هذا الوضع، أي أنه ليس مقدراً لنا أن نبقى دولة فقيرة.

ورغم أنه وعد منذ مجيئه إلى الحكم في صيف 2019 بأن هدفه هو القضاء على الفقر، إلا أن لا شيء تغير في حياة الأغلبية الساحقة من الموريتانيين، فوفق معطيات رسمية، يعيش 31 في المئة من سكان موريتانيا البالغ عددهم 4 ملايين نسمة تحت خط الفقر.

وفي العديد من المناسبات، كرّر الرئيس الموريتاني توجيه الانتقادات اللاذعة إلى وزراء حكومته، وهو ما دفع بالوزير الأول المهندس محمد ولد بلال إلى تقديم استقالته قبل أن يتم تكليفه من جديد بذات المنصب، وبعد يومين أعلن عن تشكيلة الحكومة الجديدة التي شهدت بصمات واضحة للرئيس وتمثّلت في تعيين عدد من الشخصيات المقربّة منه في مناصب ذات أهمية استثنائية خلال هذه المرحلة.

فوزير الداخلية الجديد محمد أحمد ولد محمد الأمين، قادم من ديوان الرئاسة، وهو من مواليد 1959 في بومديد بولاية لعصابة، وتمت تسميته بهذا الاسم تيمنا باسم والد الرئيس الموريتاني ولد الغزواني سليل إحدى أكبر المشايخ الصوفية في موريتانيا وهي الطريق الغظفية التي تمثل مزيجاً بين الطريقة القادرية والطريقة الشاذلية.

ويعدّ ولد محمد الأمين من أبرز المقربين من الرئيس ولد الغزواني، وهو متخرج من سلك الإداريين في المدرسة الوطنية للإدارة، وعمل حاكما في أكثر من مقاطعة قبل أن يعين أمينا عاما لبلدية نواكشوط في عهد العمدة الداه ولد الشيخ، كما عمل مستشارا فنيا لوزير الداخلية واللامركزية المرحوم لمرابط سيدي محمود ولد الشيخ أحمد قبل أن يختاره المجلس العسكري في الحكومة الانتقالية الأولى 2005 -2006 وزيرا للداخلية والمواصلات ثم انتقل إلى الخارجية حيث عين سفيرا في تركيا التي أنشأ فيها السفارة الموريتانية هناك وقضى فيها ثماني سنوات قبل أن يعين في نهاية 2018 سفيرا في باماكو.

وخلال رئاسيات يونيو 2019 كان أبرز المرافقين للمترشح ولد الغزواني ليتولى بعد ذلك منصب مدير الديوان الرئاسي، وهو ما يعني مدى الثقة التي يحظى بها من قبل الرئيس، وما تعيينه وزيرا للداخلية في هذه المرحلة بالذات إلا إشارة مهمة إلى حجم المسؤولية الملقاة على عاتقه في ظل جملة التحولات المهمة داخليا وخارجيا.

وأما وزير الخارجية والتعاون والموريتانيين في الخارج الجديد محمد سالم ولد مرزوك، فقد جاء من منصب وزير الداخلية و اللامركزية، وهو حائز على دكتوراه في الجيوفيزياء عام 1987، وأكاديمي وباحث بجامعة نواكشوط، وسبق أن تولى خلال التسعينات من القرن الماضي إدارة حقائب التجهيز والنقل والمياه والطاقة والعدل والصحة والشؤون الاجتماعية وشغل منصب مستشار برئاسة الجمهورية مكلف بالقطاع الريفي، وشغل مهمة المفوض السامي لمنظمة استثمار نهر السنغال ومهمة الرئيس العالمي للشبكة الدولية لمنظمات الأحواض ومهمة المستشار الدبلوماسي لرئيس الجمهورية السابق محمد ولد عبدالعزيز.

ويعتبر ولد مرزوك من الشخصيات السياسية المخضرمة في إدارة الشأن العام بالبلاد، وقد استطاع أن يحافظ على حضوره في مراكز القرار خلال العديد من المراحل السياسية منذ الرئيس الأسبق معاوية ولد سيدي أحمد الطايع.

أما بقية الوزراء، فهم وزير المالية إسلم محمد أمبادي المفتش بالوزارة ذاتها، والذي سبق له أن تولى منصب المدير العام لإدارة الضرائب، ووزير الوظيفة العمومية والعمل محمد عبدالله عثمان، القادم بدوره من إدارة التقييس وترقية الجودة في وزارة التجارة، ووزير التحول الرقمي الشيخ الكبير مولاي الطاهر الذي كان محافظا للبنك المركزي الموريتاني، وشغل قبل ذلك مناصب أخرى منها منصب وزير الشؤون الاقتصادية والصناعة ووزير التشغيل والدمج والتكوين المهني.

وتضم الحكومة الجديدة كذلك محمد ولد عابدين ولد أمعييف وزيرا  للصيد والاقتصاد البحري، ومحمد ولد أسويدات وزيرا للتنمية الحيوانية بعد أن كان أمينا عاما لوزارة الثقافة والشباب والرياضة والعلاقات مع البرلمان، وآدام بوكار سوكو وزيرا للزراعة بعد أن تولى منصب وزير أمين عام لرئاسة الجمهورية، وأشرف قبل ذلك على حقيبة التعليم الأساسي.

كما تضم الحكومة الجديدة ولد اليدالي وزيرا للتجهيز والنقل، وسيدي محمد ولد الطالب أعمر الذي يتولى رئاسة حزب الاتحاد من أجل الجمهورية الحاكم وزيرا للمياه والصرف الصحي، ومحمد الأمين آبي الشيخ الحضرامي القادم من منصب مكلف بمهمة في مؤسسة الرئاسة وزيرا للتعليم العالي والبحث العلمي، وختار ولد الشيباني وزيرا للثقافة والشباب والرياضة والعلاقات مع البرلمان.

وآلت أربع حقائب وزارية في الحكومة الجديدة إلى نساء، إذ تم تعيين صفية بنت انتهاه في منصب وزيرة العمل الاجتماعي والطفولة والأسرة، خلفا للناها بنت هارون ولد الشيخ سيديا.

وتم تعيين آيساتا داوودا جالو وزيرة البيئة والتنمية المستدامة، وزينب أحمدناه في منصب الوزير الأمين العام للحكومة، ولاليا كمرا وزيرة التشغيل والتكوين المهني.

وأبرز الوزير الأمين العام لرئاسة الجمهورية يحيى ولد أحمد الوقف أن الحكومة الجديدة تأتي في “ظرفية استثنائية يمر بها العالم”، في إشارة إلى تداعيات جائحة كورونا والحرب الروسية في أوكرانيا، وما يصاحبها من ارتفاع في أسعار المواد الغذائية والمحروقات.

وأضاف أنه في هذه الظرفية فإن ولد الغزواني حرص على “الرفع من فعالية الأداء الحكومي عمومًا، وخاصة فيما يتعلق منه بتحسين ظروف المواطنين” ، كما شدد على “إصلاح الإدارة وتحسين جودة الخدمات”، وذلك من خلال التركيز على “مستوى شموليتها وتقريبها من المواطن”، مؤكدا أن الهدف من ذلك هو تمكين المواطن من “إجراء كافة معاملاته واستيفاء كل حقوقه بيسر وسلامة وكرامة، تكريسا لأولوية وتقدم المواطنة على سائر ما سواها من الاعتبارات الأخرى”.

ويأتي الفريق الحكومي الجديد من أجل “ضخ نفس جديد في الجهاز الحكومي للرفع من ديناميكيته من حيث السرعة والجودة في تنفيذ ما ترجم إليه برنامج تعهداتي من سياسات عمومية وبرامج تنموية”، و من أجل “تعزيز مشاركة الشباب في صنع القرار وفي تدبير الشأن العام”.

وقال منتدى أوكار للتنمية والثقافة والإعلام إن التشكيلة الوزارية الجديدة بقيادة المهندس محمد ولد بلال مسعود، حملت بوادر تحول جذري  في نظرة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني للأوضاع السياسية والاقتصادية بالبلد، وسعيه الحثيث لضبط الأمور وتعزيز الشفافية والحكم الرشيد، وهي أمور حملها الرجل وشغلت باله منذ انتخابه رئيسا للجمهورية.

وأبرز المنتدى في بيان الجمعة أن حجم التغيير الذي طال تشكيلة الحكومة ونوعية الأفراد القادمين إليها وآلية الاختيار، كلها أمور تبعث على الطمأنينة وتعزز منسوب الأمل لدى النخبة وتقطع الطريق أمام دعاة التثبيط والإرباك الذين يحاولون قلب الحقائق على أرض الواقع، وإلهاء الرئيس والحكومة بالحوارات الجانبية، والقضايا الهامشية، والتشاور غير المقيد بآجال زمنية.

واعتبر أن عودة الأمر إلى أهل الاختصاص والخبرة والتجربة كان المعيار الذى حكم مجمل الملفات ناهيك عن إعطاء دفع جديد وراحة لمؤسسة الرئاسة بتعزيز معاوني الرئيس برجل ثقة وصاحب خبرة وتجربة، وله علاقات وازنة كالوزير الأول السابق يحي ولد أحمد الوقف.

وبحسب مراقبين فإن الحكومة الجديدة وإن كانت تعتمد بالأساس على الكفاءات الوطنية “التكنوقراط”، إلا أنها لن تستطيع الإفلات من الضغوط السياسية التي تواجهها.

ويرى المحلل السياسي أحمد ولد مولاي امحمد أن الرئيس ولد الغزواني “وهو الغاضب المحبط من أداء أكثر الشخصيات التي منحها كامل الثقة وكامل الصلاحيات والموارد، يدرك اليوم، أكثر من أيّ وقت مضى، أن الجمهورية الإسلامية الموريتانية يجب أن تكون بالفعل دولة قانون ومؤسسات وليست دولة لوبيات ونفاق وتملق وتدليس وكذب على المواطن وخديعة للحاكم على طريقة بعض الأنظمة السابقة، لذلك فإن الرئيس لم يكن في معرض تمثيل للرجل الغاضب، بل كان غاضبا بالفعل وما يزال”.

وتابع “أتوقع شخصيا تغييرات جذرية وغير مسبوقة، بل ومحاكمات للمفسدين من أعضاء الحكومة الحالية وكبار المسؤولين الذين نهبوا ثروات الوطن وحولوا قطاعاتهم إلى إقطاعيات خاصة، بفعل ثقة رئيس الجمهورية فيهم ومنحهم كامل الصلاحية في الإدارة والتسيير، وهي مسؤولية سيجد الرئيس نفسه ملزما بتحمل تبعاتها عبر محاكمة هؤلاء بتهم الفساد والتبديد وهو ما ستشهده الأيام والأسابيع القادمة، إن كانت غضبة الحليم ما تزال على حالها وكان الرئيس جادا بالفعل في بناء دولة قانون ومؤسسات حقيقية”.

 

مركز الناطور للدراسات والأبحاث  Facebook

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى