الجمهوريون لن يكسبوا شيئاً من مهاجمة أوباما في الملف السوري - مركز الناطور للدراسات والأبحاث
Take a fresh look at your lifestyle.

الجمهوريون لن يكسبوا شيئاً من مهاجمة أوباما في الملف السوري

0 128

James Mann – Bloomberg

الجريدة * قسم الترجمة * 17/6/2012

 بعد أقل من 48 ساعة من قرار الأمم المتحدة الخاص بليبيا، أُطلق أكثر من مئة صاروخ من طراز “توماهوك كروز” على مواقع تمتد على طول الساحل الليبي، فاستهدفت الصواريخ كل ما يمكن استعماله ضد الطائرات الحربية الحليفة فوق ليبيا.

ما العوامل التي تؤثر في قرار إدارة أوباما في ما يخص احتمال التدخل في سورية؟

لمعرفة ذلك، يكفي أن ننظر إلى القرار الذي اتخذه الرئيس باراك أوباما في السنة الماضية بشأن نشر قوة جوية أميركية فوق ليبيا، إذ يشمل ذلك القرار بعض الجوانب الحاسمة التي تطبع سياسة أوباما الخارجية. كذلك، يساعدنا ذلك القرار في تفسير سبب تردد الإدارة الأميركية في التحرك في سورية والسبب الذي سيصعّب على الجمهوريين (بغض النظر عمّا يحدث في سورية) مهاجمة سياسة أوباما الخارجية خلال هذه السنة الانتخابية.

في فترة ما بعد الظهر من يوم 15 مارس 2011، اجتمع أوباما مع أعضاء من مجلس الأمن القومي في البيت الأبيض. في ليبيا، كان العقيد معمر القذافي يوشك على ذبح المدنيين وقمع قوى المعارضة التي انتفضت في وجهه. كانت إدارة أوباما مضطرة لاتخاذ قرار عاجل حول صوابية إرسال الطائرات الحربية الأميركية فوق ليبيا لردع القذافي.

قبل أسبوعين على ذلك، كان الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي ورئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون يحثان أوباما على تنفيذ ذلك التحرك. لكن كانت حكومة أوباما منقسمة في ما بينها: عارض وزير الدفاع روبرت غيتس التحرك العسكري بينما أيدته وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون.

تجاوز خيار الحظر الجوي

أخذ أوباما المداولات في اتجاه جديد، فسأل الرئيس: “لماذا نركز على خيار الحظر الجوي؟ إن المفهوم الذي يفرض علينا أن ننشر بعض الطائرات في الجو لتحلّق فوق مجزرة معينة ليس منطقياً جداً. قد نشعر بالرضا على أنفسنا، وقد نشعر بأننا نقف على الجانب الصحيح من التاريخ، لكن لن يتوقف قتل الناس”.

استنتج أوباما أنه يريد خيارات إضافية وأعلن أنه سيدعو إلى انعقاد مجلس الأمن القومي مجدداً في وقت لاحق من تلك الأمسية للاستماع إلى خيارات أخرى عدا فرض الحظر الجوي غير الفاعل.

في تلك الليلة، عُرضت أمامه مجموعة من الخيارات العسكرية. كان أحدها ينص على عدم استعمال أي قوة أميركية على الإطلاق بل الاكتفاء بتوفير المعلومات الاستخبارية ومصادر دعم أخرى للقوات الفرنسية والبريطانية. كان الخيار الثاني يقضي بفرض منطقة حظر جوي، أما الخيار الثالث، فاقترح تجاوز خيار الحظر الجوي من خلال إرسال طائرات لاستهداف المواقع العسكرية الليبية ميدانياً بشكلٍ يضمن وقف التقدم نحو بنغازي.

اختار الرئيس في نهاية المطاف الحل العسكري الثالث، فأمر سفيرته إلى الأمم المتحدة سوزان رايس بالحصول على موافقة مجلس الأمن لإصدار قرار يسمح باتخاذ “جميع التدابير اللازمة” (في إشارةٍ إلى استعمال القوة العسكرية) لحماية المدنيين.

كان ما فعله أوباما بعد يومين أمراً لافتاً بالفعل، بعد أن وافق مجلس الأمن على الاقتراح الأميركي، استدعى كاميرون وساركوزي وتوصلوا معاً إلى ما سماه أعوانه “صفقة” فاعلة: ستستعمل الولايات المتحدة إمكاناتها العسكرية الفريدة من نوعها لتدمير الدفاعات الجوية الليبية والمواقع العسكرية الأخرى ميدانياً.

بعد بضعة أيام على ذلك، ستنسحب الولايات المتحدة وتترك المهمة بيد البريطانيين والفرنسيين والحلفاء الآخرين كي يتابعوا الحملة العسكرية، لكن ستحرص الولايات المتحدة على توفير المعلومات الاستخبارية والإشراف على الوضع وإجراء طلعات استطلاعية، أما المهمات الأخرى، فسيتولاها الآخرون.

بعد أقل من 48 ساعة، أُطلق أكثر من مئة صاروخ من طراز “توماهوك كروز” على مواقع تمتد على طول الساحل الليبي، فاستهدفت الصواريخ كل ما يمكن استعماله ضد الطائرات الحربية الحليفة فوق ليبيا. ثم استهدفت الطائرات الأميركية فوراً الدبابات، والمركبات المدرعة، والمدفعيات الثقيلة، ومدرعات وأسلحة أخرى. هكذا حُرمت قوات القذافي فجأةً من المعدات التي كانت تضمن تفوقها على المعارضة.

حروب ديمقراطية

لم تحصل أي مجزرة في بنغازي بل سيطر الثوار على المدينة، لكن كانت الحرب الأهلية قد بدأت لتوها. بعد الأيام الأولى، أصر أوباما على عدم إشراك القوات الأميركية في القتال، مع أن البريطانيين والفرنسيين دعوا الولايات المتحدة إلى الانضمام إلى الحملة الجوية مجدداً.

تُظهر قرارات أوباما في الشأن الليبي جانبين أساسيين من سياسته الخارجية؛ أولاً، لم يكن أوباما يخشى نشر القوات العسكرية الأميركية. بل إن تحركاته في البيت الأبيض نفت الاتهامات التي حاول الجمهوريون إلصاقها بالرؤساء والمرشحين الديمقراطيين للرئاسة طوال أربعة عقود، على اعتبار أن هؤلاء يعارضون استعمال القوة لأنهم ضعفاء. في ليبيا، قرر أوباما تنفيذ تحرك عسكري أقوى من التحرك الذي اقترحه حلفاء الولايات المتحدة. في أفغانستان، عمد إلى تعزيز الوجود العسكري الأميركي فأرسل أكثر من 50 ألف عنصر إضافي خلال سنته الأولى في الحكم. وفي ملف الحرب ضد “القاعدة”، ركز على استعمال الطائرات بلا طيار وتنفيذ العمليات الخاصة كتلك التي قتلت أسامة بن لادن.

كانت هذه القرارات كلها مفاجئة بالنسبة إلى عدد كبير من الديمقراطيين الذين اختاروا أوباما كمرشح عن الحزب الديمقراطي لأنه يعارض الحرب في العراق. بالنسبة إليهم، تبين أن أوباما لم يكن مرشح السلام الذي توقعوه.

لكن في الوقت نفسه، كانت تصرفات أوباما مربكة بالنسبة إلى الجمهوريين أيضاً لأنهم وجدوا صعوبة في الحفاظ على نهج واحد لمهاجمة الرئيس. خلال السنة الأولى من حكم أوباما، وصفه نائب الرئيس الأسبق ديك تشيني بالرجل ضعيف. خلال السنة الثانية من حكم أوباما، بدأ تشيني يعتبر أن الرئيس الديمقراطي يمثل امتداداً لعهد الرئيس جورج بوش الابن لأسباب عدة. في السنة الثالثة، بعد أن أدت عملية ناجحة بطائرات بلا طيار إلى قتل أنور العولقي في اليمن، أشاد تشيني بالعملية ولكنه دعا أوباما إلى الاعتذار لأنه اتهم فريق بوش بالمبالغة في ردة فعله بعد اعتداءات 11 سبتمبر. كذلك، حين كان المرشح نيوت غينغريتش يخوض حملته الانتخابية للترشح عن الحزب الجمهوري، انتقد أوباما في البداية لأنه فشل في فرض حظر جوي في ليبيا. لكن بعد أن قام أوباما بذلك وتجاوز حدود تلك الخطة، عاد غينغريتش وقال إن الرئيس ما كان يجب أن يتدخل أصلاً.

ثانياً، كشفت تجربة ليبيا عن جانب لافت آخر في سياسة أوباما الخارجية: أصر الرئيس على إعادة تنظيم الدور الأميركي في العالم بطريقةٍ تناسب موارد البلد التي أصبحت محدودة أكثر من السابق. لم يشارك أي رئيس آخر منذ الحرب العالمية الثانية في حملة عسكرية كتلك التي حصلت في ليبيا حيث ساهم أوباما في إطلاق العملية قبل أن يسلم المهمة إلى حلفائه خلال الأشهر الستة اللاحقة. طوال سنوات، كان السياسيون الأميركيون يتحدثون عن أهمية “تقاسم الأعباء” مع الحلفاء. كان ذلك يعني الطلب من الدول الأخرى أن تساهم في دفع تكاليف العمليات التي تقودها الولايات المتحدة. لقد طبق أوباما ذلك المفهوم وتجاوزه بمراحل.

اختلاف الوضع السوري

خلال الأشهر الأخيرة، دخلت الإدارة الأميركية في نقاش حول صوابية التدخل في سورية واستنتجت أن الاختلافات بين الوضعين السوري والليبي تتفوق على نقاط الشبه بينهما.

في المقام الأول، بدت جميع الخيارات العسكرية في سورية أقل فاعلية من تلك التي طُرحت بشأن ليبيا؛ كانت أجزاء مهمة من الأراضي الليبية تقع خارج سيطرة الحكومة، وكان جيش القذافي منفصلاً عن قوات الثوار، ما يعني أن العملية العسكرية كانت ستحمي قوات المعارضة من الجو وتوقف تقدم الجيش الليبي نحو بنغازي. في المقابل، ما من فصل واضح في سورية بين المناطق التي تسيطر عليها قوى الأمن من جهة والمعارضة من جهة أخرى.

في ما يخص ليبيا كان مجلس الأمن، بتشجيعٍ من فرنسا وبريطانيا، يتجه إلى إقرار نوع من التحرك ضد القذافي قبل أن يقرر أوباما التدخل. لكن في الملف السوري، أعاق الروس والصينيون تمرير أي قرار مماثل في مجلس الأمن.

تطبق إدارة أوباما جزءاً من المقاربات السياسية والدبلوماسية نفسها في سورية كتلك التي طبقتها في ليبيا، كما أنها تتعاون مع عدد من الشركاء أنفسهم لتنسيق العقوبات الاقتصادية ضد النظام ودعم المعارضة. تحث الإدارة الأميركية المعارضة السورية بشكل متكرر على توحيد صفوفها كما فعلت مع المعارضة الليبية.

لكن في الشأن السوري، قررت الإدارة (حتى الآن على الأقل) أن التدخل العسكري ليس خياراً مطروحاً، فهي لا تريد أن تصبح جزءاً من حرب أهلية فوضوية ودموية (تحديداً خلال هذه السنة الانتخابية). يحاول الجمهوريون مجدداً اتخاذ قرار بشأن الجانب الذي يجب انتقاده في سياسة أوباما: هل يجب انتقاده لأنه نفذ عملية عسكرية لأسباب إنسانية في ليبيا أم لأنه لم ينفذ عملية مماثلة في سورية؟

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.