الجليل؛ رؤية للتطوير الاستراتيجي؟!! - مركز الناطور للدراسات والأبحاث
Take a fresh look at your lifestyle.

الجليل؛ رؤية للتطوير الاستراتيجي؟!!

0 194

 في أحدى الأوراق الدراسية التي قدمت للنقاش في مؤتمر هرتسليا الثاني عشر (ميزان المناعة والأمن القومي) تحت عنوان “الجليل؛ الأدوات والأولويات للتنمية والتطوير”، وفي تلك الورقة يجري نقاش حول الوضع الراهن للجليل والحاجة الماسة له ،والحث على الاهتمام بمنطقة الجليل لكونه إقليما حيويا واستراتيجيا مهما للأمن والاقتصاد القومي الإسرائيلي، فتشير الوثيقة إلى هامشية الجليل مقارنة مع مدن أخرى- وبالتحديد مدن المركز ،كتل أبيب- . في هذا المضمار أشار آخرون إلى خطورة تقوية مدن المركز على حساب الريف، ومن ضمنها الجليل الذي يشكل رئة خضراء لإسرائيل؛ لما يحويه من ثروات مائية وسياحية وأمنية ،ولوقوعه في الجهة الشمالية الحدودية بين تجمعات عربية ودول عربية تصنف بأنها دول معادية، وبالتالي فأن تهميش الجليل وعدم منح الموارد اللازمة للتجمعات السكنية اليهودية يسبب تدهورا للأوضاع، وكذلك يسبب هجرة يهودية نحو مدن المركز، مما يعزز السيطرة العربية المطلقة على هذه المنطقة. (أرنون سوفير، يبجنيا بيستروف، دولة تل أبيب تهديد لإسرائيل، جامعة حيفا، 2006، ص 6-64).

وبنفس الروح التي تحدث بها مجموعة من الخبراء جاءت هذه الورقة لتعالج بعض القضايا المتعلقة بأهمية ومركزية الجليل في الأجندة الوطنية والقومية الإستراتيجية الإسرائيلية، فيعتقد البعض أن إهمال الأطراف ومناطق الريف لصالح المدن المركزية يشكل تهديدا للأمن القومي، وذلك سيختزل الحدود الإسرائيلية والمساحات الجغرافية الممتدة على الشريط الحدودي الشمالي وعلى الساحل، وسيؤدي إلى تطبيق قرار التقسيم 1947 ،علما بأن قسما كبيرا من أراضي الجليل كان من المفروض أي يقع تحت سيطرة الدول العربية، ومن المعطيات التي وردت في هذه الورقة يظهر بأن معدل الدخل المتوسط العام في الشمال والجليل هو الأقل في البلاد، ويصل إلى أقل ب 20% من معدل متوسط الدخل العام القطري، وتشكل نسبة العاطلين عن العمل في العام 2010 النسبة الأعلى مقارنة مع باقي المناطق في البلاد، ووصلت إلى 8.3% ،وهي أعلى من المتوسط العام الموجود في البلاد والبالغ 6.3% ، بالإضافة إلى ذلك فإن نسبة الحاصلين على شهادات البجروت هي النسبة الأقل مقارنة مع باقي المناطق، كما تشير المعطيات إلى أن نسبة الأطباء المستوعبين في الشمال هي الأقل أيضا. ( تومي شتاينر، دانا شفيرتسبرغ، الجليل؛ الأدوات والأولويات لتطوير المنطقة، مؤتمر هرتسليا الثاني عشر، معهد السياسة والاستراتيجية، 2012).

وتتطرق الوثيقة إلى المجتمع العربي في الجليل؛ فتشير إلى أن العرب في الجليل يشكلون 56% من السكان، وأنهم الأكثر معاناة، وهذا بدوره يشكل خطرا وتهديدا طويل الأمد على أمن واستقرار إسرائيل، ويشكل تهديدا لشكل وصورة إسرائيل أمام المجتمع الدولي، لذلك فإن تطوير الجليل وتحسين أوضاع العرب واستيعابهم من شأنه أن يعود بالفائدة على مستوى كل المواطنين، بما في ذلك المستوى القومي، وتستعرض الورقة المميزات والخصائص التي تجعل من هذه المهمة صعبة ،ومنها؛ التركيبة السكانية غير المتجانسة، عدم وجود مركز متروبوليني مدني موحد- والذي من شأنه أن يساهم في تلبية حاجيات المنطقة كمركز مديني، ويساعد على تقديم الأدوات المناسبة لهذه المنطقة-.

أما العامل الثالث الذي يجعل الصورة معقدة ومركبة ويقف عائقا أمام تطوير الجليل؛ فهو التنافس بين السلطات المحلية للحصول على هبات ومخصصات أكثر من قبل السلطات المركزية، بحيث يتنافس أكثر من مائة سلطة محلية في الجليل فيما بينها، مما يؤثر سلبا على المنطقة بسبب انعدام الرؤية الإستراتيجية والمكانية العامة.

أدى انعدام الرؤية الإستراتيجية إلى تهميش القرارات التي اتخذتها الحكومات الإسرائيلية من العام 2005 والمعروفة بقرار رقم “3489” والتي تنص على بناء تصور وبرنامج استراتيجي لتطوير وبناء الجليل.

وتشير الورقة أيضا بأن الجهود التي بذلت تعتبر غير كافية ومحدودة مقارنة مع الجهود التي بذلت لتطوير منطقة النقب، ومن أجل ذلك تقدم الورقة توصيات هامة في إطار تطوير النقب ضمن رؤية مكانية وإستراتيجية.

• الإستراتيجية الأولى تتعلق بتطوير الجانب الأكاديمي بشكل مرحلي، ومن ثم تطوير مكاني للمنطقة، وذلك يعني زيادة عدد الكليات الأكاديمية في منطقة الجليل كمركب أساسي للأبحاث العلمية، وعدم تمركزها لتوفير التعليم الأكاديمي فقط لسكان الريف، ويشير التقرير بأن هناك 6 كليات في منطقة الجليل؛ ولكنها لم تنجح حتى الآن في الجانب الديموغرافي المتعلق بجذب الطلاب وتسكينهم، لذلك توصي هذه الرؤية إلى بناء جامعة أكاديمية في الجليل حتى تستطيع أن تدفع التدفق البشري وتساهم في التغيير السكاني من خلال “الهجرة الايجابية”، وتوفير أماكن العمل والتشغيل، واستقطاب عدد أكبر من الطلاب في هذه المنطقة، وما يترتب عن ذلك من تأثير اقتصادي واجتماعي يعود بالمنفعة للدولة.

• أما الجانب الآخر فهو إستراتيجية لتطوير السياحة في منطقة الجليل لتجذب سياحة دولية، وذلك يشمل رؤية لبناء حدائق قومية تحوي مواقع استجمام ونقاهة ومغامرة، بالإضافة إلى ذلك تطوير وتوسيع المجالات السياحية والأثرية الموجودة في المنطقة ،بخاصة المسيحية واليهودية ،والاستفادة منها.

الخلاصة:

تعترف الورقة بالفوارق الاجتماعية والاقتصادية الموجودة بين العرب واليهود في منطقة الجليل، فيشكل العرب السواد الأعظم من منطقة الجليل، وهناك تغييب لبعض الحقائق في هذه الورقة ، ويشار إلى تباطؤ الحكومة فيما أسمته بـ “تطوير الجليل”، والى الفوارق الاجتماعية – وهذا يدخل في إطار السياسات الإثنية التي تشغل المؤسسات والسلطات الرسمية، مما يؤكد وجود رؤى وخطط إستراتيجية أمنية وقومية تتعلق بمنطقة الجليل، ويظهر ذلك في السلوكيات السياسية الإسرائيلية المتخذة في هذا المجال، فهناك وزارة كاملة أنشأت في الحكومة برئاسة الوزير “سلفان شالوم” خاصة بالنقب والجليل، ومهمتها البحث عن برامج لتهويد الجليل والنقب، ولعل قسما من هذه التصورات والبرامج “التطوير” سيأتي في مراحل متأخرة ،ولعله ينتظر تغيير الميزان الديموغرافي والسكاني أولا.

مركز الدراسات المعاصرة الأستاذ مجدي طه 13/2/2012

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.