أقلام وأراء

التهديد الكلامي نقاب لعلاقة أمنية تتطور بين حماس وإسرائيل

حسن عصفور ١٠-١-٢٠٢٢م

منذ “حرب مايو” 2021، بما لها الكثير وعليها القليل، ودون التوقف عند رغي البعض تشكيكا، فالوضع بين قطاع غزة ودولة الكيان يعيش مرحلة بناء “قواعد انفصالية” أكثر فأكثر عن الضفة والقدس، بوعي كامل من دولة العدو، تنفيذا لخطة شارون الاستراتيجية نحو “كيان غزة” الخاص، و”بلديات موسعة” في الضفة دون المساس بالقدس.

حرب مايو، التي بدأت انتصارا للقدس وتحديدا أهالي الشيخ جراح وسلوان، لم تغير من واقع الأمر كثيرا في مسببها، ربما العكس يحدث، لأن توقفها لم يرتبط بقواعد خاصة حول “حقوق” واضحة، وعل حجم جرائم الحرب في أيام العدوان الأخيرة نالت من البحث عن أسس تحاصر التطهير العرقي والعنصرية ضد أهالي الحيين المقدسيين، لكنها حرب فتحت مسار خاص لأهل قطاع غزة.

منذ وقف “حرب مايو”، زادت وتيرة الحديث عن “تحسين مستوى المعيشة” لسكان قطاع غزة، وفتح باب العمل داخل إسرائيل لآلاف من العمال والتجار، وفك بعض ملامح الحصار الاقتصادي، مترافق مع انطلاق حركة “إعادة إعمار” و”اعمار” في ذات التوقيت، وتطوير المعادلة التي سادت منذ حرب 2008 وتعززت بعد حرب 2014، “مال مقابل تهدئة” الى “اعمار مقابل أمن”، والتي دخلت مسارها منذ ما بعد وقف “حرب مايو” الأخيرة.

المعادلة الجديدة منحت حماس اعترافا رسميا بكونها “الحاكم الرسمي” لقطاع غزة، وأن خط التواصل مع إسرائيل لم يعد عبر “النافذة القطرية” أو مصر، خاصة بعدما منحت حق التعامل الرسمي مع تصاريح العمل داخل الكيان، وتلك عملية أمنية بامتياز، فلا يمكن السماح لعامل تضع الأجهزة الأمنية الإسرائيلية، خاصة الشاباك، “ملاحظة رفض أو شك” حول اسمه من نيل التصريح، ولذا ستنقل المعلومة من “الأمن الإسرائيلي الى أمن حماس”، وهذا تغيير جوهري في العلاقة بين الطرفين، لم يكن سابقا.

تطور العلاقة الأمنية بين دولة الكيان الإسرائيلي و”حكم حماس”، وما بات بينهما من “مصالح متنامية”، لا يؤشر ابدا الى وجود ملامح الذهاب الى “معركة شاملة” بين الطرفين، وأن أي حرب قادمة لن تكون وفقا لحساب “بيدر قطاع غزة”، بل ترتبط بما هو “إقليمي عام”، خارج المصلحة الفلسطينية، أو أن تبادر حكومة “الإرهاب السياسي” في تل أبيب بعملية اغتيال كبرى عشية الاتفاق النووي مع إيران، لجر المنطقة الى بؤرة اشتعال خارج التوقعات.

ولذا، كل التسريبات التي تطلقها بعض من “مراكز النفوذ” في حكم حماس الغزي، أو تصريحات بعض من مسؤوليها، بمنح حكومة “الثنائي ونصف” في تل أبيب مهلة زمنية الى يوم كذا، ليست سوى ردح كلامي، لا قيمة له على الاطلاق، ولا يمثل وزنا سياسيا، بل يتحول الى مسخرة شعبية محلية، فالحروب لا تبدأ عبر تصريحات “صبية الكلام”، ربما يكون آثار تلك “الرسائل غير الذكية” استخفافا لا أكثر.

ولعل زيادة “الاستعراض العسكري” مؤخرا في قطاع غزة لم يكن رسالة “أمنية” لإسرائيل، كما حاولوا الحديث، بل هي رسالة سياسية بامتياز، أن “حكم حماس” في قطاع غزة بات له “أنياب” تحميه من البعد الداخلي في ضوء حركة غضب شعبي متنامي لأسباب متنوعة يمكن أن تنفجر في كل لحظة، فمخزونها أعلى بكثير من القدرة على السيطرة عليها بسبل تقليدية.

التهديدات الكلامية بفتح باب جهنم على إسرائيل خلال أيام، ما لم تستجب لطلبات “حكم حماس”، محاولة لذر الرماد في عيون أهل فلسطين، عن نمو علاقة أمنية خاصة تسير بلا ضجيج مع حكومة دولة الكيان، في سياق المصلحة الجديدة، ومن أجل تعزيز قواعد الحكم الخاص، الى حين أن تبدو في الأفق تغييرا للمعادلة الراهنة.

دولة الاحتلال، استثمرت “حرب مايو” في زيادة بناء “جدار الفصل” بين بقايا الضفة والمحميات الناشئة بها تحت حكم سلطة “مرتعشة”، و”نتوء غزة” تحت حكم حماس “القوية”، وهي ستعمل على تعزيز ذلك بسبل مختلفة، وأشكال متباينة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى